‏إظهار الرسائل ذات التسميات من وحي القرآن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من وحي القرآن. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 15 مارس 2020



**أهل الاختصاص هم مصاديق أولي الأمر**


يقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء: 83).

إنَّ هذا النص القرآني الكريم يشير إلى أهمية المتخصص من بين الناس، فقد أوكلت الآية الشريفة الأمر إلى المتخصص، بعد الله والرسول، فقالت الآية {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} .. فـ{مِنْكُمْ} أي من وسطكم، وهم أصحاب الاختصاص في المجالات المختلفة فلفظة (أولي) هي جمعٌ لـ(ذي)، بمعنى (صاحب الأمر)، وهو صاحب الاختصاص والعلم بالأمر.

فالآية الكريمة تقول (للذين آمنوا) أن يقبلوا بما يقرره الله تعالى والرسول وأصحاب الاختصاص منهم.

فكيف نطيع الله في وجود حالات مرض متكرر كالذي نعيشه هذه الأيام؟!

إنَّ طاعتنا لله -هنا هي- بأن نؤكد لأنفسنا بأنَّ هناك أمر مريب! وما نعرفه من قوانين الله تعالى تؤكد أنَّ هذه الحالة غريبة ولا تحدث إلا بسبب وجود علة تكرر معها تفشي هذا المرض أو الوباء.

فإذا أردنا أن ننظر في كتاب الله الكوني، كما علمنا به رسول الله (ص)، لا من خلال القضاء والقدر المتوهم لدينا، بل علينا أن ندرس هذا الأمر دراسة علمية، وأن نطلق يد الخبراء في هذا المجال لكي يقوموا بفحوصاتهم المخبرية اللازمة، وأن يشخّصوا أسباب هذا المرض، ويعطونا النتيجة.

وكلنا قد سمع من على المنبر أنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عدل من حائط مائل إلى حائط آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتفر من قضاء الله؟ فأجابه الإمام (ع): "أفر من قضاء الله إلى قدر الله عز وجل" (التوحيد: ص 369).

فقبل 1400 سنة يخبرنا هذا الإمام أن نأخذ بأسباب القضاء والقدر، وأنهما يخضعان للقوانين والنواميس الطبيعية، التي من خلالهما يعيش الإنسان بأسبابه الطبيعية، فإذا كان القضاء هو الحكم، فالقدر هو وضع الشيء في مكانه المناسب، وضمن الحدود التي تضمن تحقيق الغاية منه. وبعبارة أخرى، هو القوانين والأنظمة التي أودعها الله في الكون.

ولذا نرى إصرار مراجعنا الكرام بشأن وباء فيروس كورونا حيث أكدوا على إتباع إرشادات أهل الاختصاص واتباعهم، بل أشار المرجع الديني الكبير الشيخ جعفر سبحاني حفظه الله "إنَّ نصائح الأطباء لمكافحة الوباء حجة علينا نحن المراجع"..

نسأل الله أن يدفع هذا البلاء بوعينا واتباعنا لإرشادات حكومتنا الرشيدة التي أخذت على عاتقها اتباع أصحاب الاختصاص وتطبيقه لنجتاز هذه المحنة الكبيرة، والله ولي التوفيق.

حسين علي المصطفى
القطيف - المملكة العربية السعودية
15 / 3 / 2020

الاثنين، 18 نوفمبر 2019


**الأنثى السكن المجهول**


إنَّ أدوات التواصل أو الحوار أصيل بين الكائنات، بما في ذلك الإنسان، وفي بداية التكوين، كان الجسد لغة في أصل الكون. ولغة الجسد عادة لا تكذب.. يقول الإمام الباقر (ع): "أَيُّمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى ذِي رَحِمَ فَلْيَدْنُ مِنْهُ فَلْيَمَسّهُ فَإِنّ الرّحِمَ إِذَا مُسّتْ سَكَنَتْ" (الكافي: ج 2 ص 302).

وحيثما كانت الأنثى كان الذكر معها في كل شؤون حياتيهما، فكان الجسد لغة التكوين الأولى، والتعبير الوثيق عن التواصل الأكيد بين الذكر والأنثى.

