الأربعاء، 11 فبراير 2026


 

من نور الإسلام إلى ظلمات الطاغوت

قصة الولاية كما يرويها الإمام الصادق D

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ D: إِنِّي أُخَالِطُ النَّاسَ، فَيَكْثُرُ عَجَبِي مِنْ أَقْوَامٍ لَا يَتَوَلَّوْنَكُمْ، وَيَتَوَلَّوْنَ فُلَاناً وفُلَاناً، لَهُمْ أَمَانَةٌ وصِدْقٌ ووفَاءٌ، وأَقْوَامٍ يَتَوَلَّوْنَكُمْ، لَيْسَ لَهُمْ تِلْكَ الْأَمَانَةُ ولَا الْوَفَاءُ والصِّدْقُ؟

قَالَ: فَاسْتَوى أَبُو عَبْدِ اللهِ D جَالِساً، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ كَالْغَضْبَانِ، ثُمَّ قَالَ: >لَا دِينَ لِمَنْ دَانَ اللهَ بِوَلَايَةِ إِمَامٍ جَائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللهِ، ولَا عَتْبَ عَلى مَنْ دَانَ بِوَلَايَةِ إِمَامٍ عَادِلٍ مِنَ اللهِ<.

قُلْتُ: لَا دِينَ لِأُولئِكَ، ولَا عَتْبَ عَلى هؤُلَاءِ؟!

قَالَ: >نَعَمْ، لَا دِينَ لِأُولئِكَ، ولَا عَتْبَ عَلى هؤُلَاءِ<.

ثُمَّ قَالَ: >أَلَا تَسْمَعُ لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ} يَعْنِي ظُلُمَاتِ الذُّنُوبِ إِلى نُورِ التَّوْبَةِ والْمَغْفِرَةِ؛ لِوَلَايَتِهِمْ كُلَّ إِمَامٍ عَادِلٍ مِنَ اللهِ، وقَالَ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ} إِنَّمَا عَنى بِهذَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلى نُورِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا أَنْ تَوَلَّوْا كُلَّ إِمَامٍ جَائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللهِ -عَزَّ وجَلَّ- خَرَجُوا بِوَلَايَتِهِمْ إِيَّاهُ مِنْ نُورِ الْإِسْلَامِ إِلى ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ، فَأَوْجَبَ اللهُ لَهُمُ النَّارَ مَعَ الْكُفَّارِ فـ{أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ}< (الكافي: ج 3 ص 261 ح 975؛ الغيبة للنعماني: ص 132 ح 14؛ تفسير العيّاشي: ج 1 ص 138 ح 460؛ الزهد: ص 79 ح 42؛ الوافي: ج 2 ص 120 ح 581).

1)  مدخل: لماذا تُعدّ رواية ابن أبي يعفور مفصلية؟

هذه الرواية ليست مجرد توصية أخلاقية أو تعبير وعظي، بل هي نصٌّ بنيويٌّ في >نظرية الدين< عند مدرسة أهل البيت؛ لأنّها تُعيد تعريف >محور الدين< من كونه مجرد أخلاق فردية أو ممارسات عبادية إلى كونه نظام هداية يقوم على:

1.  ولايةٍ شرعيةٍ عادلةٍ من الله (امتداد النبوة في الهداية والمرجعية)،

2.  ورفض ولاية الطاغوت (سلطةٍ دينية / سياسية تُنسب إلى الدين وليست من الله).

ومن هنا جاء الاستغراب الأولي عند ابن أبي يعفور:

لماذا أرى أمانةً وصدقاً ووفاءً عند غير الموالين، وأرى خللاً خُلُقياً عند بعض الموالين؟

وهذا إشكالٌ واقعيٌّ متكرر في كلِّ العصور: التفاوت بين >حسن الخلق< و>صحة الاتجاه العقدي / الولائي<.

* إضافة تعميقية:

لا تكتسب رواية ابن أبي يعفور مفصليّتها من مضمونها فقط، بل من موقعها الحديثي والدرائي داخل منظومة الاحتجاج الإمامي.

فقد وردت هذه الرواية في عدد من المصادر المعتمدة المبكرة، كـ>الكافي للكليني، وتفسير العياشي، والغيبة للنعماني، وكتاب الزهد، وغيرها)، وهو ما يكشف عن تداولٍ مبكّرٍ لمضمونها داخل المدرسة الحديثية، ويمنحها قوةً تداوليةً تتجاوز كونها خبرًا فرديًا معزولًا.

وليس المقصود إثبات الصحيح الاصطلاحي، بل الاطمئنان المعنوي لمضمونٍ مركزيٍّ يتكرر في نصوص الإمام الصادق D بصيغ متعدّدة، وهو ثنائية: ولاية الله والإمام العادل في مقابل ولاية الطاغوت والإمام الجائر.

