‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا اجتماعية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا اجتماعية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 22 أبريل 2019



** اليوم العالمي للكتاب / القراءة ليست هواية **


ما اللغة؟ كيف نتعامل معها؟ كيف حدثت اللغة؟ أسئلة كبرى من قبيل أسئلة الخلق وكيف بدأ والإنسان وكيف عقل.

في الأصل كانت اللغة مجرد قدرة على إنتاج الأصوات ولهذا كانت في الأصل لغوًا. لم يكن البشر الأول من الناحية الفيزيولوجية قادراً على التواصل الرمزي المعقد ولكنه كان من غير شك قادراً على الصراخ والتصويت.

وتشير الحفريات إلى أنَّ بشر النياندرتال الموجود قبل الإنسان الحالي أو الآدمي لم يكن قادراً على التواصل بنظام رمزي فعَّال ومنظَّم، وربما كان هذا سبب انقراضه؛ حيث تعلل الدراسات الحفرية والأنثروبولوجية انقراض البشر السابق على الإنسان الحالي بعجزه عن التواصل اللغوي، والجميل أنَّ ابن حزم الأندلسي، يؤكد التلازم بين الوجود أو البقاء واللغة، فالعجز عن الكلام يؤدي بالضرورة لدى ابن حزم إلى العجز عن البقاء، (راجع: الإحكام في أصول الأحكام: ج ١ ص ٣٠) مع أنه بالتأكيد كان قادراً على الإشارة، وهي نوع من البيان بتعبير الجاحظ أو بتعبير العلماء ذوي النزعة التطورية.

ولعل من المنطقي أن تكون رحلة الإنسان مع اللغة قد بدأت منذ فترة بعيدة وانتقلت من مرحلة إلى أخرى في اتجاه تصاعدي متطور وتعليم الله، سبحانه، الإنسان البيان أو الإعراب لا يمكن النظر إليه على أنه تعليم وقع مرة واحدة؛ لأنَّ هذا الفهم يسقط مفهوم الخلق الكامل لآدم على قدرة آدم على التواصل باللغة.

إنَّ افتراض وقوع عملية الخلق خارج إطار التطور؛ (بمعناه القرآني وليس بالضرورة بمعناه الدارويني) تسمح باستنتاج مبسط لعملية التواصل اللغوي وهو أنَّ كمال الخلق يقتضي كمال صفات المخلوق كما نعرفها الآن من قدرة على التفكير والتواصل اللغوي...

وتعد الكتابة أهم اختراعات الإنسان على الإطلاق. ثم كانت الطباعة نقلة نوعية هائلة فى الأدوات المعرفية للإنسان؛ ومن هنا نشأت العلاقة بين الإنسان والكتاب وتطورت واتخذت شكلاً حميميًا لم ينشأ بين الإنسان وأى من اختراعاته الأخرى.

وعلى الرغم من تطور الأدوات المعرفية ، السمعية والبصرية التى اخترعها الإنسان، فإن الكتاب يظل صاحب الحظوة فى علاقته الخاصة بالإنسان لأنه يصحبه فى أي مكان، ولأنه يترك لخياله مراحًا مناسبًا من ناحية أخرى. ولكن العلاقة بين الإنسان والكتاب في العالم العربي تشهد حاليًا تراجعاً مخيفاً يوازيه تراجع مخيف فى مستوى الوعى العام وفى مستوى البناء المعرفي لدى الفرد.

وهذه الدراسة تحاول رصد الظاهرة وتفسير بعض جوانبها من خلال قراءة ما جرى. ولنبدأ القصة من أولها

هل القراءة هواية؟

لطالما كتب الكثير من التربويين عن القراءة وأهميتها وفوائدها، لكن أرى أن كتاباتنا السابقة لم تتعمق كثيراً في أهمية القراءة، فهناك مفاهيم أعمق مما يطرح يجب أن نتناولها، وهناك مفاهيم يجب أن تصحح، هذا ما أراه حسب وجهة نظري، والقراءة والكتاب والثقافة والتقدم والتطور أمور متلازمة ومفاهيم مترابطة، لذلك علينا أن لا نمل من التطرق لمثل هذه المواضيع بحجة التكرار، وعلينا أن لا نمل من طرحها لأننا نعاني من ظاهرة شح القراءة في مختلف شرائح المجتمع..

