السبت، 6 أغسطس 2022


علي الأكبر

وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفى.

عروة بن مسعود شهد صلح الحديبية، زعيم من زعماء العرب، وسيد ممن ساد قومه فأحسن السيادة، وهو رابع أربعة من العرب سادوا قومهم، كما ورد عن النبي (ص) قول حول عروة، والثلاثة الآخرون، وهو قوله: "أربعة سادة في الإسلام: بشر بن هلال العبدي، وعدي بن حاتم، وسراقة بن مالك المدلجي، وعروة بن مسعود الثقفي" (أسد الغابة: ج 1 ص 227؛ ميزان الاعتدال: ج 2 ص 422).

وهذا ما نصَّ عليه القرآن في موقف معروف، إذ حكى عنهم ما قاله أحدهم -الوليد بن المغيرة- على سبيل المقارنة الفاشلة.. {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (الزخرف: 31).

والمقصود من القريتين هما مكة والطائف، أما المقصود من العظيمين فيهما، فهو القائل نفسه الوليد بن المغيرة بمكة ويعني بالثاني عروة الثقفي بالطائف، كما ورد في الإصابة والاستيعاب (الاحتجاج: ج 1 ص 37؛ البرهان في تفسير القرآن: ج 3 ص 587).

أجل كان عروة شخصية مرموقة، لكنه أبى أن يزعم العظمة كابن المغيرة وأمثاله، وكان شجاعاً وجريئاً بحيث إنه صمم على أن يدعو قومه للإسلام حالما يعود إلى الطائف وهكذا كان. فبعدما أسلم على يد الرسول الذي تبع أثره من الطائف وأدركه قبل دخول المدينة، وبعد أن تمكن الإسلام والإيمان من قلبه، استأذن النبي (ص) كي يرجع لهداية قومه.

وسأل رسول الله (ص) أن يرجع إلى قومه بالإسلام. فقال: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبصارهم، وكان فيهم محبباً مطاعاً (أسد الغابة: ج 3 ص 529؛ الاستيعاب: ج 3 ص 204).

فخرج يدعو قومه إلى الإسلام فأظهر دينه رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف على قومه، وقد دعاهم إلى دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله.

ومن إيمانه ورضاه وقناعته بواجب الصدع بالرسالة مع تحمل دفع الثمن باهظاً إنه أجاب بجواب واضح اليقين حينما سألوه "وقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله (ص) قبل أن يرتحل عنكم. (أسد الغابة: ج 3 ص 406؛ الاستيعاب: ج 3 ص 204؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 3 ص 112 – 113).

وكان من حسن العاقبة والمصير كما نسب للنبي (ص) قوله: إنّ مثله في قومه مثل صاحب يس من قومه (أسد الغابة: ج 3 ص 406؛ الاستيعاب: ج 3 ص 204؛ الإصابة في تمييز الصحابة: ج 3 ص 112 – 113) دعا قومه إلى الله فقتلوه.

في هذه الأجواء عاشت السيدة ليلى (رضي الله عنها) حيث نالت من الإيمان والحظوة لدى الله سبحانه وتعالى بحيث وُفقت لأن تكون مع نساء أهل بيت النبوة، تعيش أجواء التقى والإيمان، وتعيش آلام آل الرسول وآمالهم، وتشاطر الطاهرات أفراحهن وأتراحهن، وقد ظفرت بتوفيق كبير آخر، حيث أضحت وعاءً لأشبه الناس طراً برسول الله (ص).. فهي امرأة رشيدة، جليلة القدر، سامية المنزلة، عالية المكانة، رفيعة الشرف في الأوساط الاجتماعية، كيف لا وهي زوجة سبط سيد المرسلين وسيد شباب أهل الجنة أبي عبد الله الحسين (ع).

ولقد كان الأكبر نتاج هذا اللقاء، ومن هنا ندرك ببساطة عوامل بلوغ أحدهم مستوىً تربوياً عالياً جداً، وهي بعض عوامل تضلعهم العلم واضطلاعهم بالحكمة فضلاً عن التربية بالذات، وذلك عندما نأخذ بنظر الاعتبار وجود العناصر، أو توفر المقدمات الأساسية هذهِ سلفاً. وهي:

·   خلو الشخصية من الشوائب السلبية المعكرة والرافضة للإيجابيات والنافرة من الصفاء.

·   طهارة الروح، وصفاء النفس.

·   سلامة الضمير.. والتجاوب مع الوجدان.

·   نزاهة المشاعر، وسمو الأحاسيس.

·   التطلع للأفضل والتوق للأحسن.

·   السعي للاقتراب من الكمال وبلوغ مستوى المسؤوليات ومستوى حمل الرسالة.

هذه كلها مجتمعة تشكل تُربة الأرض الخصبة لبذر بذور التربية وغرس أشجار التربية الراسخة الأصول، الضاربة الجذور.. الثابتة في الواقع طالما تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

فهو (ع) أوّل الهاشميين الذين تقدّموا إلى الشهادة بين يدي الإمام أبي عبد الله الحسين (ع). وقد لا يسع الواصف الساعي إلى وصفه بما يكشف عن عِظم شأنه وعلّو منزلته وسموّ مقامه إلاّ أن يتمسك بالوصف الجامع المانع الذي وصفه به أبوه الحسين (ع) حين قال: "غلامٌ أشبه الناس برسول الله (ص) خَلقاً وخُلُقاً ومنطقاً!!" (راجع: مقتل الحسين للمقرم: ص 255).

