‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقاصد التشريع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقاصد التشريع. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 9 أغسطس 2019


** أيام منى **

لما سميت مِنى بذلك؟


قال الإمام الرضا (ع): "والعلة التي من أجلها سميت مِنى مِنى، أنّ جبرئيل (ع) قال هناك لإبراهيم (ع): تَمنَّ على ربك ما شئت. فتمنى إبراهيم في نفسه أن يجعل الله مكان ابنه إسماعيل كبشاً يأمره بذبحه فداءً له، فأُعطي مناه".

ولأجل ذلك قال الإمام الصادق (ع): "إذا أخذ الناس منازلهم بمنى نادى منادٍ: لو تعلمون بفناء من حللتم لأيقنتم بالخلف بعد المغفرة".

وفي منى يتذكر الحاج موقفين للخليل إبراهيم (ع):

أحدهما: موقفه مع ولده العزيز إسماعيل حيث أراد أن يقيم فيه حكم السماء كما شاهده في رؤياه الصادقة بشأن ذبح ابنه.. وقد نجحا (ع) في هذا الامتحان الإلهي، فافتدى الله عز وجل إسماعيل بفداء عظيم.

وثانيهما: موقفه مع الشيطان الذي أراد أن يقتحم عالمه من جهة زوجته هاجر وابنه إسماعيل، فدحره إبراهيم (ع) بالحصيات السبع التي أصبحت رمزاً عبادياً في الحج الإبراهيمي لرفض الباطل والشيطان.

يقول الإمام الصادق (ع): "الحج الأكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار".

كان امتحان إبراهيم (ع) من أكبر الامتحانات، وكان الهدف منه إخلاء قلبه عن أيّ حبّ عدا حبّ الله عزّ وجلّ، وتكون جائزة هذا النجاح ذلك اللطف الإلهي {وَعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ أنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكعِ السُّجُودِ}.

ولقد أعاد حفيده محمّد (ص) ذكرى نداء جده التوحيدي، وعبّر ومن معه عن إبراهيميّتهم الحنيفية بشكل ملموس ومحسوس في حجة الوداع.

يقول الإمام الصادق (ص): "إذا أخذ الناس مواطنهم بمنى نادى منادٍ من قبل الله عز وجل: إن أردتم أن أرضى فقد رضيت".

رمي الجمار:


1-  إنّ تحرك الحجاج نحو الجمار يعكس لنا صورة مواجهة الشيطان الغاوي للنفس، وهي الشيطان الباطني، وهي الشيطان الأكبر، وهي الشيطان الذي يأمر بالسوء، فالنفس أقوى أثراً وخطراً على الفرد والمجتمع، وقد عبّر القرآن الكريم عنها بأوصاف: النفس الأمَّارة بالسوء، الهوى، حب الدنيا، الجري وراء الشهوات والمحرمات.. وعبّر النبي (ص) عنها بالجهاد الأكبر، فإنّ تحكمك على نفسك وتسييرها بالنهج الصحيح الذي رسمه خالقها عز وجل تأمن من شيطان الإنس والجن ومكائده.

والطريق من المشعر هو استغفار باطني حقيقي {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ}. فأمر بالاستغفار ولا يتحقق إلا بما ذكر.

إنَّ زوّار بيته سبحانه يرجمون تلك الأعمدة المنصوبة بالأحجار وبهذا يبدون موقفهم الرافض لكلِّ شرّير وكرههم له، وكره الشر أمر معنوي وقلبي، فمن هنا يرجمون الشيطان الباطني (النفس الأمّارة، والنفس المسوِّلة، والنفس اللوامة)، وهو انعكاس للشيطان الظاهري العامل الأساس في ارتكاب المعاصي والرذائل.

ولهذا يستحب للرامي عند كل رمية أن يقول: "الله أكبر، اللهم ادحر عنِّي الشيطان...".

2-  إنّ رمـي الجمـار تجسيد لمعـنى الاستعداد والتأهـب نحـو مواجهة العدو الحقيقي للإنسان، مما يصعّد روح المقاومة والجهاد في نفوس المسلمين لمواجهة أرباب الفساد في العالم الذين هم رموز الشيطان.