وقد ذكرت مجلة البيان الإماراتية هذا التقرير:

1-   كل 80 مواطناً عربياً يقرأون كتاباً واحداً في السنة. في المقابل، يقرأ المواطن الأوروبي نحو 35 كتاباً في السنة.
2-   يأتي دافع القراءة للترفيه أولاً بالنسبة للدول العربية بنسبة 46 %، بينما لا يبلغ دافع التماس المعلومات إلا 26 % فقط.
3-   العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنوياً.
4-   معدل النشر في الدول العربية سنوياً حوالي 6500 كتاب، بينما يصل 102000 كتاب في أميركا الشمالية و42000 كتاب في أميركا اللاتينية والكاريبي.
5-   إصدارات كتب الثقافة العامة في العالم العربي لا تتجاوز الـ5000 عنوان سنوياً، وفي أميركا حوالي 300 ألف كتاب.
6-   النسخ المطبوعة من كل كتاب عربي تقارب 1000 أو 2000 وفي أميركا 50 ألف نسخة.
7-   يُترجَم سنوياً في العالم العربي خُمس ما يُترجَم في دولة اليونان الصغيرة، والحصيلة الكلية لما تُرجم إلى العربية منذ عصر الخليفة العبّاسي المأمون إلى العصر الحالي تقارب الـ10000 كتاب، وهذا العدد يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة.
8-   في النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين كان متوسط الكتب المترجمة لكل مليون مواطن عربي، على مدى خمس سنوات، هو 4.4 كتب (أقل من كتاب لكل مليون عربي في السنة) وفي هنغاريا كان الرقم 519 كتاباً لكل مليون، وفي إسبانيا 920 كتاباً لكل مليون.
9-   تبلغ مبيعات الكتب إجمالاً في كل أنحاء العالم 88 مليار دولار، وفي الولايات المتحدة الأميركية 30 مليار دولار و10 مليارات دولار في اليابان، و9 مليارات دولار في بريطانيا، ويصل نصيب العالم العربي 1% من الرقم الإجمالي للمبيعات.

عندما كنا نسأل عن هواياتنا، كنا نجيب بعدة إجابات ومن ضمنها القراءة، ولا أدري هل فعلاً نحن نقرأ بشكل مستمر وجاد حتى ندرج القراءة ضمن قائمة الهوايات؟

أم أنّ قراءة الجرائد وملاحقها الرياضية والفنية وقراءة مجلات ... نعتبرها قراءة؟
ثم هل القراءة تعتبر هواية؟

دعوني أضجركم قليلاً وأقول: هل التنفس ضمن قائمة هواياتنا؟!

إنّه سؤال غريب، أدرك ذلك تماماً!

ماذا لو سمعنا أحدهم يقول: هوايتي المفضلة هي الأكل؟!

سنضحك ونأخذ منه هذه الكلمات على أنها نكتة طريفة يريد بها أن يؤنسنا في هذا الزمان النكد أو حقيقة طريفة خصوصاً إن كان من أصحاب الأجسام الممتلئة!

بالتأكيد ستستغربون هذه الفلسفة، لماذا؟ لأنّ هذه الأمور عادات أو أفعال ضرورية طبيعية لكل إنسان ولكل كائن آخر.

وكذلك هي القراءة، أرى أنها أمر ضروري لكل إنسان تماماً كالتنفس والأكل لا غنى عنها، والقراءة أمر يتميز به الإنسان عن باقي المخلوقات ولذلك أرى أن القراءة ليست هواية أبداً.

ومن الأمور الأخرى التي يجب أن نتعمق في طرحها، هي مسألة غرس حب المعرفة في نفوسنا وفي أبنائنا، فحب المعرفة والاستطلاع والفضول العلمي والبحث والاستقراء والاستنتاج، من العادات المفيدة التي يجب غرسها في المجتمع وإحلالها محل عادات أخرى سلبية.

ولأنّ القراءة إحدى وسائل المعرفة والعلم، فمن الطبيعي أن نرى المجتمع يقبل على القراءة ما دام حب المعرفة قد غرس فيه، وإذا ما وضعنا المعرفة في مرتبة قصوى، بعد الغناء والحفلات والمظاهر والأسواق و.... الخ، فمعنى ذلك أننا ألغينا حب المعرفة تماماً من حياتنا وصارت حياتنا سلسلة من الأمور التافهة والنتيجة النهائية تساوي إنسان يعيش على هامش إنسانيته.