فالعلاقة بين الجسد والحب وطيدة، وفي هذا حكمة إلهية بالغة، فالحب الحقيقي بين الإلفين يجعل ممارسة الجسد أكثر متعة، وبالمقابل فإنّ ممارسة الجسد توطد الحب بين الطرفين وتجعله أكثر دفئاً وحناناً، وقد يظن ظان أنّ الممارسة الجسدية يطفئ نار الشوق، وهذا غير صحيح إلا إذا كانت غاية الحب هي الجسد والمتعة فحسب، فحينئذ يكون الوصل بمثابة الماء الذي يطفئ نار الحب ويجعلها رماداً.

فعندما يدخل الحب ضمن دائرة الجسد، فهذا حبّ شبقي جسدي متوتر يرتدي شكل الحبّ وليس جوهره، وهو في آخر الأمر عبودية جسدية وليس حرية. ولكن عندما يدخل الجسد ضمن دائرة الحب الحقيقي يكون حرية عميقة.

فالحب هو الذي يجعل العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة تزدهر، وبدون الحب لا تكون أكثر من عملية إفراغ للتوتر الناجم عن الحاجة الجسدية لدى الطرفين.

إذن "الحبّ هو المحور الأساسي التي تدور بفلكه كلّ القيم الروحية، وكل سعادات الأرض الدنيوية، فإذا فقد هذا العنصر المهم، فقدت كل القيم الأخلاقية، وازدادت سعة الشر في النفوس البشرية" (المرأة والجنس، الدكتورة نوال السعداوي: ص 141).

وبسبب هذه العلاقة الوطيدة ما بين الحب والجسد فإنّ الكثير من الزيجات الفاشلة ترجع إما لانعدام الحب بين الزوجين، وما يترتب عليه من سوء العلاقة الجسدية بينهما، وإما لخلل في العلاقة الجسدية يجعل الحب بينهما يفتر شيئاً فشيئاً حتى ينقلب إلى كراهية، ويغدو الاستمرار في الزواج أمراً مستحيلاً!

وهذا التعبير يمكن الوقوف عليه عندما ندرس مادة (س ك ن) في النص القرآني في العديد من المواضع، وما يمكن أن تحيل عليه من دلالة تشد الذكر إلى الأنثى، وتشد الأنثى إلى الذكر.. فمادة (س ك ن) وردت في النص القرآني لتحيلك على المعاني التالية:

الأول: الطمأنينة: قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ التوبة: 103.

الثاني: الأمن والطمأنينة: قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} التوبة: 26.

الثالث: الأمن والاستقرار والراحة في المكان: قال تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ النحل: 80.

الرابع: السكون والهدوء والاستقرار والراحة في الزمان: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يونس: 67. وقال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} الأنعام: 96.

الخامس: الأنثى (الزوجة): قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الروم: 21.

إنَّ مختلف الاستعمالات الواردة في الآيات السابقة تؤكد الانسجام التام الذي يمكن أن يحصل بين الذكر والأنثى، فكل واحد منهما يمثل بالنسبة إلى الآخر: الراحة، والأمن، والطمأنينة، والهدوء، وهو يمثل (سكناً)، بما يحمله هذا اللفظ من دلالة على: الاطمئنان، والراحة، والأمن.

قال ابن منظور في لسان العرب: >السَّكَنُ: المرأَةُ؛ لأَنها يُسْكَنُ إليها...  والسَّكَنُ: كل ما سَكَنْتَ إليه واطمأْنَنت به من أَهل وغيره<.

وهذه الحالات من الأمن والراحة تتوافر لدى الذكر والأنثى عندما يسكن الواحد منهما إلى الآخر، ويتوحدان في الجسد، ويكون الجسد بينهما أداة التواصل والتفاعل والمتعة. وفي هذه الحالة تنتفي الحواجز والحدود والفوارق بين الذكر والأنثى.. ويتحدد في ذلك النص القرآني حكاية عن أصل التكوين: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} النساء: 1.

ويوضح هذا المعنى بشكل جلي، قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} البقرة: 187. فاللباس يحفظ الجسم من الحر والبرد، ويستر عيوب الجسد، وهو زينة للإنسان.. كذلك الزوجان يحفظ كل منهما الآخر من الانحراف والعيوب، ويوفر كل منهما سبل الراحة والطمأنينة للآخر، وكل منهما زينة للآخر.. فليس هناك أجمل من هذا التعبير بكل ما توجبه عبارة (اللباس) من معاني الستر والوقاية والدفء والملاصقة والزينة والجمال.