وكان عمره الشريف يومئذٍ على أعلى الأقوال سبعاً وعشرين سنة، وعلى أقلّها ثماني عشرة سنة.

هل كان لعليّ الأكبر ذريّة؟

صرّح المرحوم العلوي بأنّ علي الأكبر(ع) لم يخلف عقباً وقال: روى ذلك غير واحد من شيوخنا (المجدي: ص 91)، وذكر حسام الدين في (الحدائق الوردية: ص 124) بأنه كان له عقب.

ونحن نعتقد بهذا القول الثاني، ويشهد لذلك:

1. ما ورد في زيارته (ع) المرويّة عن أبي حمزة الثمالي أنّ الأمام الصادق (ع) قال له: "ضع خدّك على القبر وقل: صلى الله عليك يا أبا الحسن" (كامل الزيارات: ص 416). وكما يحتمل أن تكون الكنية للتفاؤل بالولد الحسن، فإنه يحتمل أيضاً أنّها صدرت على الحقيقة وأنه كان له ولد اسمه الحسن.

2. رواية أحمد بن أبي نصر البزنطي تشهد بأنه كان متزوجاً من جارية له ولد منها، فإنه قال للإمام الرضا (ع): عَنِ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ ويَتَزَوَّجُ أُمَّ وَلَدِ أَبِيهَا؟ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِذَلِكَ"، فَقُلْتُ لَه: بَلَغَنَا عَنْ أَبِيكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (ع) تَزَوَّجَ ابْنَةَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) وأُمَّ وَلَدِ الْحَسَنِ، وذَلِكَ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِنَا سَأَلَنِي أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهَا. فَقَالَ: "لَيْسَ هَكَذَا، إِنَّمَا تَزَوَّجَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) ابْنَةَ الْحَسَنِ، وأُمَّ وَلَدٍ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَقْتُولِ عِنْدَكُمْ" (الكافي: ج 5 ص 361).

ومن المعلوم أنّ الجارية لا يقال لها أم ولد إلا إذا ولدت من سيدها، فهذا الحديث شاهد صريح على أنّ علي الأكبر كانت عنده جارية قد أولدها.

على أنَّ الاستضاءة بقول الإمام الصادق (ع) في تلك الزيارة التي رواها أبو حمزة الثمالي تكشف لنا عن حقيقة أضاعتها الحقب وهي أنّ للأكبر الشهيد أهلاً وولداً، وإن كان عقبه منقطعاً هو الآخر، فإنّ الإمام (ع) يقول فيها: "صلّى الله عليك وعلى عترتك وأهل بيتك وآبائك وأبنائك وأمهاتك الأخيار الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" (كامل الزيارات: ص 416).

ولفظ الأبناء جمع يدل على أكثر من اثنين، وكما يحتمل إرادة الصلبيين خاصّة يحتمل أيضاً أن يراد ما يعمّهم وأبناءهم لكنّ الاحتمال الثاني مدفوع بظاهر إطلاق اللفظ عند العرف، فإنه يختص بالصلبيين.

كما أنّ قوله (ع) "وعلى عترتك" دالُّ عليه فإنّ عترة الرجل ذرّيته فلو لم يكن له ذرّية لما صحّ استعمال هذا اللفظ وورود هذه الجملة في لسان الإمام العارف بخواص البلاغة ومقتضيات الأحوال أقوى برهان (عليّ الأكبر للمقرّم: ص 15، وكامل الزيارات: ص 416).

خروجه للشهادة ومحاولة أموية لاستمالته:

كانت الروح العشائرية والعصبية القبلية هي السائدة قبل مجيء الإسلام، مما أدَّى إلى صراع وخراب وسفك دماء دونما حساب، ولربما كانت لأسباب مصطنعة وهمية.

ويكفينا أن نتذكر دور زياد بن أبيه، والد عبيد الله بن زياد، وأفعاله الشنيعة عقيب استلحاق معاوية له بأبيه صخر بن حرب (أبي سفيان)، وكانت لهذه الرابطة الوهمية ويلاتها ومآسيها التي تصبُّ في مصلحة ملك معاوية ولتمكينه من رقاب المسلمين.

فعادت المعالم الجاهلية لتسود في زمن بني أمية، وكان لها أثرها الكبير في صنع الأحداث وفي إشعال حروب متكررة ضد آل الرسول.

فكانت استمالة بعض العناصر وفق منطق الصراع القبلي هو الأسلوب الأفضل، وهو ما يسمى بسياسة "فَرِّقْ تَسُدْ. فالعصبيّة التي أماتها الاسلام كان معاوية قد أطلق لها العنان لتمزِّق شمل الأمة، وفجر التناحر القبلي تفجيراً شديداً، واحتقر الموالي واضطهدهم، وأذلَّ الفقراء، وفرَّق بين البلدان الإسلامية في العطاء والمنزلة، كما فرَّق بين أشراف القبيلة الواحدة وبين عامتها، كل ذلك من أجل أن تجد الأمة نفسها في حال تمزقها وتناحرها مضطرة إلى التقرّب إليه بالطاعة والانقياد لأوامره" (مع الركب الحسيني: ج 1 ص 129-130).