هل تعلمون أنني قد أضطر للذهاب مع أحد أفراد عائلتي لمكان يستوجب فيه الانتظار، كالمستشفى وغيره، فآخذ معي كتاباً للقراءة، فيكون الأمر غريباً لأنهم لم يعتادوا على أن يكون مناخنا هكذا، بينما اعتادوا أن يروا الأوربيين يقرئون في كل مكان .. ولذا فإنّ سياستي مع أطفالي تقتصر: لا ميزانية عندي للمعرفة اشتروا ما شئتم من الكتب مهما كان سعر الكتاب، وأما بالنسبة لمجالات الترفيه فلا بدّ أن تقنعوني بجدوى شرائها.

الأمر طبعاً ليس بهذه السهولة، أعني غرس حب المعرفة، لأنّ تراكم العادات السلبية على مرّ السنين يحتاج إلى سنين طويلة لتغييرها، وكذلك غرس العادات الإيجابية يحتاج إلى مجهود منظم ومخطط يسير وفق أهداف محددة، وهذا ما نفتقده في الكثير من الجهود التي تهدف إلى غرس قيم إيجابية في المجتمع.

ولو نظرنا بنظرة شمولية لواقع وأسلوب الحياة عند أهم فئة من المجتمع وهي الشباب، سنرى مظاهر عديدة سلبية وإيجابية: الإيجابي منها هي وجود القدرة لدى الشباب في تغيير الوضع إلى الأفضل.

أقول هنا: وجود القدرة، لكن أين الإرادة؟

نحن نفتقد للإرادة بسبب السلبية والأنانية، الكل ينتظر الكل حتى يصلح أمراً ما، أو يزيل عائقاً ما، قد نكتب ونتحدث عن السلبيات لكن أين الفعل الإيجابي الذي يجب أن يقوم به كل فرد تجاه المشكلة أو السلبية؟

تقولون: وما علاقة هذا بموضوع القراءة؟

أقول: بأنّ الفعل الإيجابي تجاه أي مشكلة سيؤدي إلى حل هذه المشكلة ولو كان هذا الفعل صغيراً، وبتراكم المبادرات والأفعال الإيجابية سنصل إلى حل مشاكلنا، مثلاً، بمقدور كل مجموعة من الشباب سواء كانوا في المدرسة أو الجامعة أن يشكلوا جماعة للمكتبة أو للقراءة، ومن ثم يقوموا بعمل أنشطة تسير في اتجاه تشجيع القراءة وحب الاستزادة من العلم والثقافة.

استطاعة كل شاب أن يساهم في تكوين مكتبة على مستوى المنزل أو الحي أو المسجد، في استطاعة كل فرد منا تشجيع الآخرين على القراءة بإهدائهم الكتب أو حتى بتعريفهم بعناوين الكتب.

أشكال الفعل الإيجابي تجاه هذه القضية تتنوع وتتفرع ولو حاولنا أن نذكرها فلن تنتهي لأنّ المجال في هذا واسع والآفاق رحبة، وكل شخص يستطيع أن يبدع في خدمة هذا الهدف، غرس حب المعرفة في مجموعة محددة من المجتمع.

فالقراءة أمر ضروري ولا نستطيع أن نعتبرها هواية نمارسها متى نشاء، بل هي عادة نمارسها يومياً وبشكل تلقائي، وغرس حب المعرفة عامل مساعد على حب القراءة، لأنّ القراءة وسيلة من وسائل اكتساب المعرفة، وحتى نغرس حب المعرفة في المجتمع علينا أن نحاول ونبادر بأفعال إيجابية تجاه خدمة هذا الهدف.

وينبغي أن نلفت إلى أهمية دور الأم في هذا الاتجاه، فأنّ الأم المثقفة حصن حصين من الصعب اختراق ثغوره، وأنّ المرأة التي تكون مديرة لأخطر مؤسسة اجتماعية في الحياة، وهي الأسرة إن كانت متعلمة ومثقفة ثقافة العصر استطاعت أن تنجب أبناء صالحين، ولنعم ما عبرّ به الفيلسوف روسو في مقولته الرائعة في هذا المجال، حيث يقول: "إذا أردت رجالاً فضلاء فعلموا المرأة العلم والفضيلة".

