الحديبية فقهُ القوة أم فقهُ
التنازل؟
قراءة قرآنية استراتيجية في جدل >الصلح< و>التطبيع<.
ليست الحديبية حادثةً تاريخية تُروى، بل لحظةً
مفصلية في هندسة الصراع بين الرسالة والواقع.
ففي ظاهرها بدت هدنةً تحمل شروطاً قاسية، وفي
باطنها تحوّلت إلى منعطفٍ غيّر ميزان القوة في الجزيرة العربية. ولذلك لم يتركها
القرآن لتقييم الانطباع العام، بل حسم توصيفها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾.
إنَّ هذا الوصف القرآني يفتح باباً منهجياً
مهماً: كيف يتحوّل ما يبدو تراجعاً إلى فتح؟
وكيف يُدار الصراع أحياناً بإيقافه لا
بتصعيده؟
وما الفرق بين المرونة الاستراتيجية والتنازل
المبدئي؟
في النقاشات السياسية المعاصرة، يُستدعى صلح
الحديبية بكثرة عند الحديث عن اتفاقيات السلام أو ما يُسمّى (التطبيع)، ويُطرح الحدث
بوصفه سابقةً شرعيةً جاهزة للاحتجاج.
غير أنَّ هذا الاستدعاء غالباً ما يتمّ خارج سياقه
التاريخي والقرآني، ودون تحقيقٍ دقيقٍ لشروط القياس وموازين القوة واختلاف البنى السياسية.
ومن هنا تنبع الأهمية؛ إذ لا يهدف المقال إلى
إصدار موقفٍ سياسي آني، بل إلى:
·
تحرير
المفهوم من الالتباس الاصطلاحي.
·
إعادة
قراءة الحديبية في إطارها القرآني والسنني.
·
التمييز
بين الثابت العقدي والمتغير السياسي.
·
وضبط
حدود الاستدلال التاريخي في القضايا المعاصرة.
فالحديبية ليست شعاراً يُرفع في جدل سياسي، بل
نموذجاً في فقه إدارة الصراع، حيث يلتقي حفظ الثوابت مع مرونة الوسائل، وتُقاس
اللحظة بميزان المآل لا بحدة الانفعال.
والسؤال الذي يوجّه هذه القراءة ليس: هل كانت
الحديبية صلحاً أم تطبيعاً؟.. بل: كيف يُفهم هذا الحدث ضمن سنن التاريخ ومقاصد
الشريعة؟ وما المعايير التي تضبط استدعاءه في واقعٍ مختلف جذرياً في بنيته وسياقه؟
بهذا المنهج، يمكن الانتقال من السجال إلى
التحليل، ومن الاستقطاب إلى الفهم، ومن الشعارات إلى فقهٍ استراتيجي يستضيء
بالقرآن في قراءة الواقع.
فهذه القراءة لا تسعى إلى إصدار موقف سياسي،
بل إلى تحرير المفهوم، وضبط القياس، وإعادة بناء المسألة ضمن منطق القرآن والسيرة
والفقه.
أولاً: ما هو صلح
الحديبية في ميزان القرآن؟
عُقد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة
بين النبي 6 وقريش في منطقة الحديبية قرب مكة، في سياقٍ كانت
فيه الدولة الإسلامية لا تزال في طور التثبيت، والصراع مع قريش لم يُحسم عسكرياً
بعد.
وقد تضمّن بنوداً بدت -في ظاهرها- قاسية على المسلمين،
منها:
·
هدنة عشر
سنوات.
·
عودة
المسلمين دون عمرة ذلك العام.
·
إعادة من
يأتي من قريش إلى المسلمين، وعدم إعادة من يذهب من المسلمين إلى قريش.
حتى إنّ بعض الصحابة رأوه تنازلاً ثقيلاً،
لأنهم قرؤوا الحدث بميزان اللحظة، لا بميزان المآل.
غير أنَّ القرآن الكريم لم يترك تقييم الحدث
للانطباع الآني أو للوجدان الجمعي، بل حسمه بوصفٍ إلهي قاطع: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} (الفتح:
1).
فالقرآن لم يسمّه هدنة، ولا معاهدة، ولا
تسوية، بل فتحاً. وهنا تكمن نقطة التحول المنهجي:
كيف يُوصَف اتفاقٌ بلا قتال بأنه فتح؟
ولماذا كان فتحاً؟
لأنَّ مفهوم (الفتح) في القرآن أوسع من الانتصار
العسكري؛ فهو كلُّ تحوّلٍ يُعيد تشكيل ميزان القوة لصالح الرسالة.
فكان فتحاً لأنه:
·
أوقف
نزيف الحرب الذي استنزف الطاقات وأغلق آفاق الدعوة.
·
نقل
الصراع من ميدان السيف إلى ميدان الفكرة، حيث تتفوق الرسالة بطبيعتها.