ولهذا دعا معسكر يزيد علي الأكبر -حسب قول أبي نصر البخاري- إلى الأمان، وقالوا: "إنّ لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، يريدون رحم ميمونة بنت أبي سفيان. (سر السلسلة العلوية: ص 30). حيث كانت أم ليلى هي ميمونة بنت أبي سفيان ابن حرب.

يقول الزبيري: "وكان رجل من أهل العراق!! دعا علي بن الحسين الأكبر إلى الأمان، وقال له: إنّ لك قرابة بأمير المؤمنين يعني يزيد بن معاوية، ونريد أن نرعى هذا الرحم! فإن شئت أمناك" (نسب قريش: ص 57).

فما هو موقف علي الأكبر من ذلك العرض؟؟

لا بدَّ أن ندرك أنه عرض رخيص، وعلي الأكبر لا يركن إلى مثل هذه العروض الدنيئة. وقد سبق له أن استجاب لعرض لا يدانيه عَرض آخر، لهذا أصحاب العرض الرخيص بجواب قاطع: "لقرابة رسول الله (ص) أحق أن ترعى" (نسب قريش: ص 57)...

فلا رحم ولا قرابة أقدس مما وصى القرآن بها وحرص بشدة عليها، فأي يزيد أم أية رحم أموية هذه.

"لقرابة رسول الله أحق أن ترعى من قرابة يزيد بن معاوية.. ثم شد عليهم".

وحمل عليهم وهو يقول:

أنا علي بن الحسين بن علي              نحن وبيت الله أولى بالنبي

والله لا يحكم فينا ابن الدعي           أطعنكم بالرمح حتى ينثني

ضرب غلام هاشمي علوي

قال ابن أعثم: فتقدم نحو القوم، ورفع الحسين شيبته نحو السماء وقال: "اللهم اشهد على هؤلاء القوم! فقد برز إليهم غلام أشبه القوم خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمد (ص)، فامنعهم بركات الأرض، فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً، وأقطعهم قطعاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا يقاتلوننا".

ثم صاح الحسين بعمر بن سعد فقال: "ما لك قطع الله رحمك، ولا بارك لك في أمرك، وسلَّط عليك بعدي من يقتلك على فراشك، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من محمد (ص)".

ثم رفع الحسين صوته وقرأ: {إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الفتوح: ج 5 ص 114؛ مقتل الحسين للخوارزمي: ص 34).




 

من دروس كربلاء الحسين

عندما نريد أن نلتقي في ذكرى عاشوراء علينا أن نعي كيف نحيي هذه الذكرى، وكيف نتعلم منها الدروس التي تأخذ بنا في ارتباطنا الوثيق بخط أهل البيت (ع) في كل ما عاشوه وما ساروا عليه من فكر وخط وحركة، حتى نستطيع أن ندخلهم في عصرنا ولا نبقيهم في زوايا مغلقة.

وهذا ما نستوحيه رواية عَنْ عَبْدِ السَّلامِ (أبي الصلت) الْهَرَوِيِّ، عَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: "رَحِمَ اللهُ عَبْداً أَحْيَا أَمْرَنَا! قُلْتُ: كَيْفَ يُحْيِي أَمْرَكُمْ؟ قَالَ (ع):"يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا، وَيُعَلِّمُهَا النَّاسَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلامِنَا لاتَّبَعُونَا" (عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 307 الحديث 69؛ الوسائل: ج 27 ص 92 باب 8 من صفات القاضي حديث 52).

 الدرس الأول:

عندما نقرأ سيرة الحسين (ع) في انطلاقته الكربلائية، فإننا نجد أنّ العنوان الذي كان يحكم مسيرته هو عنوان الإصلاح في أمة جده (ص).. الإصلاح الفكري في مواجهة الانحراف الفكري، والإصلاح السياسي في مواجهة الانحراف السياسي، والإصلاح الاجتماعي في مواجهة الانحراف الاجتماعي.

وهذا ما لخصه الإمام (ع) في كلمتي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) اللتين تمتدان إلى كل معروف أو منكر في خط الإسلام.

فالحسين (ع) لم يتخذ وضعاً استثنائياً، بل لقد كان الواقع الإسلامي يريد أن ينتفض على السلطة الحاكمة، ولكن لم يكن يوجد رجل يمثل البصيرة والنفاذ والعزيمة والقوة والشرعية والقيادة بمثل ما وجدت في الحسين (ع).

نعم، لقد كانت الأمة رافضة لحكم يزيد..

وهذا ما عبَّرت به الأمة عن نفسها في واقعة الحرة بعد ذلك، والضجيج السياسي الكوفي الرافض في أكثر من موقع ... بل هذا ما عبَّرت رسائل الكوفة نفسها للحسين (ع): "فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فاقدم إذا شئت، فإنما تقدم على جند لك مجندة" (مقتل الحسين للمقرم: ص 145؛ البداية والنهاية: ج 8 ص 163).

بل هذا ما صرّح به الحسين (ع) حيث قال: "ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد تركني بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك، هيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون" (اللهوف في قتلى الطفوف: ص 122؛ الاحتجاج: ج 2 ص 24). فإنّ المؤمنين يرفضون من الحسين (ع) الاستسلام والانقياد ويطلبون منه الثبات والصمود وعدم الخضوع للإغراء والإرهاب.