السبت، 20 أبريل 2019



** كلمة مختصرة في تكريم جماعة الخط

العربي بالقطيف سنة 1430 **


في الرواية المعتبرة عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" [الكافي: 6/ 438].

وعن أمير المؤمنين (ع) قال لكاتبه عبيد الله بن أبي رافِع: "أَلِقْ دَوَاتَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ، وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ، وَقَرْمِطْ بَيْنَ الْحُرُوفِ، فَإِنَّهُ لَكَ أَجْدَرُ بِصَبَاحَةِ الْخَطِّ" [قصار الحكم: 315].

أَلِقْ دَوَاتَكَ: أي أصلح مدادها.

وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ: الجلفة بكسر الجيم فتحة القلم التي بها يستمد المداد.

وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ: وسع بينها.

وَقَرْمِطْ بَيْنَ الْحُرُوفِ: ضيق بينها.

بِصَبَاحَةِ الْخَطِّ: صباحة الشيء جماله.

وهكذا كان الإمام، يتفقد العمال وعمال العمال، ويراقب حركاتهم الكبيرة منها والصغيرة، وينصح ويرشد.

وقال (ص): "الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً".

وعنه (ص): "الخط الحسن للإمام جمال وللغني كمال وللفقير مال".

وعن أحمد بن إسحاق قال: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (العسكري) (ع) فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِأَنْظُرَ إِلَى خَطِّهِ فَأَعْرِفَهُ إِذَا وَرَدَ.
فقال: "نَعَمْ".
ثم قال: "يَا أَحْمَدُ إِنَّ الْخَطَّ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ مِنْ بَيْنِ الْقَلَمِ الْغَلِيظِ إِلَى الْقَلَمِ الدَّقِيقِ فَلَا تَشُكَّنَّ".
ثُمَّ دَعَا بِالدَّوَاةِ فَكَتَبَ، وَجَعَلَ يَسْتَمِدُّ إِلَى مَجْرَى الدَّوَاةِ،.. فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابَةِ أَقْبَلَ يُحَدِّثُنِي وَهُوَ يَمْسَحُ الْقَلَمَ بِمِنْدِيلِ الدَّوَاةِ سَاعَةً [الكافي: ج 1 ص 514]

ولقد قدم أبو حيان نصائح اختيار تحضير القصبة فيقول: "ليكن قلمك صلباً بين الدقة والغلط، ولا تبره عند عقدة فإنَّ فيه تعقيد الأمور، ولا تكتب بقلم ملتو وذي شق غير مستو، فان أعوزك الفارسي والبحري واضطررت إلى الأقلام النبطية، فاختر منها ما يضرب إلى السمرة. واجعل سكينك احد من الموس، ولا تبرة به غير القلم، وتعهده بالإصلاح. وليكن مقطك اصلب من الخشب لتخرج القطة مستوية، وابر قلمك إلى الاستواء لإشباع الحروف، وإذا أجلت فإلى التحريف. وأجود الخط أبينه وأجود القراءة أبينها".

وكان الحسن بن وهب يقول: "يحتاج الكاتب إلى خلال، منها تجوي بري القلم وإطالة جلفته وتحريف قطته، وحسن التأني لامتطاء الأنامل وإرسال المدة بقدر إشباع الحروف، والتحرز عند إفراغها من التطليس، وترك الشكل إلى الخطأ والاعجام عن التصحيف، وتسوية الرسم والعلم بالفضل وإصابة المقطع".

وينصح سعيد بن حميد الكاتب، ان يتبع الفنان الخطاط ما يلي: "أن يأخذ القلم في أصلح أجزائه، وأبعد ما يمكن من موضع المداد فيه، ويعطيه من أرض القرطاس حظه، ولا يكتب بالطرف الناقص في سنه ويضعه على قسطه، ويصوره بأحسن مقاديره، حتى لا يقع التمني لما دونه ولا يخطر بالبال شأو ما فوقه، ويعدله في شطره ويشبهه مما يأتي في شكله و يقرن الحرف بالحرف، على قياس ما مضى من شرطه في تقريب مساحته وتبعيد مسافته، ولا يقطع الكلمة بحرف يفرده في غير سطره. ويسوي أضلاع خطوط كتابته ولا يحليه بما ليس من زيه ولا يمنعه ما هو له بحقه، فتختلف حليته وتفسد تسميته".