ويزداد وزن الرواية حين يُلحظ أنَّ ناقلها عبد الله بن أبي يعفور ليس راوياً عادياً، بل من الخاصة الممتحَنين في مدرسة الإمام الصادق D، وقد وردت في حقه نصوص تؤكد عمق التزامه العقدي، ما يجعل السؤال الصادر عنه تعبيرًا عن إشكال اجتماعي واقعي لا عن حيرة ذهنية مجرّدة.

وعليه، فإنَّ الرواية تؤدي وظيفة معيارية تأسيسية، لا مجرد نقلٍ إخباري، إذ تعيد ضبط مفهوم الدين وحدود انتمائه.

2)  الإطار التاريخي للرواية: ولادة المفهوم في سياق الصراع على “القيادة

2.1  من الخلافة إلى الإمامة: اختلاف ماهية القيادة:

القيادة بعد رسول الله D في الوعي الشيعي ليست مجرد >حُكمٍ سياسي<، بل هدايةٌ وتشريعٌ وحفظٌ للدين؛ فإذا انفصلت القيادة عن مصدرها الإلهي صارت مُنتِجةً للانحراف حتى لو بدا عليها صلاحٌ إداري أو أخلاقي.

ومن هنا نفهم لماذا تُكثر نصوص الصادق D من لفظ >إمام< لا >حاكم< فقط؛ لأنّ الإشكال عنده ليس إشكال سلطة، بل إشكال مرجعية دينية تُتَّبع وتُطاع.

2.2 مدرسة الإمام الصادق: زمن تشكّل هوية الجماعة:

شهد عصر الإمام الصادق D:

·      تداخل السلطات (أموية / عباسية)،

·      انتشار الفرق،

·      تسييس الدين،

·      ومحاولات إعادة تعريف الإسلام على مقاس الدولة.

فالرواية تُقرأ أيضاً بوصفها تحصيناً لهوية المؤمن: من الذي يُؤخذ منه الدين؟ ومن الذي تُعطى له شرعية القيادة الروحية؟

3)  البعد العقائدي: الولاية محور الدين لا زينة جانبية:

3.1  معنى >لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر<:

هذه الجملة هي قلب النص، لكنها تحتاج إلى تفكيك علمي حتى لا تُفهم على وجهٍ متعجّل:

·      الدين هنا ليس >الإقرار بوجود الله< فقط، بل الدين بمعنى: الطريق المقبول للهداية، والانتماء إلى منظومة الحق التي تُسلِّم القيادة الإلهية لمن نصبه الله.

·      ولفظة >دان الله بولاية< دقيقة جداً: ليست مجرد >عاش تحت حكمهم<، بل تديَّن بذلك: أي جعل الولاء والطاعة لهم جزءاً من دينه، واعتبرهم >مرجعاً شرعياً< يُطاع ويُتَّبع.

إذن الحديث يواجه ظاهرة: تحويل القيادة الجائرة إلى دين.

3.2  معنى >ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله<:

هذه العبارة لا تعني >إلغاء المحاسبة الأخلاقية والعملية<؛ بل تعني:

·      لا عتب عليه من جهة أصل اختيار الإمام الحق؛ لأنه اختار باب الهداية الذي يُخرجه من الظلمات إلى النور.

·      أما الذنوب والمعاصي والتقصير العملي: فالنص نفسه (كما علّقتَ في المضمون الثاني) لا يحتمل جعل الولاية >صكّ براءة مطلق<، لأنّ ذلك يصادم ما تواتر عنهم: <لا تُنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد<، ومعنى ذلك أن الولاية الحقّة تقتضي التزاماً عملياً، وليست مجرد شعار.

الخلاصة:

>لا عتب< = لا لوم على الانتماء للحق، لا إسقاط لتكاليف الشريعة.

* قراءة أصولية لعبارة >لا دين لمن دان الله ...<.

إنّ عبارة: >لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله< لا يمكن فهمها فهمًا دقيقًا إلا ضمن ميزانٍ أصوليٍّ يفرّق بين مستويات الحكم والتنزيل.

فالنفي هنا لا يتجه إلى أصل الإقرار بالله، ولا إلى الإسلام الظاهري القائم على الشهادة والانتماء العام، بل إلى الدين بوصفه مسار هداية مقبولًا عند الله. وبعبارة أصولية: المنفي هو الدين بما هو طريق موصل، لا الدين بما هو عنوان اسمي.