ومن المهم هنا أن نؤكد أنّ الإمام الحسين (ع) لم يكن خياره في هذه المسيرة هو الحرب، بل كان مصلحاً محاوراً أراد أن يرسخ عزة الإسلام ويرجع للمسلمين كرامتهم.

ولذا وقف الإمام (ع) إزاء القوم، بعد أن استنفد طاقات الإقناع، ونظر إلى عمر بن سعد واقفاً في صناديد الكوفة، فقال (ع): "الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرّته، والشقي من فتنته، فلا تغرَّنكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها. وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلَّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم".

وفي نص آخر:

"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيَا فَجَعَلَهَا دَارَ فَنَاءٍ وَزَوَالٍ، مُتَصَرِّفَةً بِأَهْلِهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ، فَالْمَغْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ، وَالشَّقِيُّ مَنْ فَتَنَتْهُ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ وَمِنْهَا، فَنِعْمَ الرَّبُّ رَبُّنَا، وَبِئْسَ الْعِبَادُ أَنْتُمْ، أَقْرَرْتُمْ بِالطَّاعَةِ، وَآمَنْتُمْ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ 2 ثُمَّ أَنْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَعِتْرَتِهِ، تُرِيدُونَ قَتْلَهُمْ، لَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاكُمْ ذِكْرَ اللهِ الْعَظِيمِ، فَتَبّاً لَكُمْ وَلِمَا تُرِيدُونَ، إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ، فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (أنظر: المناقب لابن شهراشوب: ج 4 ص 100مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 357).

الدرس الثاني:

لقد كان الإمام الحسين (ع) بكل تضحياته كمثل النهر الذي يتدفق ويتفجر في كل مرحلة تشعرون فيها بأنّ للحرية قضية، وللعزة موقف، وللوحدة ضرورة في صفوفكم.

ولقد كان أصحاب الحسين (ع) من عشائر تتوزع على مجمل الجزيرة العربية، وكانوا -قبل أن يجتمعوا في كربلاء- متفرقين حتى في خطوطهم وانتماءاتهم السياسية.

ولكنّ صوت الحسين (ع) هو الذي دعاهم وربطهم بالحقيقة الواحدة وبالرسالة الواحدة، فتوحدوا بالحسين، واجتمعوا على اسمه حتى بعد أن جعلهم (ع) في حلٍّ من بيعته، لكنهم شعروا أنّ البيعة ليست الأمر الذي يربطهم به، إنّما هي الرسالة التي يؤمن بها من خلال قيادة الإمام الحسين (ع)، والخط الذي يتحركون فيه على أساس إمامته.

إنهم توحدوا بالحسين (ع)، وتوحدت مواقفهم ودماؤهم وكلماتهم، وتوحد الصدق في عهدهم، ولذلك كان الإمام (ع) عندما يستأذن أي شخص من أصحابه يتلو هذه الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}.

لقد قال لهم الإمـام (ع) بكل وضوح: "إنكم تقتلون غداً لا يفلت منكم رجل" (الخرائج والجرائح للراوندي: ج 2 ص 363). فقالوا: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك.

ولو أردنا أن نفتح آفاق هذا الخط الكربلائي لرأيناه مجسداً لخط الرسالات والنبوات، فأنت تقرأ بشمخ في زيارة وارث: "اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ نُوح نَبِيِّ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ إبْراهيمَ خَليلِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُوسى كَليمِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عيسى رُوحِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُحَمَّد حَبيبِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ أميرِ الْمُؤْمِنينَ...".

فهؤلاء الصفوة المباركة هو امتداد واحد لولاية الله على وجه الأرض، وخط حضاري واحد، ويحملون قضية واحدة، كما أنّ أعداءهم أمة واحدة، وخط حضاري واحد، وحرب واحدة. مما يعمّق الشعور بأنّ الأمة المسلمة على امتداد التاريخ منذ آدم (ع) إلى اليوم الحاضر أسرة واحدة، تلتف حول محور واحد، وتحارب جبهة واحدة.

وأنت عندما تتلو زيارة وارث سترى ثلاثة من مشاهد الولاء للحسين (ع):

1- التسليم: "اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللهِ". والتسليم من أهم عناصر الولاء فهي حاضرة في المحبة والمودة والانسجام النفسي والطاعة والانقياد والتسليم.

2- الشهادة: وتأتي ضمن ثلاث فقرات:

أ - الشهادة للحسين بإقامة دعائم الدين.. "أشْهَدُ أنَّكَ قَدْ أقَمْتَ الصَّلاةَ وَآتَيْتَ الزَّكاةَ، وَأمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأطَعْتَ اللهَ وَرَسُولَهُ حَتّى أتاكَ الْيَقينُ".

يقول الحسين (ع) في مسيرته:

"ألا تَرَونَ إلَى الحَقِّ لا يُعمَلُ بِهِ، وإلَى الباطِلِ لا يُتَناهى عَنهُ! لِيَرغَبِ المُؤمِنُ في لِقاءِ رَبِّهِ مُحِقّاً، فَإِنّي لا أرى المَوتَ إلّا سَعادَةً وَالحَياةَ مَعَ الظّالِمينَ إلّا بَرَماً< (اللهوف في قتلى الطفوف: 448؛ موسوعة الإمام الحسين ريشهري: ج 3 ص 375؛ مثير الأحزان: ص 44).