·
أتاح
انتشار الإسلام في بيئة أكثر أمناً، فدخل الناس في دين الله أفواجاً بعد أن سقط
حاجز الخوف.
·
كشف
النوايا الحقيقية لقريش حين نقضت العهد، فانتقل المسلمون بعدها من موقع الدفاع إلى
موقع الشرعية الأخلاقية الكاملة.
·
مهّد
لفتح مكة بلا معركة شاملة، فجاء التمكين نتيجة تراكمٍ استراتيجي لا انفجارٍ عسكري
مفاجئ.
بل إنَّ السياق القرآني في سورة الفتح يربط
الحدث بالسكينة الإلهية: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ
السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} الفتح: 4.
وكأنّ القرآن يلفت إلى أنَّ أعظم ما في
الحديبية لم يكن البند السياسي، بل الثبات النفسي، والاطمئنان إلى حكمة القيادة،
والقبول بإدارة الصراع وفق رؤية أبعد من الانفعال اللحظي.
إذن، الحديبية لم تكن انحناءً تحت الضغط، بل
إعادة تعريف لساحة المواجهة. ولم تكن تراجعاً عن الهدف، بل تغييراً في الطريق إليه.
ولم تكن تعطيلاً للصراع، بل انتقالاً به من صدامٍ مباشر إلى تفوّقٍ مرحلي طويل
النفس.
وهذا هو جوهر القراءة القرآنية للحدث:
·
أنَّ
الفتح قد يأتي في صورة صبر،
·
وأنَّ
القوة قد تتجلّى في ضبط اللحظة لا في تفجيرها،
·
وأنَّ
القيادة الرسالية ترى ما لا تراه الحماسة العابرة.
فالحديبية، في ميزان القرآن، ليست هدنةً
عسكرية فحسب، بل درسٌ في فقه الزمن، وفقه المآل، وفقه تحويل الخسارة الظاهرية إلى
تمكينٍ تاريخي.
وبلغة العصر: الحديبية لم تكن انحناءً، بل
إعادة تموضع.
ثانياً: هل كان الحديبية اعترافاً
بشرعية الشرك؟
هذا السؤال يمسّ جوهر الإشكال؛ لأنه ينقل النقاش من السياسة إلى العقيدة.
فإن كان الصلح اعترافاً بشرعية الشرك، كان مساساً بأصل التوحيد. وإن لم يكن كذلك، انتقلنا إلى دائرة إدارة الواقع لا إعادة تعريف الحق.
والجواب القرآني حاسم في استقلال الموقف
العقدي: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ الكافرون:
6.
إنَّ هذه الآية الشريفة لا تُقرّ الشرك، ولا
تمنحه شرعية دينية، بل تفصل بين الاعتراف بوجود الآخر واقعاً، وبين الاعتراف بصحة
معتقده حقّاً. فالقرآن يقرّ التمايز لا التصحيح، ويثبت الاستقلال العقدي لا التداخل
الأيديولوجي.
ومن هنا، فالهدنة في الحديبية لم تكن تنازلاً
عن التوحيد، ولا قبولاً بشرعية الشرك، ولا تحالفاً فكرياً؛ بل كانت تنظيماً لعلاقة
صراعية ضمن ظرفٍ مرحلي، مع بقاء التقييم العقدي كما هو: التوحيد حق، والشرك باطل.
وهذا المعنى ينسجم مع القاعدة القرآنية العامة
في ضبط العلاقة مع غير المسلمين: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ
عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن
دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ الممتحنة:
8.
فالبرّ والقسط ليسا اعترافاً بعقيدة، بل
التزاماً بعدلٍ أخلاقي في إدارة العلاقة.
ثم جاء القيد المبيّن لطبيعة الموقف عند
العدوان: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ
قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ...﴾ الممتحنة:
9.
إذن، معيار العلاقة ليس الهوية العقدية
المجردة، بل سلوك الطرف الآخر، وطبيعة العدوان، ومقتضيات المصلحة العامة.
والتفريق هنا دقيق ومهم:
·
الاعتراف
بوجود الخصم سياسياً ≠
الاعتراف بشرعية معتقده دينياً.
·
تنظيم
الصراع ≠
التسوية بين الحق والباطل.
·
وقف
القتال ≠
قبول العقيدة المخالفة.
بل إنَّ القرآن نفسه يقرّ التدرج في المواجهة،
ويجعل الصراع خاضعاً لحكمةٍ مرحلية: ﴿وَإِن جَنَحُوا
لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الأنفال:
61.
من غير أن يتغير توصيف الباطل في مواضع أخرى.
وعليه، فإنَّ الحديبية لم تُعد تعريف الحق
والباطل، ولم تُنشئ حالة (تعايش عقدي)، بل أدارت حالة نزاعٍ سياسي ضمن إطارٍ أخلاقي
ومرحلي.
فالميزان ليس (الاسم السياسي) الذي يُطلق على الاتفاق،
بل:
· طبيعة
العلاقة القائمة،
· درجة
العدوان،
· موقع
القوة والقدرة،
· والمآل
الاستراتيجي المتوقع.