ومن هنا يبرز سؤال أصوليٌّ دقيق: هل الولاية هنا موضوعٌ للدين، أم شرطٌ في قبوله، أم مانعٌ من ترتّب آثاره عند فقدانها بعد قيام الحجة؟

والجمع بين هذه الرواية وسائر نصوص الباب يقود إلى أنَّ موالاة الإمام الجائر بعد قيام البيان تُحدث انقلابًا في اتجاه الهداية، لا مجرد نقصٍ في كمال الدين؛ لأن الخلل هنا ليس سلوكيًا جزئيًا، بل مرجعيٌّ بنيويّ.

كما أنَّ دقة التعبير بـ>دان الله بولاية<، تمنع الخلط بين من تديَّن بولايتهم وجعلهم مرجعية شرعية، وبين من اضطر للعيش في ظل سلطة جائرة دون إضفاء مشروعية دينية عليها، وهو قيدٌ أساسي في ضبط التنزيل وعدم التوسّع غير المنضبط في الحكم.

( 4 البعد القرآني: آية الولاية (البقرة 257) بوصفها خريطة انتقال وجودي:

استشهد الإمام D بآيتين:

·      {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}،

·      {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}.

4.1  ما معنى >الظلمات< و>النور< هنا؟

النص يشرح:

·      الظلمات: ظلمات الذنوب وما يلحقها من تيه وحرمان توفيق

·      النور: نور التوبة والمغفرة والهداية

ثم يضيف معنىً آخر بالغ الأهمية:

الانتقال ليس مجرد أخلاقيات فردية، بل انتقال في >الانتماء الوجودي<:

·      من ولاية الله (والإمام العادل من الله)

·      إلى ولاية الطاغوت (والإمام الجائر ليس من الله)

4.2 >كانوا على نور الإسلام ثم خرجوا منه<:

هذه الفقرة حساسة لأنها توحي بـ>الخروج من الإسلام / الإيمان< بمجرد موالاة إمام جائر.

والتفسير العلمي الأقرب -مع حفظ النص- هو التمييز بين مستويات:

1.  نور الإسلام الظاهري: شهادة / انتماء / شعائر

2.  نور الإيمان بمعناه القرآني العميق: تسليم لله في مرجعية الهداية والطاعة

3.  نور الولاية بوصفها اكتمال مسار الإيمان داخل مدرسة أهل البيت

فالنص يتكلم عن >خروج< بمعنى: انقلاب في اتجاه الهداية ودخول في ظلمات الطاغوت، وقد يُعبّر عنه بالكفر في نصوص أهل البيت بمعنى:

·      كفر النعمة،

·      كفر الجحود بالحق بعد قيام الحجة،

·      أو الكفر بمعنى الخروج عن خط الهداية الإلهية.

وهنا يبرز قيدٌ مهم ذكرته أنت في آخر النص: تقصيراً لا قصوراً؛ أي بعد قيام البيان والقدرة على المعرفة.

5)  البعد الفكري والفلسفي: العلاقة بين الحق والخلق (الأخلاق والاعتقاد):

5.1  هل الأخلاق كافية لصحة الدين؟

السؤال الذي أثاره ابن أبي يعفور هو سؤال فلسفة الدين:

هل الأخلاق وحدها تضمن >النجاة< و>صحة الطريق<؟

الرواية تجيب بمنطقٍ بنيوي:

·      الأخلاق قيمةٌ في ذاتها (بحسب الحسن والقبح العقليين كما ألمحتَ)،

·      لكنها ليست بديلاً عن محور الهداية.

في اللغة الفلسفية يمكن صياغة ذلك هكذا:

1.  الأخلاق تمثل قيمة >تحسينية< (كمالات)،

2.  والولاية تمثل قيمة >تأسيسية< (شرط انتساب المسار إلى الحق).

فقد يكون إنسانٌ أميناً صادقاً لكنه يتبع مرجعيةً تُعيد تعريف الحق خارج مصدره الإلهي، فيكون حسن خلقه -من حيث الثواب والتقويم الإنساني- شيئاً، لكن لا يمنح الشرعية للمنظومة التي يتبعها.

5.2  كيف نفهم المفارقة: >هؤلاء أخلاقهم حسنة< و>أولئك موالون لكن أخلاقهم سيئة<؟

النص يعطي حلَّين عميقين:

·      حلٌّ تفسيري: أخلاق غير الموالين ليست وليدة ولاية الطغاة، بل هي من آثار:

o      أصل الإسلام العام،

o      التربية،

o      الفطرة،

o      تقاليد اجتماعية إيجابية.

·      حلٌّ معرفي / واقعي: الأخلاق >المعروضة للناس< قد تكون قشرةً اجتماعية، أما الامتحان فيُظهر الحقيقة:

>الواقع الفعلي يتجلّى عند وقوع الابتلاء<.

وهذه قاعدة قرآنية: التمحيص والابتلاء لتمييز الصادق من الكاذب.