"أيُّهَا النّاسُ! إنَّ رَسولَ اللهِ 2 قالَ: (مَن رَأى سُلطاناً جائِراً، مُستَحِلّاً لِحُرَم اللهِ، ناكِثاً لِعَهدِ اللهِ، مُخالِفاً لِسُنَّةِ رَسولِ اللهِ، يَعمَلُ في عِبادِ اللهِ بِالإِثمِ وَالعُدوانِ، فَلَم يُغَيِّر عَلَيهِ بِفِعلٍ ولا قَولٍ، كانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أن يُدخِلَهُ مُدخَلَهُ). ألا وإنَّ هؤُلاءِ قَد لَزِموا طاعَةَ الشَّيطانِ، وتَرَكوا طاعَةَ الرَّحمنِ، وأظهَرُوا الفَسادَ، وعَطَّلُوا الحُدودَ، وَاستَأثَروا بِالفَيءِ، وأحَلّوا حَرامَ اللهِ، وحَرَّموا حَلالَهُ، وأنا أحَقُّ مَن غَيَّرَ" (موسوعة الإمام الحسين ريشهري: ج 3 ص 377؛ تاريخ الطبري: ج 5 ص 403؛ الكامل في التاريخ: ج 2 ص 552 نحوه).

 ب - الشهادة بالطهر والنزاهة .. "أشْهَدُ أنَّكَ كُنْتَ نُوراً فِي الأصْلابِ الشّامِخَةِ، وَالأرْحامِ الْمُطَهَّرَةِ، لَمْ تُنَجِّسْكَ الْجاهِلِيَّةُ بِأنْجاسِها، وَلَمْ تُلْبِسْكَ مِن مُدْلَهِمّاتِ ثِيابِها". وهو طهر موروث خلفاً عن سلف، وهو حصيلة اللقاح بين أصلاب شامخة رفيعة وأرحام مطهرة سلمت من أوساخ وأدناس الحضارات الجاهلية التي تناوبت على حياة الإنسان.

ج - الشهادة بموقع الحسين (ع) من حياة الأمة .. "وَأشْهَدُ أنَّكَ مِنْ دَعائِمِ الدّينِ، وَأرْكانِ الْمُؤْمِنينَ، وَأشْهَدُ أنَّكَ الأمامُ الْبَرُّ التَّقِيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ الْهادِي الْمَهْدِىُّ وَأشْهَدُ أنَّ الأئِّمَةَ مِنْ وُلْدِكَ كَلِمَةُ التَّقْوى، وَأعْلامُ الْهُدى، وَالْعُروَةُ الْوُثْقى، وَالْحُجَّةُ عَلى أهْلِ الدُّنْيا"..

3 - الموقف: "إَنّي بِكُمْ مُؤْمِنٌ وَبِإيابِكُمْ، مُوقِنٌ بِشَرايـِعِ ديني وَخَواتيمِ عَمَلي، وَقَلْبي لِقَلْبِكُمْ سِلْمٌ، وَأمْري لأمْرِكُمْ مُتَّبِـعٌ". والموقف هنا في (الإيمان والرأي) وفي (العمل). ليس أعز على الإنسان المؤمن من شرائع دينه الذي يدين به لله تعالى، وخواتيم عمله، الذي يختم بها حياته، حيث لا يمكن أن يتدارك منه شيئاً..

فإذا فاتنا طريق الشهود مع الحسين في كربلاء فإنّ قلوبنا التي عمرها الله بولائه وولاء أوليائه لا تنفك عن الاستجابة لدعوته، وبمقارعة الظالمين، وكسر شوكتهم وسلطانهم، وتعبيد الناس لله، وتحكيم شريعة الله تعالى وحدوده في حياة الإنسان، وانتزاع الإنسان من محور الطاغوت "لَبَّيْكَ داعِيَ اللهِ إنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَد أجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي".

ما الذي نستفيد في هذا الموقف؟

لا شك أننا نحب الحسين (ع) ونحب أخاه، ونحب أمه، وأباه وجده، والأئمة المعصومين من ذريته، وننتظر حفيده لنكون من جنوده.. نحبه (ع) ونحبهم لأنّهم حملوا رسالة الله، ولأنّهم جاهدوا في سبيل الله، وأعطوا كل شيء يملكونه لله، من هنا فحبنا لهم ليس ذاتياً، وليس حب قرابة، أو حب صداقة، ولكنه حب يفرضه علينا انتماؤنا إلى الاتجاه الذي انطلق منه الحسين (ع).

لقد انطلق الحسين (ع) ليقول لنا:

1 - فكروا في قضايا أمتكم من خلال الإسلام الذي حمله جدي رسول الله (ص)، وأصلحوا ما فسد فيها. فكروا في قضايا الأمة حتى يكون كل واحد منكم مسلماً يحمل همّ الإسلام كله، وهمّ المسلمين كلهم.

2 - لا تعيشوا عصبية الذات أو العائلة أو الوطن أو عصبية القومية. عيشوا رسالية الإسلام في كل المساحات الإنسانية التي للإسلام فيها قضية، وللرسالة فيها خط.



الجمعة، 5 أغسطس 2022


 

الإمام الحسين وفاعلية الذكرى

"الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة".