ومن هنا يتضح أنَّ الحديبية لم تكن اعترافاً
بشرعية الشرك، بل ممارسةً لفقه إدارة الصراع مع بقاء العقيدة ثابتة لا تمسّ، والحدّ
الفاصل بين الحق والباطل قائم لا يذوب.
ثالثاً: فقه الهدنة
في السياسة الشرعية
الهدنة في الفقه الإسلامي ليست موقفاً عاطفياً،
ولا قراراً اضطرارياً يُلجأ إليه عند العجز، بل هي أداة من أدوات السياسة الشرعية
تُقوَّم بميزان المصلحة والمآل، وتخضع لقواعد المقاصد والقدرة.
فالفقه الإسلامي لا ينطلق من ثنائية جامدة:
حربٌ دائماً أو سلمٌ دائماً؛ بل من مبدأٍ أعلى هو: تحقيق مقاصد الشريعة، وحفظ
كيان الأمة ضمن ثوابتها العقدية.
ولهذا، قرَّر الفقهاء أنَّ المعاهدة المؤقتة
(الهدنة) تجوز إذا تحققت شروط موضوعية، من أهمها:
1.
مصلحة راجحة للأمة:
أي أن يكون في الاتفاق تعزيزٌ
لحفظ النفس أو الدين أو الجماعة، لا مجرد تهدئة ظرفية بلا عائد استراتيجي.
2.
درء مفسدة أعظم:
فالسياسة الشرعية تقوم على موازنة
المصالح والمفاسد، وقد يُقبل نقصٌ جزئي لتفادي انهيار كلي.
3.
عدم
التنازل عن أصل عقدي أو حق قطعي:
لأنَّ الثابت العقدي خارج دائرة
المساومة، والمرونة إنما تكون في الوسائل لا في الأصول.
4.
القدرة
السياسية وعدم الإكراه المذلّ:
فالهدنة المشروعة تصدر عن إرادة
واختيار ضمن ميزان قوة معتبر، لا عن انهيارٍ يفرض شروط الخصم.
وهنا تتجلّى الدقة القرآنية في الجمع بين
بعدين متلازمين: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (الأنفال:
61).
لكن هذه الآية لا تأتي في سياق الاستضعاف، بل
تسبقها قاعدة الاستعداد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا
اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال:
60).
فالقرآن لا يدعو إلى سلمٍ منزوع القدرة، ولا
إلى مواجهةٍ بلا حساب. بل إنه يؤسس لمعادلة دقيقة: الاستعداد أولاً، ثم المرونة
عند تحقق المصلحة.
ومن هنا نفهم أنَّ السلم في المنظور القرآني
ليس ضعفاً، بل قد يكون تعبيراً عن ثقة بالنفس وقدرة على إدارة الزمن. كما أنَّ
الحرب ليست فضيلة بذاتها، بل وسيلة تُقدَّر بقدر ضرورتها.
فالقتال في القرآن مشروع لدفع العدوان: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (البقرة: 190).
والأصل فيه ضبطه لا إطلاقه، وتقنينه لا تمجيده.
وبذلك يتضح أنَّ فقه الهدنة ليس استثناءً طارئاً،
بل جزء من منظومة أوسع تحكمها قواعد:
·
المصلحة
الراجحة،
·
موازنة
المفاسد،
·
مراعاة
المآلات،
·
حفظ
الثوابت،
·
اعتبار
القدرة.
إنَّ السياسة الشرعية لا تُدار بمنطق
الشعارات، بل بمنطق التقدير المتزن.
وقد تكون الشجاعة أحياناً في المواجهة، وقد
تكون أحياناً في ضبط المواجهة.
وهنا يظهر أنَّ الحديبية لم تكن خروجاً عن
الفقه، بل تطبيقاً راشداً له في لحظة تاريخية حساسة، حيث التقت القدرة بالمرونة، والثبات
العقدي بحسن إدارة الواقع.
رابعاً: هل يصحّ القياس على الحديبية في قضايا التطبيع المعاصرة؟
السؤال -هنا- ليس سياسياً في جوهره، بل
أصوليٌّ منهجي: هل يجوز تحويل حادثة تاريخية ذات سياق خاص إلى قاعدة معيارية ملزمة
في واقع مختلف جذرياً؟
القياس في الفقه ليس نقل صورة إلى صورة، بل
إلحاق فرعٍ بأصلٍ لاشتراكهما في علةٍ منضبطة. ولهذا وضع الأصوليون شروطاً دقيقة،
من أهمها:
1) تحقق العلة الجامعة تحققاً حقيقياً لا ظنياً عاطفياً.
2) وحدة طبيعة المسألة من حيث الموضوع والحكم.
3) تقارب السياق المؤثر في تنزيل الحكم.
