الاثنين، 2 فبراير 2026


 

الإمام المهدي الغائب الشاهد

المهدوية ودلالاتها الحضارية

مقدّمة

ليست قضية الإمام المهدي مسألةً هامشية في الوعي الإسلامي، ولا فكرةً أسطورية نشأت على هامش التاريخ، بل هي بنية عقدية مركزية تلازم الرؤية الإسلامية للإنسان، والتاريخ، والعدل، والمصير.

وإذا كانت بعض القراءات المتأخرة قد حاولت - بدوافع سياسية أو أيديولوجية - التشكيك في هذه العقيدة أو تفريغها من مضمونها، فإنّ التراث الإسلامي العام، سنّيًا وشيعيًا، يشهد بتواتر فكرة المهدوية، وإن اختلف المسلمون في بعض التفاصيل المرتبطة بالولادة والغيبة والظهور.

من هنا، لا نتعامل مع الإمام المهدي بوصفه (مشكلة تاريخية)، بل بوصفه مفتاحًا لفهم العلاقة بين الغيب والواقع، وبين الوعد الإلهي ومسار البشرية.


أولاً: المهدوية كحقيقة إسلامية جامعة

المهدوية ليست اختراعًا شيعيًا، ولا فكرةً طارئة على الوعي الإسلامي، بل هي مسألة التقى عليها المسلمون في أصلها، واختلفوا في فروعها.
فالنصوص النبوية المتواترة، التي روتها كتب الحديث المعتمدة، تؤكد أنّ المهدي:

·     من عترة النبي 6.

·     ومن ولد فاطمة الزهراء J: >الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ< (سنن أبي داود: ج 11 ص 373؛ وسنن ابن ماجه: 2 ص 1368، وقال الألباني في صحيح الجامع: >صحيح< 6734).

·     وأنه يمثل الخاتمة العادلة لمسيرة الظلم التاريخي.

وهذا التوافق الواسع يكشف أنَّ المهدوية ليست تعبيرًا عن أزمة سياسية، بل عن توقٍّ إنسانيٍّ عميق للعدل المطلق.


ثانياً: النسب والهوية - المهدوية امتداد لا انقطاع

تؤكد النصوص أنّ المهدي ليس ظاهرة منفصلة عن التاريخ النبوي، بل هو امتداد عضوي لخط النبوة وأهل البيت.

فانتماؤه إلى فاطمة J ليس توصيفًا نسبيًا فحسب، بل دلالة رمزية:

·                   فاطمة J تمثل الصفاء الرسالي.

·                   والمهدي يمثل اكتمال العدالة الرسالية.

وبذلك تكون المهدوية خاتمة منطقية لمسار بدأ بالوحي وانتهى بالعدل.


ثالثاً: (القائم) بين الدعوة والتغيير الحضاري

وصف المهدي بـ(القائم) يفتح أفقًا فكريًا مهمًا؛ ففي الصحيح عن أبي بصير، عن أبي جعفر C قال: >يَكُونُ تِسْعَةُ أَئِمَّةٍ بَعْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ<.

فالقِيام هنا لا يعني مجرد النهوض، بل:

·     القيام بوظيفة تاريخية استثنائية.

·     والتحول من منطق الدعوة التدريجية إلى منطق إعادة بناء العالم.

فالأنبياء G:

·     ركّزوا على بناء الإنسان من الداخل.

·     واشتغلوا على الإقناع والتربية.

أما الإمام المهدي D:

·     فيتحرك عندما تكون البشرية قد استنفدت كل تجارب الظلم.

·     ويأتي بوصفه مشروعًا عالميًا لتصحيح المسار الكوني.

وهذا لا يلغي الدعوة، لكنه يجعلها جزءًا من مشروع تغييري شامل.


رابعاً: الغيبة.. حضور من نوع آخر

غيبة الإمام المهدي D ليست غيابًا وجوديًا، بل غياب عن الدور المباشر.

وهي:

·     غيبٌ من غيب الله.

·     وسرٌّ من أسرار التدبير الإلهي.

والنصوص حين تتحدث عن الغيبتين:

·     القصيرة،

·     والطويلة

فإنها تؤكد أنَّ الغيبة ليست فراغًا قياديًا، بل نمطٌ مختلف من الحضور حيث >يَمْلَأُ اللهُ بِهِ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً<؛ فحضوره D:

·     حضور في الهداية،

·     وحضور في الحفظ،

·     وحضور في الامتحان التاريخي للإنسان.