3-  إنّ الحاج في مِنى يكرّر الرمي ثلاث مرات، وهذا تمثيل صادق لجهاد الخليل إبراهيم (ع) ضدّ وساوس الشيطان الذي ظهر له ثلاث مرات في طريقه إلى الله، وهو مصمّم على أن يثني إبراهيم عن عزمه في ساحة الجهاد الأكبر، وكلّما ظهر له رماه بالحجر، مما يجعل محتوى هذه الشعيرة يتوضح ويتجلى.

وأنتم -معاشر المؤمنين- تعيشون في ساحة جهاد ضدّ وساوس الشيطان، وإن لم ترموا هذا الشيطان وتبعدوه عنكم المرة تلو الأخرى فلن تنتصروا أبداً، ولا يزال الشيطان يتربص بكم ما لم تكرّروا رجمه باطناً وظاهراً.

يقول الإمام الباقر (ع): "إنّ رجلاً أتى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله إنني نافقت.

فقال: والله ما نافقت، ولو نافقت ما أتيتني تعلمني ما الذي رابك؟ أظن العدو الحاضر أتاك فقال لك: من خلقك؟ فقلت: الله خلقني، فقال لك: من خلق الله.

قال: إي والذي بعثك بالحق لكان كذا.

فقال: إنّ الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقوَ عليكم، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلكم، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم الله وحده".

4-  إنّ الرمي في مِنى وما يحتويه من رفع شعار الرفض والصمود أمام مزالق ودروب الشياطين.

لقد جمع الإمام الحسين (ع) بني هاشم ورجالهم ونساءهم ومواليهم وشيعتهم مَن حجّ منهم ومن لم يحج، ولم يدع أحداً من أصحاب رسول الله (ص) ومن أبنائهم والتابعين، ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلا جمعهم.

فاجتمع عليه بمنى أكثر من ألف رجل، فقام الحسين (ع) فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أمّا بعد: فإنّ الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي أريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثم أرجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ومَن أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون...".

5-  أما عن سبب تحديده بالسبع حصيات؛ لأنّ الشهوات حصرت في سبعة أمور ذكرتها الآية الشريفة في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ}.

ويمكن جعل الجمار عبارة عن تعرض الشيطان لبني آدم ومحاولة إغوائه وإضلاله ورمي الجمرة عبارة عن صده والتبري منه ومخالفته.

ويمكن تصوير الرمي عبارة عن استعداد الفرد وتأهبه لمواجهة العدو الذي يحدق به في كل زمان ومكان.

ثم إنّ تكرر الرمي ثلاثة أيّام في كل يوم عدة مرات يؤكد لنا صدق المواجهة والتبري منه وانه يلاحقنا لأجل غوايتنا.

الذبح والإضحية والحلق والتقصير:


ترتبط الإضحية بقصة إبراهيم وابنه إسماعيل (ع) ومحاولة تضحية الأب بابنه في سبيل الله. ففي الذبح إشارة إلى اجتياز كل شيء في سبيل التوجّه إلى الله، وهو مظهر لإخلاء القلب من كل شيء عدا ذكر الله، وهذا ما أشارت إليه الآية المباركة: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التقْوَى مِنْكُم}.

فإنّ الله غني عنها وعنكم، لأنّه خالقها وخالقكم، فلم يتعبدكم بنحرها لترجع منفعتها إليه، تماماً كما هو الحال في العبادات كلها، التي لن يرجع منها شيء إليه، لأنّه الرب الغني عن عباده، الذي لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضرّه معصية من عصاه، ولكن يناله التقوى منكم.. والتقوى حالة يتحسسها الإنسان من خلاله في قلبه وروحه، لجهة وعي المسؤولية وتجسيدها حركة في الواقع، في شعور عظيم بالحضور الإلهي الذي يحيط بكل ما حوله ومن حوله.

حيث حددت الهدف منها، وهو أن يجتاز المسلمون مراحل التقوى ليبلغوا الكمال ويتقربوا إلى الله.

ويزيد ذلك وضوحاً ما ورد عن الإمام الصادق (ع) حيث قال: "إذا اشتريت هديك فاستقبل به القبلة وانحره أو اذبحه، وقل: وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، بسم الله وبالله والله أكبر، اللهم تقبّل منِّي...".

والشطر الكبير من هذا الدعاء هو جزء من آداب الاستقبال في الصلاة مما يجعل الإضحية من المظاهر الجلية لعبادة الحج، حيث يتجلى فيها الحاج تسليمه المطلق للحق تبارك وتعالى.