4) اعتبار تغيّر الزمان والمكان وتبدّل الأعراف والأنظمة.
فإذا اختلّ أحد هذه العناصر، تحوّل القياس إلى
إسقاطٍ ذهني، لا استدلالٍ فقهي.
وعند النظر في الفروق بين الحديبية والواقع
المعاصر، نجد فروقاً بنيوية لا شكلية، منها:
1. اختلاف طبيعة الكيان السياسي:
الحديبية وقعت في سياق جماعة
رسالية ناشئة تسعى لتثبيت وجودها، بينما الواقع المعاصر يقوم على دول قومية ذات
سيادة، ضمن نظام قانوني دولي معترف به.
2. اختلاف النظام الدولي:
الحديبية جرت في بيئة قبلية
إقليمية بلا منظومة أممية أو مؤسسات عابرة للحدود، بينما العلاقات المعاصرة محكومة
بقوانين دولية، وتحالفات معقدة، وموازين قوى عالمية.
3. اختلاف طبيعة الصراع:
صراع الحديبية كان دعوياً - وجودياً
بين رسالة توحيدية وبنية شركية، أما الصراعات المعاصرة فهي غالباً نزاعات قومية - سياسية
متشابكة، ذات أبعاد تاريخية وقانونية واقتصادية متعددة.
4. اختلاف موقع القوة والتمكين:
الحديبية جاءت بعد تراكم قوةٍ
عسكرية وسياسية مكّنت المسلمين من التفاوض من موقع ثبات، بينما تختلف موازين القوة
في كل سياق معاصر باختلاف الدول والظروف.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين أمرين:
·
الاستلهام
المنهجي من الحديبية.
·
والقياس
الإلزامي عليها.
فالحديبية يمكن أن تُلهمنا في فهم فقه إدارة
الصراع، وفي إدراك أنَّ السلم قد يكون أداة قوة لا علامة ضعف، لكنها لا تتحول
تلقائياً إلى نصٍّ مُلزِم يفرض حكماً بعينه على كل واقع مشابه في الظاهر.
إذ لو جُعلت الحديبية دليلاً قاطعاً لتأييد كلِّ
اتفاق سياسي، لكان في ذلك تعميمٌ مخلّ.
ولو جُعلت دليلاً قاطعاً لرفض كلِّ اتفاق،
لكان في ذلك تعطيلٌ لفقه المصلحة الذي قامت عليه الحديبية نفسها.
ومن هنا، فالصواب المنهجي هو القول:
الحديبية نموذجٌ في فقه إدارة الصراع، لا
قالبٌ جامد يُسكب فيه كل واقع.
هي منهج في تقدير المآلات، لا وصفة جاهزة
تتكرر حرفياً في كل زمان.
فالاجتهاد السياسي المعاصر لا يُحسم باستدعاء
واقعة، بل بتحقيق المناط في كل حالة على حدة، وفق موازين القدرة، والمصلحة،
والثوابت، والعواقب.
وهنا يتبين أنَّ استدعاء الحديبية ينبغي أن
يكون استدعاءً واعياً بمنهجها، لا استدعاءً انتقائياً لصورتها.
خامساً: خطأ مقولة (النبي فعل ذلك ليسّوغ التطبيع لاحقاً):
هذه المقولة لا تعاني من خللٍ في النتيجة
فحسب، بل في منهج التفكير ذاته؛ لأنها تفترض أن الفعل النبوي كان موجَّهاً لتأسيس
شرعية مفتوحة لوقائع سياسية ستنشأ بعد قرون، في سياقات مغايرة كلياً.
وهذا التصور يُسقط على السيرة مفهوماً غير
منضبط للوظيفة التاريخية للنص والحدث.
أولاً:
النبي 6 كان يتحرك ضمن سياق دعوي - سياسي محدد في القرن السابع الميلادي، في
بيئة قبلية، وفي إطار تأسيس جماعة رسالية تواجه بنية شركية إقليمية. ولم يكن 6 يتحرك ضمن منطق دول قومية حديثة، ولا في إطار
نظام دولي معقّد، ولا ضمن مفاهيم السيادة المعاصرة.
فالحديبية كانت معالجةً لواقع محدد، لا تشريعاً
مفتوحاً لكل صورة مشابهة في الظاهر.
ثانياً:
إسقاط حدثٍ تاريخي على واقعٍ مختلف دون تحقيق مناط الحكم وتحليل علّته هو تسطيحٌ
لأدوات الفقه. والقياس لا يقوم على التشابه الشكلي، بل على اشتراك حقيقي في العلة
المؤثرة..
والخلل هنا يكمن في تحويل الواقعة إلى >مبرر
سابق<، بدل قراءتها كنموذج منهجي في إدارة الصراع.
ثم إنَّ القرآن نفسه يرشد إلى منهج مختلف في
قراءة التاريخ: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر:
2).