ولأبي حيان في رسالته عن علم الكتابة، تفاصيل عن أنواع الأقلام وطرق بريها وقطها، والقلم هو الوسيلة الأساسية لفن الكتابة ولذلك وجب اختياره بدقة "خير الأقلام ما استمكن نضجه في جرمه وجف ماؤه في قشرته، وقطع بعد القاء بزره، صلب شحمه وثقل حجمه ... والقلم المحرف يكون الخط به أضعف وأحلى، والمستوي أقوى وأصفى. والمتوسط بينهما يجمع أحد حاليهما. وما كان في رأسه طول، فهو يعين اليد الخفية على سرعة الكتابة، وما قصر بخلافه".

إنّ الفنّ والجمال لا يمثّلان قيمة مطلقة في نظر الإسلام، بل يمثّلان موقعين من مواقع الإبداع الذي يطلّ بالإنسان على الله وعلى الحياة من القاعدة الروحية الأخلاقية، ولا يقترب به من الساحات التي تهتز فيها هذه القاعدة، تماماً ككل الأشياء الجميلة في الحياة التي لا بد للإنسان من أن يتذوق حلاوتها المعنوية والمادية، بالطريقة التي لا تؤدي إلى سقوطه.

إنّ النظرة إلى الحياة لا يمكن أن تتحرك من مواقع المطلق في تقييم مفرداتها ومعطياتها، لأنّ الحياة لا تختزن المطلق في وجودها، بل تنطلق من خلال الحدود الموضوعيّة في أكثر من ساحة. لذا لا بد من مواجهة كل القضايا على الطريقة النسبية التي توازن بين حدّ وحدّ، في تأثيره الإيجابي والسلبي على القضايا الكبرى في الحياة. وعلى ضوء هذا، فإنّ على الفن أو الجمال، أو المفردات الأخرى التي يحتويها الوجود، أن تكون في خدمة النظام العام للإنسان، بدلاً من أن يكون النظام في خدمتها، لأنّ ذلك يسيء إلى تناسق الفن، وجمالية الجمال.

فالخط العربي حالة إنسانية تتمظهر في كل خصائص الإنسان الذي يعيش في محور معيّن وعناصر معينة، فإننا لا نجد أية مشكلة بين العروبة والإسلام، لأنّ الإسلام يمثل هذا الدين الذي هو في عقيدة المسلمين، والذي أنزله الله على رسوله في المنطقة العربية التي هي منطقة الدعوة الأولى، والذي أراده للعرب رسالة يحملونها إلى العالم.

والقرآن انطلق في البداية لينذر أم القرى وما حولها، ولينذر المنطقة العربية. ولقد احتضن العرب الذين دخلوا في الإسلام. ومن الطبيعي أنهم أعطوه شيئاً من تجربتهم، ومن تمثّلهم له، ومن اجتهاداتهم في فهمه، ومن حركتهم في اتجاه تحريكه في وجدان العالم، حتى أنّ الإسلام استطاع أن يعرّب شعوباً أخرى، وأن يعرّب الكثيرين من العلماء والمفكرين من الشعوب الأخرى.

وفي هذا المناخ، استطاعت العروبة أن تعطي الإسلام كثيراً من حيويتها الحركية، واستطاع الإسلام أن يعطيها الكثير من خصائصه الحضارية في مفاهيمه وتشريعاته ومناهجه، واستطاع أن يمنحها امتداداً، وأن يتداخل معها، لتصنع العروبة بالإسلام الحضارة التي قيل عنها إنها أم الحضارات..

والحق أنك لا تجد أمةً من الأمم تجعل من الكتابة عنصراً جمالياً مثل أمتنا الإسلامية، فأنتَ تُعلق على جدران بيتك آيات قرآنية ليس فقط للتبرك، ولكن لجمال خطوطها وروعة تكوينها.

ولقد تلقّى العرب الكتابة الأولى، ولم يكن لديهم من أسباب الاستقرار ما يدعو إلى الابتكار في الخط الذي وصل إليهم، ولم يبلغ الخط عندهم مبلغ الفن إلا عندما أصبحت للعرب دول مستقرة تعددت فيها مراكز الثقافة ونافست هذه المراكز بعضها بعضاً على نحو ما حدث في الكوفة والبصرة والشام ومصر؛ فاتجه الفنان المسلم للخط يحسّنه ويجوّده ويبتكر أنواعاً جديدة منه.