قال علي (ع) قال: سمعت رسول الله (ص) يخطب يوم النحر، وهو يقول: "هذا يوم الثج والعج، فالثج: ما تهريقون فيه من الدماء، فمن صدقت نيته كان أول قطرة له كفارة لكل ذنب، والعج : الدعاء، فعِجّوا إلى الله، فوالذي نفس محمد بيده لا ينصرف من هذا الموضع أحد إلا مغفوراً له، إلا صاحبَ كبيرة مصرّاً عليها لا يُحدِّث نفسه بالإقلاع عنها".

وفي المحاسن عن بشير بن زيد: قال رسول الله (ص) لفاطمة (ع): "اشهدي ذبح ذبيحتك، فإنّ أوّل قطرة منها يكفِّر الله بها كلّ ذنب عليك، وكل خطيئة عليك"..

والحيوانية بطبيعتها تمثل الغرائز بشهواتها البهيمية، ففي الذبح رمز إلى فصل الحيوانية عن الإنسانية، من خلال الانقياد التام لهذه العبادة التي يستصغرها الحاج، إلاّ أنّها تمثل عبادة محضة تضمحل أمامها كل مفردات الهوى والأنا.

أمّا الحلق والتقصير فهما إيذان بالابتهاج، فالحاج قد أدَّى هذه المقامات تحت نظر الرحمة الإلهية، وابتهاج بأن جعل نهاية مطافه عيداً لهم حيث تطهروا من الأدناس ومن تبعة بني آدم، وخرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم إنّه يوم الانطلاق إلى عالم جديد في رحلته القادمة إلى المعرفة الإلهية الحقة.

اللهم نوّر قلوب القاصدين إليك بحبك، وحرر أفئدتهم من جميع الارتباطات المتعلقة بغيرك، واشرح صدورهم لتفهم منازل رحمتك "واجعل باقي عمري في الحج والعمرة ابتغاء وجهك يا رب العالمين".

"اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى نُسُكِكَ، وَسَلِّمْنِي لَهُ، وَسَلِّمْهُ لِي، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْعَلِيلِ الذَّلِيلِ الْمُعْتَرِفِ بِذَنْبِهِ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، وَأَنْ تَرْجِعَنِي بِحَاجَتِي. اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَالْبَلَدُ بَلَدُكَ، وَالْبَيْتُ بَيْتُكَ، جِئْتُ أَطْلُبُ رَحْمَتَكَ، وَأَؤُمُّ طَاعَتَكَ، مُتَّبِعاً لِأَمْرِكَ، رَاضِياً بِقَدَرِكَ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمُضْطَرِّ إِلَيْكَ، الْمُطِيعِ لِأَمْرِكَ، الْمُشْفِقِ مِنْ عَذَابِكَ، الْخَائِفِ لِعُقُوبَتِكَ، أَنْ تُبَلِّغَنِي عَفْوَكَ، وَتُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِكَ".

الثلاثاء، 6 أغسطس 2019


**فضل يوم عرفة**


إنّ الليالي والأيام، والشهور والأعوام، تمضي سريعاً، وتنقضي سريعاً؛ هي محط الآجال؛ ومقادير الأعمال فاضل الله بينها فجعل منها: مواسم للخيرات، وأزمنة للطاعات، تزداد فيها الحسنات، وتكفر فيها السيئات، ومن تلك الأزمنة العظيمة القدر الكثيرة الأجر يوم عرفة تظافرت النصوص من الكتاب والسنّة الشريفة على فضله وسأوردها لك أخي الحاج حتى يسهل حفظها وتذكرها:

1- يوم عرفة أحد أيام الأشهر الحرم قال الله عز وجل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} التوبة: 39. والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب ويوم عرفه من أيام ذي الحجة.

2- يوم عرفة أحد أيام أشهر الحج قال الله عز وجل: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} البقرة: 197، وأشهر الحج هي: شوال، ذو القعدة، ذو الحجة.

3- يوم عرفة أحد الأيام المعلومات التي أثنى الله عليها في كتابه قال الله عز وجل: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} الحج: 28. والأيام المعلومات قال الإمام الصادق C: "أيام العشر" أي عشر ذي الحجة.