والاعتبار في اللسان القرآني ليس النقل
الحرفي، ولا استنساخ الصورة، بل عبورٌ من الحدث إلى سننه، ومن الواقعة إلى قانونها
الكلي.
فالاعتبار يعني:
·
فهم شروط
النصر والهزيمة.
·
إدراك
أثر المصلحة والمآل.
·
قراءة
تفاعل القوة والزمن.
لا تحويل كل واقعة إلى قاعدة مطلقة تُستخدم
خارج سياقها.
ومن هنا، فإنَّ القول بأنَّ النبي 6 فعل ذلك ليسوغ التطبيع لاحقاً، ينطوي على تصور خاطئ
لطبيعة التشريع؛ فالسيرة لا تُختزل إلى سوابق سياسية، بل تُقرأ في ضوء مقاصدها
وسننها.
والرسول الأكرم 6 لم يكن يصنع >سابقة قانونية< لوقائع مستقبلية مجهولة، بل
كان يُدير واقعاً محدداً وفق الوحي ومقتضيات الحكمة.
وهنا يظهر الفرق الدقيق بين: الاقتداء المنهجي
بسيرة النبي، والتوظيف الانتقائي لأحداثها.
فالاقتداء يقتضي فهم العلة والسياق والمآل، أما
التوظيف فيكتفي بصورة الحدث ويهمل بنيته.
لذلك، فالصحيح أن نقول: الحديبية تُعلّمنا كيف
نُفكّر في إدارة الصراع، لا ماذا نقرّر في كل حالة سياسية لاحقة.
وهذا هو الاعتبار الذي دعا إليه القرآن: فهم
السنن، لا استنساخ الصور.
سادساً: الحديبية في فلسفة القوة لا
فلسفة التنازل
الحديبية ليست حدثاً يُقرأ بمنطق الربح
والخسارة الآنية، بل محطة تُفهم ضمن فلسفة أعمق للقوة في التصور القرآني.
فالقوة في القرآن لا تختزل في السيف، ولا
تُقاس دائماً بحدّة المواجهة، بل تُقاس بقدرة الأمة على إدارة الصراع وفق موازين
المصلحة والمآل.
الحديبية تعلّمنا أنّ:
·
الصراع
ليس دائماً عسكرياً؛ فقد يكون فكرياً، أو نفسياً، أو سياسياً، أو زمنياً.
·
القائد
الرسالي لا يتحرك تحت ضغط المزاج العام، بل ضمن رؤية أبعد من اللحظة.
·
ما يبدو
خسارة آنية قد يكون تأسيساً لتحوّل تاريخي.
·
الاستراتيجية
أعمق من الانفعال، وأطول نفساً من الحماسة.
فالفتح -في المفهوم القرآني- ليس مجرد اقتحام مدينة،
بل كسرٌ لحاجزٍ نفسي، وتحويلٌ لمسارٍ تاريخي.
وفي الحديبية تحديداً، لم يكن أعظم ما فيها
البنود السياسية، بل إعادة بناء ميزان القوة على مستوى الثقة والشرعية والمآل.
ولهذا، بعد ذكر بيعة الرضوان، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح:
18).
فالرضا الإلهي لم يكن على مجرد توقيع هدنة، بل
على موقفٍ نفسي وأخلاقي عميق:
·
الثبات
في لحظة الغموض.
·
الثقة في
القيادة رغم ما يبدو من تنازل.
·
الانضباط
الجماعي أمام اختبارٍ صعب.
إنَّ البيعة هنا ليست إجراءً سياسياً فحسب، بل
إعلاناً عن تماسك جماعةٍ قادرة على الالتزام بخطةٍ لا تتضح نتائجها فوراً.
وهذا هو جوهر فلسفة القوة في الحديبية:
فالقوة ليست أن تفرض المواجهة في كل لحظة، بل
أن تختار لحظتها.
والقوة ليست أن تُرضي المشاعر، بل أن تُحسن
قراءة الزمن.
والقوة ليست أن تُثبت الحضور بالصوت العالي، بل
أن تُعيد تشكيل الميدان بهدوءٍ ووعي.
ومن هنا، فالحديبية لم تكن فلسفة تنازل، بل
فلسفة تحكم في إيقاع الصراع.
ولم تكن تراجعاً عن الهدف، بل إعادة ترتيب
للوسائل.
ولذلك جاء الرضا الإلهي مقروناً بالسكينة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الفتح: 4).
فالسكينة هنا علامة قوة داخلية، لا أثر ضعفٍ
خارجي.
وهكذا يتبيّن أن الحديبية تمثل انتقالاً من
منطق ردّ الفعل إلى منطق المبادرة، ومن منطق المواجهة المباشرة إلى منطق إدارة
الزمن، ومن فلسفة التحدي اللحظي إلى فلسفة التمكين التراكمي.
إنها درسٌ في أنَّ أعظم صور القوة قد تأتي في
هيئة صبر، وأن القيادة الرسالية لا تُقاس بحدة الصوت، بل بعمق البصيرة.