منذ أربعة عشر قرناً من الزمن تقريباً، ونحن نحيا هذه الذكرى في حياتنا، حتى تحوّلت إلى عادةٍ متأصلة متجذّرة في وجداننا الديني؛ ينشأ عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير.

وما زالت تتنامى وتتسع وتمتد في كلِّ ساحة يتحرك فيها الإسلام في خط أهل البيت (ع).

على أنَّ الطابع الذي أخذته هذه الذكرى في تقاليدنا وفي عاداتنا هو طابع الحزن الذي تسيل معه الدموع وربما تحترق فيه القلوب.

إنَّ حركة الإمام الحسين (ع) كانت نحو الفتح الكبير على مستوى الذهنية الإسلامية التي يريد أن يطلقها باتجاه قضايا الحرية والعدالة، والمنهج الإسلامي القويم.

لهذا نبههم (ع) إلى أنهم من أمة محمد (ص)، وأنّ هناك فساداً في الأمة، وأنه (ع) انطلق ليُصلح، وأنّ عليهم أن يتبعوه.. وهكذا طرح مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أساس أنه يمثل الرقابة الاجتماعية التي يتحوّل فيها كل مسلم إلى (خفير)، فكلُّ مواطن في الإسلام هو حارس للقيم والأخلاق في حياة المجتمعات.

أجل، إنَّ كل مسلم هو حارس للقضايا الكبرى التي يمكن أن يتحرك ضدها هذا الفريق أو ذاك. وهذا ما يُسمى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي دعا الله سبحانه وتعالى الناس إليه، ليهيِّئ من نفسه نشر الخير والصلاح: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، على أساس أنَّ سلامة المجتمع هي في الدعوة إلى المعروف ومواجهة المنكر الذي يمكن أن يساهم في إسقاط حياة الناس فكرياً وسياسياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً.

وعندما طرح الإمام الحسين (ع) هذه المسألة، طرحها من أجل أن تفتح عقول الناس على هذه العناوين، وأن تفتح أرواحهم على أن تتحسس مثل هذه الأمور.. ولم يكن في أسلوبه (ع) أن يتحرك من موقع الإصلاح المسلح؛ فقد خاطب الناس قائلاً: "من قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، ويحكم بيني وبينهم بالحق، وهو خير الحاكمين" (الفتوح لابن أعثم: ج 5 ص 21).

فالإمام الحسين (ع) هو إمام للمسلمين، بكلِّ ما للإمامة من عمق روحي وفكري وأخلاقي وما لها من عصمة في كلِّ عناصرها الفكرية والسلوكية، فهي تمثل في معناها العميق الامتداد الحركي للنبوة، من دون نبوة.

كربلاء حالة إسلامية:

ولعلّ المشكلة في مأساة الحسين (ع) عندنا هي أننا حصرناه في هذا الدائرة، ولذلك، لا نجد حديثاً عن الحسين (ع) يشير إلى ما كان يعظ به الناس، أو يرشدهم به، أو يوجههم إليه؛ فالحسين (ع) ليس مجرد حالة كربلائية، بل هو حالة إسلامية.

ولذلك، لا بدَّ لنا أن نلتقي بالحسين الإمام؛ لنعيش مع مواعظه وتعاليمه، ومع نصائحه ووصاياه؛ فالارتباط به (ع) هو الارتباط بالحق الذي رسمه في سيرته العملية وفي جانب القيمة الروحية والأخلاقية.

فلنصغي إلى الحسين (ع) مما رُوي عنه من كلمات، لكي نعالج بعض ما نعيشه في حياتنا من سلبيات الواقع.

1 - النهي عن الغيبة:

قال الحسين (ع) لرجل اغتاب عنده رجلاً -وكم يغتاب الناس عندنا الناس- قال له: "يا هذا كفَّ عن الغيبة، فإنها إدام كلاب أهل النار" (تحف العقول: ص 256)، فالذين يغتابون الناس يقتاتون في جهنم من نتائج الغيبة في عذاباتها. وقد عبَّر عن أصحاب النار بكلمة "كلاب أهل النار"، ونحن نعرف كيف قرَّب الله لنا الغيبة في طعامها: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}، أن تغتاب أخاك فكأنك تأكل لحمه وهو حيّ.

ونحن عندما نجلس في مجالس الحسين (ع)، ما أكثر ما نغتاب الناس، وما أكثر ما نُظهر العيوب المستورة، وما أكثر ما نتحرك به من تهشيم الناس في كراماتهم في الواقع الاجتماعي أو في الدائرة الدينية.

إنَّ مسألة الغيبة ليست شيئاً يتصل بنفسية الذي يغتاب، ولكن تأثيراتها هي في أنها تربك الواقع الاجتماعي وتُسيء إلى كرامات الناس وتفضح أسرارهم.

وفي كلمة أخرى يقول (ع): "إذا سمعت أحداً يتناول أعراض الناس فاجتهد أن لا يعرفك" (التذكرة الحمدونية: ج 1 ص 298؛ بحار الأنوار: 71 ص 200؛ ).. يعني: إذا كان هناك في المجتمع شخص يتناول كرامات الناس، بحيث يذمّ هذا، ويهتك حرمة ذاك، ويفشي سر آخر..، فاجتهد أن لا تكون بينك وبينه علاقة، عبِّر عن رفضك له بأن لا تُنشئ بينك وبينه أية صداقة، لأنَّ على الإنسان إنكار المنكر بالوسيلة التي يشعر فيها فاعل المنكر أنه مرفوض من المجتمع.