4- يوم عرفة أحد الأيام العشر التي أقسم الله بها منبهاً على عظم فضلها وعلو قدرها قال الله عز وجل: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} الفجر: 2. قال علي ابن إبراهيم القمي: "عشر ذي الحجة".

5- يوم عرفة أحد الأيام العشرة المفضلة في أعمالها على غيرها من أيام السنة: قال علي (ع): قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ أَهْلِ عَرَفَاتٍ أَعْظَمُ جُرْماً؟ قَالَ: "الَّذِي يَنْصَرِفُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ". قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ع): يَعْنِي الَّذِي يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وقال رسول الله (ص): "...مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبٌ لا تُغْفَرُ إِلا بِعَرَفَاتٍ".

ويقول زين العابدين (ع) في فضل عرفة: "اَللّهُمَّ هذا يَوْمُ عَرَفَةَ، يَوْمٌ شَرَّفْتَهُ وَكَرَّمْتَهُ وَعَظَّمْتَهُ، نَشَرْتَ فيهِ رَحْمَتَكَ، وَمَنَنْتَ فيهِ بِعَفْوِكَ، وَأَجْزَلْتَ فيهِ عَطِيَّتَكَ، وَتَفَضَّلْتَ بِهِ عَلى عِبادِكَ".

6- يوم عرفة يرى الشيطان فيه مدحوراً. قال رسول الله (ص): "ما رُئي الشيطان يوماً هو أصغر فيه، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة".

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّ رسول الله (ص) قال: "المغفرة تنزل على أهل عرفة مع الحركة الأولى، فإذا كانت الدفعة الأولى فعند ذلك يضع الشيطان التراب على رأسه يدعو بالويل والثبور، قال: فتجتمع إليه شياطينه فيقولون: ما لك؟ فيقول: قوم قد قتلتهم منذ ستين وسبعين سنة غُفر لهم في طرفة عين ـ يعني من يحضر من الحاج بعرفة".

7- مباهاة الله بأهل عرفة أهل السماء.. عن علي (ع): "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص)، لَمَّا حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَقَالَ: مَرْحَباً بِوَفْدِ اللَّهِ -ثَلاثَ مَرَّاتٍ- الَّذِينَ إِنْ سَأَلُوا أُعْطُوا، وَتُخْلَفُ نَفَقَاتُهُمْ، وَيُجْعَلُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ بِكُلِّ دِرْهَمٍ أَلْفٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلا أُبَشِّرُكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْعَشِيَّةُ بَاهَى اللَّهُ بِأَهْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: يَا مَلائِكَتِي انْظُرُوا إِلَى عَبِيدِي وَإِمَائِي أَتَوْنِي مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ، شُعْثاً غُبْراً هَلْ تَعْلَمُونَ مَا يَسْأَلُونَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا يَسْأَلُونَكَ الْمَغْفِرَةَ، فَيَقُولُ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَانْصَرِفُوا مِنْ مَوْقِفِكُمْ مَغْفُوراً لَكُمْ مَا سَلَفَ".

وقال النبي (ص): "إذا وقفت عشيّة عرفة، فإنّ الله يهبط برحمته إلى السماء الدنيا حتى تظل على أهل مكة، فيباهي بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شعثاً من كلّ فجّ عميق، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبهم بعدد الرمال أو كعدد القطر أو كزبد البحر لغفرت لهم"..

وفي رواية أخرى: "إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء".

10- كثرة العتق من النار في يوم عرفة قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة".

9- عظم الدعاء يوم عرفة قال النبي (ص): "خير الدعاء دعاء يوم عرفة". وعن ابن أبي نصر البزنطي، عن الرضا (ع) قال: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ: "مَا مِنْ بَرٍّ وَلا فَاجِرٍ يَقِفُ بِجِبَالِ عَرَفَاتٍ فَيَدْعُو اللَّهَ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، أَمَّا الْبَرُّ فَفِي حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَمَّا الْفَاجِرُ فَفِي أَمْرِ الدُّنْيَا".