سابعاً: الحديبية وفلسفة القوة في
تراث أهل البيت:
يمكنُ إدراجُ محور >الحديبية فقهُ القوة< ضمن تراث أهل البيت D بوصفه فقهَ إدارة الصراع لا فقهَ المساومة؛ إذ يقدّم الإمام عليّ D في عهدِه لمالك الأشتر قاعدةً معيارية تُحرّر معنى الهدنة من وهم الضعف، حين يقرر:
>ولَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْه
عَدُوُّكَ ولِله فِيه رِضاً؛ فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، ورَاحَةً مِنْ
هُمُومِكَ وأَمْناً لِبِلَادِكَ، ولَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ
بَعْدَ صُلْحِه...<.
ودلالة
هذا التقرير: أنَّ الإمام D يضع معياراً
شرعياً للهدنة، وهو: ليس الصلح ضعفاً بذاته إذا كان لله فيه رضا، وفيه مصلحة أمنٍ وتخفيف استنزاف.
مع تأكيدٍ موازٍ على أنَّ الهدنة لا تُسقط واجب
اليقظة: >ولَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ
بَعْدَ صُلْحِه؛ فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ، فَخُذْ بِالْحَزْمِ
واتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ<.
ثم يُتمّ D البناء الأخلاقي - الاستراتيجي بإلزام الدولة الرسالية
بمنطق العهود لا بمنطق الغدر: >وإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ
وبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَه مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ،
وارْعَ ذِمَّتَكَ بِالأَمَانَةِ<.
وبذلك يُفهم الصلح بوصفه أداةً لتدبير المآل لا
تنازلاً عن الثوابت، ومساحةً لإعادة ترتيب القوة لا تسليماً للخصم.
وإلى هذا يضيف الإمام الصادق D ضابطاً فقهياً يمنع تحويل المعاهدات إلى بوابة تعطيلٍ للشريعة،
فيقرر القاعدة الجامعة: >الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ
إِلَّا كُلَّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَجُوزُ<،
أي أنَّ الشرعية في >الشروط< ليست اسماً سياسياً ولا مظهراً تفاوضياً، بل انضباطٌ
بالنصّ القطعي وموافقةٌ لكتاب الله؛ فكل اتفاقٍ يتضمن شرطاً يصادم الثابت الديني
أو يشرعن ما حرّمه الوحي يخرج عن المشروعية من الأصل.
ثم تتجلى >الحديبية كفقه قوة< في التطبيق التاريخي عند الإمام الحسن D حين واجه خطاب الاتهام بالإذلال، فصرّح بمنطقٍ رسالي يربط القرار بالقدرة وبحفظ الجماعة:
>ما أنا بِمُذِلِّ
المُؤمنينَ، ولكِنّي مُعِزُّ المؤمنينَ، إنّي لَمّا رَأيتُكُم ليسَ بِكُم علَيهِم قُوَّةٌ
سَلَّمتُ الأمرَ لأِبقى أنا وأنتُم بينَ أظهُرِهِم، كما عابَ العالِمُ السَّفِينَةَ
لِتَبقى لأصحابِها، وكذلكَ نَفسِي وأنتُم لِنَبقى بَينَهُم< (تحف
العقول: ص 308)؛ فالصلح هنا ليس تبديلاً لمعيار
الحق، بل حفظٌ للبذرة المؤمنة من الاستئصال، وتدبيرٌ للزمن حتى تستعاد شروط الفعل،
وهو بعينه جوهر الحديبية: ثباتٌ في المبدأ، ومرونةٌ في الوسيلة، وميزانٌ يحاكم
القرار بمآله لا بانفعالاته.
وتوظيف هذه الروايات، كالتالي:
·
في عهد الإمام علي للأشتر = القاعدة
الكلية قبول الصلح بضوابط + الحذر بعده + الوفاء بالعهد.
·
في موقف الإمام الحسن D فإنَّ التطبيق التاريخي الأوضح لفكرة >الهدنة كفقه قوة< لا كتنازل، مع عنصر >حفظ البقية<
من الجماعة المؤمنة.
·
ورواية الإمام الصادق = الميزان الفقهي: لا
شرط يخالف كتاب الله.
ثامناً: لماذا عاهد النبي 6
مشركي قريش:
إنّ
ظهور الإسلام، وتكوين القاعدة الإسلامية بالمدينة المنورة، أثار موجة عارمة من
الصراع بين الإسلام والوثنية، بلغ أشده في غزوة الأحزاب التي كانت تمثل تهديداً
مباشراً للكيان السياسي الإسلامي.
من
هنا وجد النبي 6 نفسه أمام ثلاث جبهات:
1
- جبهة شمالية: تتمثل في خيبر، وفدك وتيماء، ووادي القرى، ويتزعمها اليهود. وتشكل
هذه الجبهة قاعدة للتحريض، ومركزاً للتمويل بالسلاح والمال.