ومن هنا، فإنّ الانشغال بتفاصيل من قبيل:

أين يسكن؟ هل هو متزوج؟ ماذا يأكل؟

ليس إلا هروبًا من التكليف الحقيقي الذي تفرضه عقيدة الانتظار.


خامساً: حكومة العدل - بين القانون الإلهي والضمير الإنساني

توصيف حكومة الإمام المهدي في الروايات ليس توصيفًا طوباويًا، بل تصوير لنموذج حكم غير مسبوق:

·                   حكم يقوم على العدل لا على الشكل

·                   وعلى الحقيقة لا على الإجراءات الشكلية

فقوله D -كما في الصحيح-: >إِذَا قَامَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ 2 حَكَمَ بِحُكْمِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، لَا يَسْأَلُ بَيِّنَةً<..

يشير D إلى:

·                   نفاذ بصيرته في معرفة الحق،

·                   وتلاشي الفجوة بين القانون والعدالة.

وهنا تبلغ الدولة ذروتها الأخلاقية، حيث يصبح العدل:

·                   ممارسةً يومية

·                   لا شعارًا سياسيًا


سادساً: الرخاء كأثر طبيعي للعدل

الرخاء في حكومة المهدي ليس معجزة اقتصادية منفصلة، بل ثمرة حتمية للعدل >يَخْرُجُ فِي آخِرِ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ، يَسْقِيهِ اللهُ الْغَيْثَ، وَتُخْرِجُ الأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَيُعْطِي الْمَالَ صِحَاحًا، وَتَكْثُرُ الْمَاشِيَةُ، وَتَعْظُمُ الأُمَّةُ، يَعِيشُ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا<:

·                   فالسماء تمطر

·                   والأرض تُخرج بركاتها

·                   والمال يُوزّع بلا خوف من الفقر

وهذا ينسجم مع الرؤية القرآنية:

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}.

فالعدل ليس قيمة أخلاقية فقط، بل قانون كوني.


سابعاً: المهدي في الصحيحين… إشكالية المنهج لا النص

الاعتراض بعدم ذكر الإمام المهدي صراحة في صحيحي البخاري ومسلم اعتراضٌ منهجي ضعيف، لأنَّ:

1.  الصحيحين لم يستوعبا كل الصحيح

2.  الأحاديث المجملة فيهما فُسِّرت في غيرهما

3.  علماء أهل السنة أنفسهم صرّحوا بأنَّ (الإمام) الوارد في أحاديث نزول عيسى هو المهدي

وعليه، فالمشكلة ليست في النص، بل في طريقة القراءة الانتقائية.


ثامناً: الانتظار… من العاطفة إلى المشروع

الانتظار في المفهوم الإسلامي ليس:

·                   سكونًا

·                   ولا تعطيلًا

·                   ولا حنينًا عاطفيًا

بل هو:

·                   مشروع تهيئة

·                   وبناء للعدل في الدائرة الممكنة:

o                  في البيت

o                  في المجتمع

o                  في السياسة

o                  في الاقتصاد

فالمنتظر الحقيقي هو: من يعيش قيم الدولة المهدوية قبل قيامها


خاتمة: الإمام المهدي ومعنى الصراط المستقيم

قضية الإمام المهدي هي في جوهرها سؤال الصراط المستقيم:

·                   صراط لا ينفصل فيه الإيمان عن العمل

·                   ولا العقيدة عن المسؤولية

·                   ولا الغيب عن الواقع

ومن هنا، فإنّ الاحتفال بالإمام المهدي ليس طقسًا، بل التزامًا وجوديًا:

أن نكون دعاةً للعدل

وشهودًا على الحق

وممهدين لدولةٍ أرادها الله خاتمةً لمسيرة الإنسان

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾.

 

الجمعة، 16 يناير 2026


سيجعل لهم الرحمن وُدّا

* الشيخ حسين علي المصطفى


قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدّاً﴾ (مريم: 96).


آيةٌ موجزة في ألفاظها، عميقة في قوانينها، تؤسّس لفلسفة قرآنية متكاملة في بناء الإنسان، وصناعة القبول، وتحويل الإيمان من باطنٍ فردي إلى أثرٍ اجتماعي رحماني.


أولاً: القراءة اللغوية – القرآنية

·      ﴿آمنوا﴾: الإيمان في القرآن ليس تصديقاً ذهنياً فحسب، بل حالة وجودية شاملة، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (الحجرات: 14). فالإيمان الحقيقي هو الذي يُحدث أثراً داخلياً.