* ملحوظة: الصورة في الأعلى هي لوحة رائعة بخط الأستاذ الماهر إبراهيم الزاير رئيس جماعة الخط الأسبق. قدمت لي باسم جماعة الخط العربي بالقطيف سنة 1422 هجرية فله ولهم مني كل الشكر.

الاثنين، 18 فبراير 2019

العمل التطوعي في بلاد غير المسلمين


وردني سؤال من الأستاذة الفاضلة نقاء جمعة اللواتي (مسقط / سلطنة عمان) حول طبيعة العمل التطوعي وهل يجوز للمسلم أن يتبرع من وقته للعمل الخيري في بلاد ومجتمعات غير المسلمين، أو في بلاد ومجتمعات على غير المذهب.

الجواب:

علينا أن نعي أولاً أنَّ المساواة سمة من سمات الإسلام، وأصل من أصوله، فالإسلام يقرِّر أنَّ الناس سواسية، وفي ظله تذوب فوارق الجنس واللون، وتتحطم صفة الحسب والجاه والسلطان، فلا تفاضل بينهم في إنسانيتهم، وإنما التفاضل يرجع إلى أسس أخرى.

فالله تعالى خلق الناس بحسب فطرتهم متماثلين، وكذلك ولدتهم أمهاتهم أحراراً متكافئين، ولكن دخولهم في ملاحم الحياة الاجتماعية ينزع عنهم لباس التماثل والتساوي، ويرفع بعضهم فوق بعض درجات.

والأدلة في الشريعة الإسلامية تترى في تقرير هذا المبدأ:

ويكفينا الرجوع إلى القرآن الكريم:

1 . قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم} (الحجرات: 13). وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} (النساء: 1).

ففي هاتين الآيتين ينادي الله تعالى الناس قاطبة، ويردّهم إلى الأصل الذي انبثقوا منه، ليقرِّر أنَّ هذه البشرية جنسها واحد، ونَسَبها يتصل في رحم واحد، ومن اجتمعت فيهم هذه الأصول، فلا مجال لأن يدَّعي أحدهم العلو بالفروق الطارئة على الإنسانية، فربهم واحد، وأبوهم واحد، وهم متساوون في جميع الحقوق.

2 . قال عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} (سبأ: 28).

إنَّ الله تعالى أرسل نبيه (ص) للناس جميعاً، ولم يختص به فئة دون فئة، أو أمة دون أخرى، وكذلك أرسله رحمة للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ}.

وهذا ما أكَّده الرسول محمد (ص) في حجة الوداع ، وكان خطابه لكل الناس ، حيث قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَلا إِنَّ رَبَّكُم وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُم وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍ عَلَى أَعْجَمِي، وَلا لعْجَمِي عَلَى عَرَبِي، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى" (مجمع الزوائد: ج 3 ص 266 و272؛ البيان والتبيين: ج 2 ص 33؛ العقد الفريد: ج 3 ص 408؛ الغدير: ج 6 ص 187-188).

وقد كان لهذا المفهوم أثره في فتاوى الفقهاء، ومنها :

الأولى: يحق للمسلم أن يتخذ معارف وأصدقاء من غير المسلمين، يخلص لهم ويخلصون له، ويستعين بهم ويستعينون به على قضاء حوائج هذه الدنيا.

الثانية: يجوز تهنئة الكتابيين من يهود ومسيحيين وغيرهم، وكذلك غير الكتابيين من الكفار، بالمناسبات التي يحتفلون بها أمثال: عيد رأس السنة الميلادية، وعيد ميلاد السيد المسيح (ع)، وعيد الفصح.

الثالثة: يحرم على المسلم خيانة من يأتمنه على مال أو عمل، حتى لو كان كافراً، ويجب على المسلم المحافظة على الأمانة وأدائها كاملة.

الرابعة: لا تجوز السرقة من أموال غير المسلمين الخاصة والعامة ولا يجوز إتلافها، حتى وإن كانت تلك السرقة وذلك الإتلاف لا يسيء الى سمعة الإسلام والمسلمين فرضاً، ولكنها عدّت غدراً ونقضاً للأمان الضمني المعطى لهم حين طلب رخصة الدخول الى بلادهم، أو طلب رخصة الإقامة فيها، وذلك لحرمة الغدر، ونقض الأمان، بالنسبة الى كل أحد، مهما كان دينه وجنسه ومعتقده.