2 - الابتعاد عن الظلم:

وفي كلمة قالها علي بن الحسين (ع) لولده محمد بن علي (ع)، يذكر فيها وصية أبيه الحسين (ع): "يَا بُنَيَّ أُوصِيكَ بِمَا أَوْصَانِي بِه أَبِي (ع)، حِينَ حَضَرَتْه الْوَفَاةُ، وبِمَا ذَكَرَ أَنَّ أَبَاه أَوْصَاه بِه، قَالَ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلَّا اللهُ" (الكافي: ج 2 ص 331؛ أمالي الصدوق: ص 249 الحديث 272)..

فالإنسان يمكن له أن يظلم شخصاً قوياً، ممن يستطيع أن يدفع ظلمه، كمن له عندك مال وتنكر عليه ماله، ولكنه يستطيع ردَّ ماله بطريقة معينة، ولكن هناك من لا يجد ناصراً إلا الله، كالأزواج الذين يظلمون زوجاتهم، فمجتمعنا لا يزال مجتمع الرجل، فقد يضغط على المرأة لتسامحه وتتنازل عن مهرها، أو يضغط عليها ليمنعها من أن تعبر عن إنسانيتها.

وهكذا يوجد الكثير من الأشخاص الذين ينظرون إلى المرأة كخادمة في البيت، وممن يمنعون الزوجة من زيارة أهلها، أو من رعاية أمها وأبيها، أو أن تقوم بالشؤون الإنسانية، وقد يقول هذا حقي بحجة أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من البيت إلا بإذن زوجها.

ولكن الله عندما أعطاك بعض الحق، أراد لك ألا تتعسف في استعماله، أراد لك أن تكون إنساناً لا وحشاً.

عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به. عندما يكون للإنسان حق فعليه أن يستعمل حقه بإنسانيته، فعلى الإنسان أن لا يخرج عن إنسانيته في هذا المجال، ولقد قلنا مراراً إن الحياة الزوجية لا تقوم على أساس أن يقف الرجل ليقول لزوجته إن المادة الفلانية تحكمك {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} فما يحكم الزوجين هو المودة والرحمة.

وكذلك عندما نظلم أبناءنا، أو عندما يظلم الأستاذ التلميذ، أو في أي مجال نُنفّس فيه عن الاحتقان الموجود في أنفسنا بالضعفاء.. لأن ظلم الضعيف أفحش الظلم، وهناك بيت شعر يقول:

تنام عينك والمظلوم منتبـهٌ                 يدعو عليك وعين الله لم تنمِ

وما من يدٍ إلا يد الله فوقها                وما ظـالم إلا ويبلى بأظلـمِ

إنكم تحتجون على ظلم يزيد وجيشه للحسين (ع)! فإذا كنتم تحتجون على الظلم الكبير، فلماذا تمارسون الظلم الصغير؟! وقد جاء في دعاء الإمام زين العابدين (ع): "فَكَما كَرَّهْتَ إِلَيّ أَنْ أُظْلَمَ، فَقِني مِنْ أنْ أظْلِمَ"، هذا هو خط أهل البيت (ع) إذا كنتم تريدون أن تتحركوا في خطهم (ع).

3 - التوازن في الموقف:

في حديث للإمام الحسين (ع) يقول: "إياك وما تعتذر منه، فإنّ المؤمن لا يسيء ولا يعتذر، والمنافق كل يوم يسيء ويعتذر" (وسائل الشيعة: ج 16 ص 159 الحديث 21238؛ تحف العقول: 259)، فالاعتذار ذلٌ؛ لأنك تقف أمام من تعتذر منه لتعبِّر عن سقوطك أمامه، فالإمام الحسين (ع) يقول إنَّ المؤمن لا يتصرف تصرفاً يضطر أن يعتذر منه، ولذلك فهو لا يُسيء، عندما يعلم أنَّ الإساءة يعقبها الاعتذار، بحسب الظروف الاجتماعية المحيطة بالموضوع.

وقد ورد في الحديث في تفسير قوله تعالى: {وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} قال (ع): "إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَه كُلَّهَا، ولَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْه أَنْ يَكُونَ ذَلِيلاً ". قِيلَ لَه: وكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَه؟! قَالَ: "يَتَعَرَّضُ لِمَا لَا يُطِيقُ" (الكافي: ج 5 ص 64؛ تهذيب الأحكام: ج 6 ص 180). بحيث يدخل في أمور تجعله يعتذر عنها..

إذن على الإنسان عندما يريد أن يقدم على أي عمل يتعلق بنفسه، وبالناس، فإنّ عليه أن يدرس هذا العمل، فإذا رأى أنه يستطيع أن يتحمل مسؤولية العمل، وأن يدافع عنه، وأن يقنع الناس بحجته في ما عمله فليعمله، أما إذا رأى نفسه غير قادر على أن يتحمل مسؤولية عمله، وأنه سوف يضطر إلى أن يقدم عذراً إلى من كان العمل موجهاً إليه، فعليه أن لا يعمله.