·      ﴿وعملوا الصالحات﴾: العمل الصالح هو البرهان العملي على صدق الإيمان، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: 10).

·      ﴿سيجعل لهم﴾: الفعل هنا إلهي، لا اجتماعي، أي أنّ الودّ لا يُنتَج بالجهد البشري وحده، بل يُخلَق خلقاً.

·      ﴿الرحمن﴾: اختيار هذا الاسم دقيق؛ لأنّ الودّ أثرٌ من آثار الرحمة العامة، كما قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 156).

·      ﴿وُدّاً﴾: الودّ أعمق من الحبّ العابر؛ هو محبة ثابتة، ساكنة، غير مشروطة، تقيم في القلوب لا في الشعارات.


ثانياً: البعد التربوي في الآية

تضع الآية قاعدة تربوية قرآنية مفصلية:

القبول الاجتماعي لا يُربَّى عليه، بل يُترَك أثراً طبيعياً لصلاح الباطن.

فالقرآن يرفض تربية الإنسان على طلب رضا الناس، ويؤكد: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5).

ومن أخلص لله سبحانه:

·      حرّره الله من الارتهان لنظرة الآخرين،

·      وربّاه على الاستقامة لا على التصفيق.


ثالثاً: البعد المعرفي (إعادة تعريف القيمة)

الآية تُعيد ترتيب مصادر القيمة الإنسانية:

·      فليست القيمة فيما يراه الناس.

·      ولا فيما يشتهر في المجتمع.

·      بل فيما يثبت أمام الله.

قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).

فالقبول في الأرض فرعٌ عن القبول في السماء، والمعرفة التي لا تتحول إلى سلوك لا تنتج أثراً ودّياً.


رابعاً: البعد الفلسفي (قانون الباطن والظاهر)

الآية الكريمة تكشف قانوناً (وجودياً) قرآنياً:

ما استقرّ في الباطن، تشكّل في الظاهر.

قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28)،

·      فالطمأنينة الداخلية تنتج سكينة خارجية،

·      والسكينة تُنتج قبولاً غير مصطنع.

ولهذا لم يقل القرآن: سيجعلهم محبوبين، بل قال: ﴿سيجعل لهم﴾؛ أي يجعل لهم حضوراً وجودياً مقبولاً.


خامساً: البعد الكشفي – العرفاني

من زاوية الكشف القرآني:

·      الودّ إلقاء نور لا ترويج صورة.

·      الله يفتح القلوب لا المنابر.

قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (الأنفال: 63).

فالمحبة التي لا تُشترى ولا تُخطَّط هي علامة الفيض الرحماني.


سادساً: البعد الاجتماعي

الآية تهدم منطق السيطرة الاجتماعية، وتؤسس لمنطق التأثير الأخلاقي: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: 34).

فالقرآن يربط:

·      بين الصلاح الفردي،

·      واستقرار العلاقات،

·      وسلام المجتمع.

ولهذا قال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ (النور: 26).


سابعاً: البعد النفسي

نفسياً، الآية:

·      تُحرّر الإنسان من القلق الوجودي.

·      تشفيه من الحاجة القهرية للاعتراف.

·      وتمنحه طمأنينة الاتكاء على الله.

قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (طه: 123).

فالذي يعيش في الهداية:

·      لا يتكسّر إن رُفض،

·      ولا يضطرب إن أُحبّ، لأنه يعلم أن الودّ عطاء لا مطالبة.


خلاصة قرآنية جامعة

تقرّر هذه الآية قانوناً إلهياً ثابتاً:

إذا صَلُح الداخل، تولّى الله ترتيب الخارج.

وإذا استقرت العلاقة مع الرحمن، لانَت القلوب في الأرض.

فالودّ:

·      ليس مكافأة اجتماعية،

·      ولا نتيجة حيلة نفسية،

·      بل أثر رحمانيّ يُودَع في القلوب.

وهي بذلك آية:

·      تُربّي الإنسان على الصدق،

·      وتُحرّره من الخوف،

·      وتُعلّمه أن الطريق إلى القلوب يمرّ أولاً عبر الله. 


  الإمام المهدي الغائب الشاهد المهدوية ودلالاتها الحضارية مقدّمة ليست قضية الإمام المهدي مسألةً هامشية في الوعي الإسلامي، ولا فكرةً أس...