2
- جبهة شرقية: تتمثل في القبائل العربية من نجد، وأبرزها غطفان، وبني أسد، وبني
مرة، وغيرها. وهي عبارة عن قوة من المرتزقة، يغريها اليهود بالمال وبخيرات خيبر.
3
- جبهة جنوبية: وتتزعمها قريش، تدفعها الأحقاد، والمصلحة الاقتصادية، والقيمة
الاعتبارية بين القبائل.
ولقد
كانت غايات النبي 6 من معاهدة الحديبية الآتي:
أولاً:
ممارسة الحق في أداء الشعائر بمكة.
ثانياً:
توفير الأمن للمدينة المنورة من التهديد المستمر، وذلك بتحييد الجبهة الجنوبية،
حتى الانتهاء من تصفية الجبهة الشمالية، لهذا كانت الحديبية معاهدة مؤقتة.
ثالثاً:
إطلاق الحرية للدعوة الإسلامية.
وأما
قريش فكانت أهدافها تنصب في الحمية الجاهلية وهي: المحافظة على التجارة، والمكانة
الاعتبارية بين القبائل.
لقد
كانت قريش تظن أنّها حققت ما تريد من شروط، لهذا كان المسلمون قلقين من بعض أحكام
المعاهدة، مشفقين على مستقبل الدعوة الإسلامية لكن الرسول 6 كان يوصيهم بالصبر والأناة، ويبشرهم بالفتح والغنائم، لأنه كان
يدرك أبعاد المعاهدة.
نعم،
لقد فوجئت قريش بأنّ شروطها التي أصرت عليها تفتقر إلى العمق، فحقها في استرداد
اللاجئين من صفوف المسلمين، أصبح وبالاً عليها، لأنهم تسللوا إلى الساحل فقطعوا
طريق القوافل، مما حدا بقريش أن تناشد النبي 6 الله والرحم في إسقاط الشرط، واحتواء الذين هددوا طريق القوافل،
حتى يكونوا تحت مظلة المعاهدة، واستجاب 6 لذلك.
إنّ
تنازل قريش عن شرط استعادة اللاجئين، فتح الطريق أمام الذين قذف الله الإيمان في
قلوبهم أن يلتحقوا بقافلة الإيمان، فكان بداية لتصدع الموقف القرشي.
من
هنا نقول: إنّ إبرام معاهدة الحديبية، يعتبر نقطة تحول في التاريخ الإسلامي، إذ
مكّن الدولة الإسلامية من مباشرة نشاطها في المجتمع الدولي - وخاصة من خلال إرسال
الرسل والكتب إلى ملوك وأمراء الممالك والقبائل - كما كان إبرام معاهدة الحديبية
اعترافاً ضمنياً بكيانها السياسي.
ولو
استقصيت عدد من دخل الإسلام في سنتي الهدنة لرأيتهم يعدلون من أسلم منذ البعثة
النبوية عدداً، فكانت من القبائل التي دخلت الإسلام في هاتين السنتين: جهينة، وبنوا
سليم، والأشعريون، وخُشين، وسعد العشيرة، ومضر، وغيرهم.
الخلاصة المنهجية
يتبيّن من مجموع ما سبق أنَّ صلح
الحديبية لم يكن حادثة عابرة في السيرة، ولا اتفاقاً سياسياً يُقرأ بسطحية الربح
والخسارة، بل كان نموذجاً تطبيقياً لفقه إدارة الصراع في ضوء الوحي.
فهو أولاً: هدنة استراتيجية مؤقتة جاءت في سياق صراع
محدد المعالم، حيث كانت القيادة النبوية تعيد ترتيب ميزان القوة، لا تتخلى عنه.
لم
يكن تعليقاً للصراع بقدر ما كان إعادة توجيهٍ له ضمن حسابٍ دقيق للمآلات.
وهو ثانياً: لم يكن اعترافاً بشرعية عقيدة الخصم،
ولا تسويةً بين التوحيد والشرك، ولا تطبيعاً أيديولوجياً بالمعنى الذي يذيب
الفوارق العقدية.. فالفصل العقدي بقي ثابتاً، وحدود الحق والباطل لم تتبدّل، وإنما
الذي تغيّر هو أسلوب إدارة المواجهة.
وهو ثالثاً: وُصف في القرآن بـ>الفتح< لا لصورته الظاهرة، بل لنتيجته التاريخية. فالتحول الاستراتيجي الذي أحدثه – من كسر العزلة، وتوسيع قاعدة الدعوة، وتهيئة الطريق لفتح مكة – هو الذي منحه وصف الفتح المبين.
وهنا تتجلى القاعدة القرآنية: العبرة
بالمآل لا بالمظهر.
وهو رابعاً: لا يصلح أن يُتخذ قاعدة جاهزة تُسقط على
كل واقع معاصر دون تحقيق مناط الحكم.. فالقياس عليه يقتضي دراسة دقيقة للعلة،
ولطبيعة الصراع، ولموازين القوة، وللبنية السياسية المحيطة، وإلا تحوّل الاستدلال
إلى إسقاط شكلي لا ينهض على أساس أصولي.