10- يخرج الإنسان من عرفة كيوم ولدته أمه.. فعلى الحاج أن يترك ما يشغله بنفسه، وأن يتوجه إلى الله تعالى، وليتنبه من وساوس الشيطان؛ يقول الإمام الصادق (ع): "فإنّ الشيطان لن يذهلك في موطن قط أحب إليه من أن يذهلك في ذلك الموطن، وإيّاك أن تشتغل بالنظر إلى الناس، واقبل قبل نفسك وليكن فيما تقول: اللّهم إنّي عبدك فلا تجعلني من أخيب وفدك، وارحم مسيري إليك من الفج العميق".

11- فيه ركن الحج العظيم قال النبي (ص): "الحج عرفة". ولعل السبب في هذه الأهمية يعود إلى الدور الذي تحظى به عرفات في غفران الذنوب، إذ إن المذنب الذاهب إلى عرفات يعود منها مغفوراً له.

أخي الحاج .. أختي الحاجة:

تأكد من فهمك للمناسك قبل الشروع بها حتى لا تشغلك وساوس الشيطان عن استشعار الأحاسيس الروحية لعبادتك. وإنّ من أهم المناسك في الحج هو دقة الوقت. واعلم أنّ دقائق تأخيرك فيها تعب وأذى لحاج آخر. فلا تتسبب في سخط أخيك عليك، فهو في ضيافة الرحمن معك.

الاثنين، 3 يونيو 2019


** في رحاب العيد **


العيد مناسبة للفرح الذي يتخفف فيه الإنسان من آلامه وأحزانه ليعطي لنفسه إجازة من بعض الألم ومن بعض الحزن، لأنّ الحياة بكل أحداثها وتطوراتها تخترق أمن الإنسان تارة وصحته أخرى وأوضاعه الاقتصادية ..، وبذلك فإنه لن يعيش الفرح الكبير؛ لأنّه حتى إذا فرح فإنّ فرحه يبقى مجرد فرح ممزوج بالألم .

ولذلك تناول القرآن في أكثر من آية ظاهرة الفرح عند الإنسان، إنه فرح خال من العمق والإحساس :

1 ـ الفرح الطارئ:


{وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا}، وقد تكون الرحمة نعمة طارئة، وقد تكون الرحمة ربحاً محدوداً، ..

2 ـ الفرح بمصائب الآخرين:


{وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} وقد لا يقتصر هذا على المشركين الذين كانوا يفرحون بما يصيب المسلمين من آلام ونكبات ومصائب، بل إنّ ذلك يمتد في الجانب الشخصي ... وقد امتد ذلك إلى المذاهب الإسلامية، فكل أهل مذهب يفرحون بما يصيب أهل المذهب الآخر من نكبات ومشاكل وآلام ،.. وقد امتد ذلك حتى إلى بعض فصائل الحركات الإسلامية في صراعها اللإسلامي، عندما يفرح هذا الفصيل بما يصيب الآخر حتى من الظالمين، لأنهم يفكرون أنهم الإسلام وحدهم وأنّ غيرهم لا يمثلون من الإسلام شيئاً ... بل وامتد ذلك حتى على مستوى حياة المؤمنين الفردية بين جماعية مرجعية ضد أخرى، أو جماعة شخص ضد آخر..

بينما نسى هؤلاء أنّ هذه الآية الكريمة تحدث عن خلق المشركين فمن كان خلقه هذا الخلق بحيث يفرح بما يصيب المسلمين لاختلافه عنهم في مذهب، أو حركة، أو مرجعية، أو عرقية، ... فهو كالمشركين خلقاً وإن لم يكن كالمشركين عقيدة.

 3 ـ الفرح الخالي من المسؤولية:


{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} وهم الناس الذين يشغلهم الفرح عن أن يعيشوا المسؤولية بحيث يجعلهم يعيشون الأمل الطويل فينسون الموت وينسون الآخرة. فهو فرح يشغل الإنسان عن التفكير في العواقب، فيعيش في داخل لحظته من دون أن يفكر بالمستقبل وذلك من أخذ عبر الماضي. يقول علي (ع): "من أبصر بها بصّرته، ومن أبصر إليها أعمته".

4 ـ الفرح بغير الحق:

{ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} كنتم تفرحون بالباطل وكنتم تفرحون بالكفر وكنتم تفرحون بالسير مع الاستكبار ومع الظالمين ومع الفاسقين ..  {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

5 ـ الفرح القاروني:

{وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} وماذا كانت النهاية: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ}.
لأنه كان يعيش فرح البطر وفرح الاستكبار وفرح النشوة وفرح المال ويكاد فرحه يطغى على قلبه وعقله ليكون عقله حفنة من نقود، ولتكون عاطفته حفنة من نقود،..