فالنص القرآني يرجع طبيعة العلاقة بين الأنثى والذكر إلى جانبين معاً: التكامل والمتعة، ولهذا نجد أنّ أعمال البدن ليس مشروعاً فحسب طبقاً لمشيئته تعالى وانسجاماً مع النظام الكوني، بل إنّه في الأساس آية من آيات الله الكبرى وعلامة على قدرته.

ولهذا جاء النص القرآني {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} الأعراف: 189، ليحمل إشارة مهمة تبرز منزلة خلق المرأة بالنسبة للرجل، فهذه الآية تؤكد الغاية من خلق الأنثى من الذكر {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}، فمن الذكر خلقت الأنثى ليسكن إليها، ولولا الأنثى لعاش الذكر عالماً من الوحشة والألم.

والمثير للانتباه أنَّ النص القرآني خصَّ آدم (الرجل) دون حواء (الأنثى) في خطابي النهي والاغراء؛ ففي سورة طه يوجّه التحذير إلى آدم وحده، من فتنة الشيطان وإغوائه، وما يمكن أن يكون سبباً لإخراج الذكر والأنثى من الجنة: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} طه: 117.

وكذلك وسوس الشيطان إلى آدم وحده، حيث تأثر بإغراء الشيطان، فأغرى زوجته بالأكل: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} طه: 120-121. فعبء الخرق يتحمله آدم (الرجل) دون حواء الأنثى؛ لهذا جاء النص {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}، وكان عقاب ذلك هبوطه والشيطان إلى الأرض عدوين لدودين: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} طه: 123.

ونتيجة لنفاسة الأنثى فإنها لم تخلق من مادة مستقلة، كما هو الحال في خلق الرجل، وإنما خلقت من جسم آدم، فيكون جسد آدم مادة خلقٍ استعملها الخالق لينشئ منها كائناً مستقلاً هو الأنثى، أي أنَّ خلق حواء كان من مادة حية، لأنها اقتطعت من جسد آدم، وقد تكون هذه المادة أنفس من المادة التي خلق منها الذكر، ولهذا نقرأ في النص القرآني افتخار إبليس على خلق آدم وحده دون المساس لحواء؛ لأنه خلق من مارج من نار، في حين خلق آدم من تراب: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} الأعراف: 12.

ولهذا قال جلال الدين المولوي (ت 1273م): "إنما المرأة من نور الله.. فهي ليست مجرد حبيبة، أو حتى مخلوقة، بل إنها خلاّقة".

وقال محيي الدين بن عربي (ت 1240م): "كل مكان لا يُؤنّث لا يُعوّل عليه".

ومنها اقتبس أدونيس قولته المشهورة: "المكان إذا أنثناه صار مكانة".

فالمكان الذي لا يحتفي بالمرأة يفقد مكانته وقيمته وإشعاعه، فهي  من يضيف المكانة للمكان بلا منازع، وعدا ذلك يظلّ هذا الأخير باهتاً ناقصاً موحشاً؛ ولهذا خلق حواء (الأنثى) لتضيف إلى التكوين نفاسة وارتقاء .

الخميس، 1 أغسطس 2019


** في مائدة سيدتنا مريم بنت عمران **


لقد ذكر الله سبحانه السيدة مريم بنت عمران (ع)، وامتدحها بقوله: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء: 91، فأخبرتنا الآية أنها وصلت إلى سن النضوج الأنثوي، وهي عذراء محصّنة لم يمسسها بشر، وهذا في مقام المديح.. لماذا؟

إذا جاءنا اليوم، في القرن الحادي والعشرين، شخص يقول: إنَّ فلانة من النساء، وصلت إلى سن العشرين مثلاً، وما تزال عذراء محصنة، فلن نرى أية غرابة في هذا الخبر؛ لأنّ مثلها بيننا كثير جداً. لكننا إذا رجعنا إلى التاريخ، نرى أنّ السيدة مريم قد عاصرت الحضارة الرومانية، التي اشتهرت بالدعارة، بل والإباحة الجنسية العلنية، فنفهم أنّ ظاهرة الحصانة والعذرية في مثل ذلك المحيط، أمر يستحق المديح والتخليد.

فقد أخبر الله سبحانه أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنها المتفتحة على الله في صدقها وطهارتها؛ فهو سبحانه الذي وصفها قائلاً: {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً}، ويسرَّ لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين.. لهذا قال تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}..

وإنما قدَّر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علماً جماً نافعاً وعملاً صالحاً، ولأنه كان زوج خالتها، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها.

ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها ورقيها المعنوي، فقال: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً}. فلفظة "كُلَّمَا" للتكرار، وفي هذا استيحاء: وهو أنَّ زكريا (ع) لم يدرِ حقيقة تعهدها، وإن وجد عندها رزقاً، بل كان في كل يوم وفي كل وقت يتفقد حالها؛ لأنَّ كرامات الأولياء ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعاً، فيجوز أن يظهر الله ذلك عليهم دائماً، ويجوز أن لا يظهر، وما كان زكريا (ع) يعتمد على ذلك ويدع تفقد مريم.

نعم، أشار الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي إلى أنه يجوز أن يراد بالرزق الرزق الروحاني، من المعارف والحقائق والعلوم، والحكم الفائضة من عند الله؛ إذ الاختصاص بالعندية يدل على كونها من الأرزاق اللدنية (تفسير ابن عربي: ج 1 ص 126). ولكن هذا التفسير قد يصرف اللفظ عن ظاهره بدون دليل صارف، ولأنَّ سياق الآية يدل على أنَّ الرزق هنا هو الشيء المادي لا المعنوي.

ولكن يرد على هذا الاختصاص بالمادي لا المعنوي، أنَّ قوله تعالى >رِزْقًا<، أتى به مُنَكَّراً مُشِيراً إلى أنّه ليس من جنس واحد، بل من أجناس كثيرة.. فكان ذلك فيضاً من الله يأتيها من العلم والحكمة والتربية برعاية من الله سبحانه، وهي الصدِّيقة الطاهرة، {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} المائدة: 75؛ ولأنَّ الرزق الذي كان يجده عندها هو أمر مخالف للأسباب الطبيعية.

والآيات التي ذكر فيها نفخ الروح في القران في ثلاثة موارد:
1.   نفخ الروح في آدم. ويرد مفهوم (الروح) في نصوص الوحي المنزل متعلقاً بما أودعه الله تعالى في آدم (ع) نفخاً بعد التسوية. تأمل النصوص الآتية: يقول تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} الحجر: 29، ص: 7. وقوله سبحانه: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} السجدة: 8.
2.   نفخ الروح في رحم مريم؛ بمعنى أن مفهوم (الروح) في نصوص الوحي يرد متعلقاً بما نفخه الله تعالى في فرج مريم J، فتحقق وجود عيسى (ع). تأمل النصوص الآتية: يقول الله تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} الأنبياء: 91. وقوله سبحانه: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} التحريم: 12.
3.   نفخ الروح في الطَّير.

النفخ للروح في الموردين الأول والثاني، نُسِبَ للهِ كما في قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}، وقوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا...}. فالروح نُسبت في الآيتين لله (روحي) و (روحنا).

والنفخ الثالث لعيسى وهنا يأتي التساؤل: ما هي الإشارة لكي يعطي الله نفخ العبد أن يقوم بنفس مهمة نفخة الله في ادم ومريم؟

أم أنَّ نفخة عيسى تختلف في جوهرها عن نفخة الله.

أم أنَّ نفخة الايجاد لها من الجلالة ما لا تعطى لاحد بعكس نفخة الخلق (الطير)؟

إنّ الموقف المعرفي للقرآن تأخذك جلاله وعظمته إلى مشارب ذوقية عالية ورصينة، فتشحنها.

يقول مولانا جلال الدين الرومي: "جسمنا يشبه مريم العذراء: كل واحد منا يحمل عيسى بداخله. لكن مالم تظهر فينا آلام المخاض فإن عيسانا لا يولد".

فمريم هنا هي (النفس) التي، بصمتٍ، تتقبل قدرها، {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}، ويستعلن للظهور بنفخة الروح من الله سبحانه.. كذلك (العاشق) -نور على نور- هو مثل (مريم) التي حملت عيسها في بطنها، كذلك العارف الذي يعيش مصابرتها ويقينها يجعل منه حاملاً روحياً مثلها.. كما (الأم) تروي من تحت أقدامها الجنة.. ويخرج عيسى من مخاضها بكتابه فيرسم فيه ما تقر به عينها.. فكرامتها ممتدة في طهارتها حتى يلوح في الأفق طهارة (فاطمة)؛ لتستلم المعين منها وترويه للعالمين ..


  الإمام المهدي الغائب الشاهد المهدوية ودلالاتها الحضارية مقدّمة ليست قضية الإمام المهدي مسألةً هامشية في الوعي الإسلامي، ولا فكرةً أس...