وهو خامساً: إذا اختُزل إلى شعارٍ سياسي يُستدعى
لتبرير موقف مسبق، فُرّغ الحدث من عمقه القرآني، وتحول من درسٍ في فقه السنن إلى
أداة في جدلٍ ظرفي. بينما الحديبية -في حقيقتها- ليست موقفاً سياسياً جاهزاً، بل منهجاً في التفكير السياسي.
وعليه، فإن القيمة الحقيقية للحديبية لا
تكمن في صورتها التاريخية، بل في
منهجها:
·
ثباتٌ عقدي لا يُساوَم.
·
مرونة سياسية لا تُفرّط.
·
تقديرٌ دقيق للمصلحة.
·
ووعيٌ بالمآلات يتجاوز الانفعال اللحظي.
بهذا الفهم، تتحول الحديبية من حادثةٍ
تُستدعى في الجدل، إلى قاعدةٍ منهجية في فقه إدارة الصراع، حيث يلتقي الوحي
بالتاريخ، والثبات بالحكمة، والقوة بالصبر.
النتيجة الفكرية الأعمق للصلح:
إنَّ صلح الحديبية لم يكن حدثاً سياسياً عابراً،
ولا تسويةً اضطرارية فرضتها لحظة ضعف، بل كان تجلّياً واعياً لسنن التاريخ في حركة
الرسالة. لم يكن تنازلاً عن مبدأ، ولا مساومةً على عقيدة، ولا إعادة تعريفٍ للحق
والباطل؛ بل انتقالاً من صراعٍ مباشر إلى إدارةٍ أذكى للصراع، حيث تتحوّل المواجهة
من صدامٍ ميداني إلى تفوّقٍ مرحلي تراكمي.
لقد علَّمنا القرآن أنَّ ظاهر الأحداث قد
يلتبس على العيون، وأن الحكم اللحظي قد يخدع الإدراك الجمعي، بينما تنكشف الحقيقة
في ميزان الوحي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً
مُبِيناً﴾، ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾.
فالفتح في الرؤية القرآنية ليس مجرد اقتحامٍ
عسكري، بل كسرٌ لحاجزٍ نفسي، وتحويلٌ لمسارٍ تاريخي، وإعادة تشكيلٍ لميزان القوة.
وهنا تتجلى قاعدة كبرى في فلسفة القيادة
الرسالية: أنها لا تتحرك بمنطق الانفعال، بل بمنطق المآل؛ ولا تقيس اللحظة بذاتها،
بل تقيسها بما تفتحه من آفاق.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديبية لا تُختزل في
صورة هدنة، ولا تُستدعى كشعارٍ سياسي جاهز، بل تُفهم كنموذجٍ في فقه التمييز بين
الثابت والمتغير.
هي ليست رخصةً مفتوحة لكل صلح، كما أنها ليست
ذريعةً لرفض كل سلام.
ليست أداة تبرير، ولا أداة تحريم مطلق.
بل هي ميزانٌ دقيق يُذكّر بأن:
·
الثابت
العقدي لا يُمسّ ولا يُساوَم.
·
والمتغير
السياسي يُدار في ضوء المصلحة الشرعية والمآل.
·
وأن
السلم قد يكون أحياناً طريقاً إلى التمكين، كما أن المواجهة قد تكون أحياناً
صيانةً للكرامة.
فالحكمة ليست في اختيار الحرب دائماً، ولا في
اختيار السلم دائماً، بل في إدراك اللحظة التي يكون فيها كلٌّ منهما أقدر على حفظ
الرسالة.
ولهذا، فإن الميزان الذي تُقاس به أي واقعة
معاصرة ليس الاسم الذي يُطلق عليها -صلحاً أو تطبيعاً- بل حقيقتها البنيوية، ومآلها
الاستراتيجي: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
فإن كان المآل حفظاً للحق، وصيانةً للثوابت،
وتقويةً للأمة، وتوسيعاً لدائرة التأثير، فهو أقرب إلى روح الحديبية.
وإن كان المآل تثبيتاً لهيمنة الخصم، أو إضعافاً
استراتيجياً طويل الأمد، أو تنازلاً عن أصلٍ قطعي، فليس من فقهها في شيء، وإن
تشابهت الصورة.
وهكذا يتبيّن أن السؤال الأعمق ليس:
هل هو صلح أم تطبيع؟
بل:
هل هو اجتهادٌ داخل دائرة القوة الواعية، أم
انزلاقٌ خارج ثوابت الرسالة؟
وهنا يبدأ الاجتهاد الرشيد؛ اجتهادٌ يُوازن بين الثبات والحكمة،
بين النص والواقع، بين اللحظة والتاريخ ...
ولا ينتهي.