ثم يقول الإمام (ع)، في ما روي عنه: "موتٌ في عزّ خيرٌ من حياة في ذلّ" (مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 224)، يعني، كُن العزيز الذي يملك قوة الموقف والكلمة والتحدي، ولا تكن الذليل الذي يحاول أن يسقط إنسانيته ونفسه، لأنَّ قيمة الحياة بمقدار ما تملك لحياتك قوتها وعنفوانها وعزتها وكرامتها.

4 - تبادل الأمن والسلام:

ثم يقول (ع): "البخيل من بخل بالسلام" (معاني الأخبار للصدوق: ص 340؛ تحف العقول: ص 259)، فبعض الناس عندما يمرّ عليك لا يسلِّم؛ لأنَّ عنده انتفاخ في شخصته وسلوكه، ويريدك أنت أن تسلِّم عليه، فالإمام يقول عن مثل هذا الشخص إنه أبخل الناس؛ لأنَّ السلام لا يكلفه شيئاً، والسلام هو الرسالة التي ترسلها من داخل عقلك وقلبك وإنسانيتك للإنسان الآخر لتقول له: يا صاحبي إنَّ علاقتي معك هي علاقة السلام، وإني أعطيك التحية الإسلامية من قلبي.

فالسلام لا يمثّل تنازلاً منك لمن تسلّم عليه، بل يمثل ارتفاعاً بك. فالسلام هو الرسالة التي ينفتح فيها قلب على قلب، وفي الحديث الشريف: " للسلام سبعون حسنة، تسع وستون للمبتدئ، وواحدة للراد" (تحف العقول: ص 259؛ بحار الأنوار: ج 75 ص 122)، ثم إنّ السلام هو عملية تدريبية للدخول إلى الجنة، حيث السلام تحية أهل الجنة: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}، ولعلّ تحية السلام أروع تحية إنسانية، لأنها تعطي الذي تسلم عليه أماناً من كل عدوان منك، ويبادلك هذا الأمان بأمان.

ونحن نسينا السلام، لأنه بنظرنا أصبح (موضة) قديمة، وصرنا نستبدله بكلمات أخرى. ولكن السلام في تعبيره الإنساني، يعطي معنى إحساسك بإنسانيتك اتجاه الآخر، وإحساس الآخر بإنسانيته.

5 - الخوف من الله:

وجاء عن الإمام الحسين (ع) أيضاً أنه قيل له يوماً: ما أعظم خوفك من ربك؟ قال: "لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف الله في الدنيا" (مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 224)، فإذا أردت أن تكون الآمن يوم القيامة، عليك أن تخاف الله في الدنيا {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}، أن تخافه، بأن لا تعمل ما لا يرضيه.

وروي عنه (ع)، قال: "البكاء من خشية الله نجاة من النار" (جامع الأخبار: ص 259)، أن تجلس بين يدي ربك لتتذكر ذنوبك وسيئاتك، لتبكي من خشية الله، من قلبك وعقلك، ليشهد الله عليك بأنك نادم على ما فرط منك، عازم على أن لا تفعل في المستقبل شيئاً.

6 – محاسبة النفس:

وسُئِل الإمام الحسين (ع) فقيل له: كيف أصبحت يابن رسول الله؟ قال: "أصبحت ولي ربٌ فوقي والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي -فالحساب محدق بي من جميع الجهات: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}- وأنا مرتهنٌ بعملي -{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }-، ولا أجد ما أحب، ولا أدفع ما أكره -لأني لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً- والأمور بيد غيري -فهي بيد الله- فإن شاء عذبني، وإن شاء عفا عني، فأي فقير أفقر مني"؟! (من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 404)، كيف أصبحنا، هل نفكر بهذه الطريقة؟! هل نتذكر في صباحنا ربنا لنتّقيه ولنطيعه ولنحسب حسابه؟!

هل نتذكر الموت والحساب وموقعنا في لقاء الله؟!

لننطلق من هذه الروحانية الأخلاقية الحسينية.

هذا هو الحسين، فإذا حضرتم مجالسه، فتذكروه في مواقع إمامته، حتى نكون في خطه، في واقعنا وسلوكنا وإيماننا في الحياة، ولنكون معه يوم القيامة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وتلك هي قيمة عاشوراء، أن تنشىء جيلاً إسلامياً، ورعاً، تقياً، محباً لله، خائفاً منه، مستقيماً على خط الله، تلك هي عاشوراء التي نتحرك فيها بالعمق في الفكر والروح وليست كالتي نتحرك فيها ومعها بالشكليات.

"اللَهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ، وَأَنْتَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ، وَأَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِـي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ، كَمْ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فِيهِ الْفُؤَادُ، وتَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ، ويَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ، ويَشْمَتُ فِيهِ الْعَدُوُّ، أَنْزَلْتُهُ بِكَ وَشَكَوْتُهُ إلَيْكَ، رَغْبَةً مِنِّي إلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ، فَفَرَّجْتَهُ عَنِّي‌ وَكَشَفْتَهُ وَكَفَيْتَهُ، فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ، وصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ، ومُنْتَهَي كُلِّ رَغْبَةٍ".

  الإمام المهدي الغائب الشاهد المهدوية ودلالاتها الحضارية مقدّمة ليست قضية الإمام المهدي مسألةً هامشية في الوعي الإسلامي، ولا فكرةً أس...