الخامسة: يجوز التصدق على الكفار الفقراء -كتابيين كانوا أو غير كتابيين- بشرط أن لا ينصبوا العداوة للحق وأهله، ويثاب المتصدِّق على فعله ذلك.

من خلال ذلك نفهم أنَّ علينا أن نحترم كلَّ حقوق هؤلاء وأملاكهم، ولا يجوز للإنسان أن يعتدي على مال شخص غير مسلم بحجة أنَّ هذا الإنسان كافر وأنّ أموال الكفار مباحة لنا، كما في بعض الفتاوى التي يستخدمها من يذهبون إلى الغرب أو إلى الشرق بحجة أنَّ هؤلاء كفار، فما داموا مسالمين لا يجوز لنا أن نعتدي على أموالهم أو نعتدي على أعراضهم.

وقد أكدت على ذلك التوصيات الإسلامية، حيث جاء الخطاب فيها عاماً شاملاً لكل إنسان، ولم تخصص ذلك لفئة على حساب فئة أخرى:

1.   يقول الرسول الأكرم (ص) في خطبة آخر جمعة من شعبان: "وتحنّنوا على أيتام الناس يُتحنّن على أيتامكم".
2.   ويقول (ص): "من مشى بصدقة إلى محتاج كان له كأجر صاحبها من غير أن ينقص من أجره شيئاً"..

وهذه كلها تقوم على مفهوم العطاء في الإسلام والذي تجلى في أروع صورة في قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} .. فمع أنَّ الأسير كان محارباً للمسلمين وأسر في أرض المعركة، ولم يكن مسلماً، فإننا نلاحظ أن أهل البيت (ع) قدموا له طعامهم وهم في حالة جوع وحاجة .

وعن الّذين يقومون بفعل الخيرات، وفي سياقٍ متَّصل، يقول المرجع السيّد محمد حسين فضل الله: "{أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ}، لأنهم ارتكزوا في حياتهم على القاعدة الصَّلبة الّتي ينطلق منها كلّ خير، وهي الإيمان بالله وبتوحيده، والخوف منه، والمحبّة له، والوجل من المصير يوم الحساب، ولذلك فإنهم ينتهزون كلّ فرصةٍ لعمل الخير، لئلا تفوتهم، فتفوتهم سعادة الطّاعة ونتائجها السَّعيدة، فيسارعون فيها {.. وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}، لأنَّ من يسارع إلى الهدف الّذي يحبّه، لا بدَّ من أن يسبق النّاس إليه.. وتلك هي الجنّة التي يتنافس فيها المتنافسون، وينطلق إليها المتسابقون، {وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}، فلكلٍّ طاقته على عمل الخير، وعليه القيام بما يستطيعه منه، فلن يطلب الله منه أكثر من ذلك، لأنَّ الله لا يكلّف عباده بما لا يطيقون، لأنّه ظلم لا يصدر عنه -سبحانه- وسيجزيه الله جزاء ذلك، {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ} يسجّل لعامل الخير كلّ دقائقه وخفاياه، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} شيئاً من ذلك، بل يأخذونه وافياً كاملاً غير منقوص ". تفسير من وحي القرآن، ج 16، ص 167.

وفي السّياق نفسه، يقول سماحته: "لا  بدَّ من أن نربّي أنفسنا على أن نكون كالشَّمس، كما يقول السيّد المسيح (ع)، تطلع على البرّ والفاجر، وكالينبوع، يتدفّق لأنّه لا يعرف إلا أن يعطي الماء لمن يريد أن يشرب، من دون النّظر في هويّة الشّارب".

وهذا عيناً هي عطاء رسول الله (ص)، فقد يتخيل البعض أنّ عطاء النبي كان فقط لذوي القربي والمحبين والمناصرين، لكن عطاء النبي ونبله امتد ليشمل حتى أعداءه ؛ فقد وصفته أم المؤمنين خديجة: "إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

  الإمام المهدي الغائب الشاهد المهدوية ودلالاتها الحضارية مقدّمة ليست قضية الإمام المهدي مسألةً هامشية في الوعي الإسلامي، ولا فكرةً أس...