ما هو منهج السرور والحزن ؟


يقول علي (ع): "الزهد كله بين كلمتين من القرآن العزيز، قال الله سبحانه: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكم}" ليس الزهد أن لا تأكل جيداً ولا تلبس جيداً، ولكن أن لا يكون قلبك متعلقاً بشؤون الحياة بحيث تسقطك الخسارة ويطغيك الربح.

وقال (ع) في كتاب لابن عباس: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْمَرْءَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَيَحْزَنُ عَلَى الشَّيءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ فَلَا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغُ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ وَلَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ أَوْ إِحْيَاءُ حَقٍّ وَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ وَأَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ وَهَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ"  ... {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.

الفرح الحقيقي:

فإذا أردت أن تفرح فافرح بفضل الله عليك، وافرح برحمة الله الله عليك، فإنّ ذلك يعني أنّ الله يحبك وأن يرضاك وأنه يفتح أبواب رحمته عليك، وأنه يحتضنك في مصيرك بكل حنانه وعطفه ولطفه.

ولذلك اختصر أمير المؤمنين (ع) فرح العيد في هذا الاتجاه: "إنما هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّهُ صِيَامَهُ وَ شَكَرَ قِيَامَهُ وَ كُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ".

فالمؤمن حتى لو كان في أشد حالات الألم، وحتى لو كان في عمق المشاكل، وحتى لو حاصرته الحياة بكل ضغوطها ومشاكلها، وكان الله راضياً عنه، فتلك هي السعادة التي عاشها (ص) ورجلاه تدميان من الحجارة التي رماه بها أوباش الطائف، وهو يسمع شتائمهم وسبابهم .. إلا أنه قال: "إن لم يكن منك غضب علي فلا أبالي".

وعَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ  (ص): "إِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ نَادَى مُنَادٍ: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ اغْدُوا إِلَى جَوَائِزِكُمْ.
ثُمَّ قَالَ: يَا جَابِرُ جَوَائِزُ اللَّهِ لَيْسَتْ بِجَوَائِزِ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ.
ثُمَّ قَالَ: هُوَ يَوْمُ الْجَوَائِزِ".

وعن محمد بن عجلان قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) إذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ لَا يَضْرِبُ عَبْداً لَهُ وَ لَا أَمَةً ... وَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ جِنَايَاتِهِمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَ يَعْفُو عَنْهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: اذْهَبُوا فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَأَعْتَقْتُ رِقَابَكُمْ".

قَالَ: "وَمَا مِنْ سَنَةٍ إِلَّا وَكَانَ يُعْتِقُ فِيهَا فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ رَأْساً إِلَى أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ سَبْعِينَ أَلْفَ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ كُلٌّ قَدِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ، فَإِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَعْتَقَ فِيهَا مِثْلَ مَا أَعْتَقَ فِي جَمِيعِهِ وَإِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَرَانِيَ اللَّهُ وَقَدْ أَعْتَقْتُ رِقَاباً فِي مِلْكِي فِي دَارِ الدُّنْيَا رَجَاءَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ".

هذا هو الفرح كل الفرح، وعلينا أن نعيشه عقلاً وقلباً وحركة وحياة حتى نحصل على تلك الهمسة الروحية ونحن نودع هذه الحياة {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}.

لذلك، فإنّ علينا أن نجلس بين يدي الله، بقلوبنا وعقولنا، حتى نستذكر كل ذنوبنا، ويقول الإنسان لربه بعد أن يفتح عقله له: يا ربِّ إني تائب من كل فكر الباطل، ويفتح قلبه له ليقول: يا ربِّ إني تائب من كل عاطفة الباطل، ويفتح حياته له ليقول: يا ربّ إني تائب من كل قول الباطل وعمل الباطل وعلاقات الباطل وموقف الباطل، لأنّ الشهر الذي كنا فيه هو فرصة، "فإنّ الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم".


  الإمام المهدي الغائب الشاهد المهدوية ودلالاتها الحضارية مقدّمة ليست قضية الإمام المهدي مسألةً هامشية في الوعي الإسلامي، ولا فكرةً أس...