* الأخلاق بين القيمة التأسيسية والكمالية:

(تعميق فلسفي داخل السياق):

يثير سؤال ابن أبي يعفور في عمقه إشكاليةً مركزية في فلسفة الدين: هل تكفي الأخلاق الفردية لصحة المسار الديني، حتى لو فَسدت المرجعية؟

تجيب الرواية بمنطقٍ بنيويٍّ واضح: الأخلاق قيمة في ذاتها، لكنها قيمة كمالية لا تأسيسية؛ فهي تحسّن المسار لكنها لا تُنشئه.

وباللغة الفلسفية، تمثل الولاية العنصر المؤسِّس للانتماء إلى خط الهداية، بينما تمثل الأخلاق ثمرة هذا الانتماء. ومن هنا لا يُصحّح حسن الخلق خطأ المصدر، كما لا يعالج صلاح الفرد فساد المنظومة التي تُنتج الدين.

وهذا النقد يلتقي -من داخل النص الديني نفسه- مع نقد الفلسفات الحديثة التي تفصل الأخلاق عن المرجعية المتعالية، وتُنتج ما يمكن تسميته بـ>الدين الأخلاقي بلا هداية<.

6)  البعد الديني التربوي: الولاية ليست شعاراً بل التزامٌ يثمر سلوكاً

النص -وإن شدّد على محورية الولاية- لا يلغي مركزية العمل؛ بل يضع العمل في موقعه الصحيح:

·      الولاية باب الهداية

·      والعمل ثمرة الدخول من الباب

ولهذا قلتَ بدقة: الموالِي أولى بالأخلاق الحسنة، لأن التسليم للحق ينبغي أن يثمر:

·      ورعاً،

·      صدقاً،

·      أمانةً،

·      وفاءً.

وبهذا يصبح نقد >سوء سلوك بعض المنتسبين< نقداً داخلياً مشروعاً؛ بل إن الرواية تمنحك معياراً لتقول:

إنَّ الانتماء لأهل البيت لا يصح أن يتحول إلى حماية رمزية، تغطي الانحراف الأخلاقي؛ لأنَّ هذا يهدم معنى الإخراج إلى النور.

7)  البعد الاجتماعي: الولاية كآلية لصناعة الجماعة والهوية والمسؤولية

7.1  لماذا تُحدث الولاية فرزاً اجتماعياً؟

لأنها ليست مجرد محبة عاطفية، بل:

·      معيار ولاء،

·      مصدر ثقة معرفية،

·      وحدة مرجعية،

·      وتحديد لمركز القرار الشرعي.

وهذا يفسر لماذا تتقاطع الرواية مع مفهوم >الطاغوت< اجتماعياً: فالطاغوت ليس فرداً فقط؛ إنه منظومة سلطة تُنتج معنى الدين، ومن يدخل تحتها دينياً ينتقل من >نور< الهداية إلى >ظلمات< التزييف.

7.2  التعايش: هل تعني الرواية إلغاء قيمة الصالحين من غير الموالين؟

النص لا ينكر وجود أمانة وصدق ووفاء عند غير الموالين، بل يثبتها ويعدّها >قضية حقيقية<، لكنه يقرر أنَّ:

·      هذه القيم لا تمنح أفضلية عقدية على الحق،

·      ولا تبرر اتّباع غير من نصبه الله للهداية.

اجتماعياً هذا يوازن بين:

·      الاعتراف بفضائل الآخرين إنسانياً،

·      وبين حفظ معيار المرجعية الدينية.

8)  إشكالات كبرى وكيف يجيب عنها النص من داخله

الإشكال (أ):

هل الحديث يساوي بين >ولاية الحق< و>العمل< بحيث يغفر للسيئين؟

النص نفسه يرفض هذا الفهم، ويؤكد أن >لا عتب< ليس مطلقاً في الأعمال، كما دعّمته أنت بقاعدة الورع والاجتهاد.

الإشكال (ب):

هل يعني ذلك تكفيراً عاماً لكل غير موالٍ؟

هنا تظهر أهمية قيدك: >تقصيراً لا قصوراً<..

فمن كان قاصراً (لم تبلغه الحجة، أو بلغته مشوهة، أو عاش في ظروف مانعة من البيان) لا يُنزّل عليه حكم المقصّر المتعمد.

وبهذا يجتمع:

·      >صرامة المعيار< في أصل الحق،

·      مع >عدالة التنزيل< في الأفراد بحسب قيام الحجة.

الإشكال (ج):

كيف نفهم روايات >أعذب رعية دانت بإمام ليس من الله وإن كانت برّة<؟

هذه الروايات تعيد التأكيد على المركز البنيوي للقيادة:

فالعمل الفردي الصالح داخل منظومة دينية منحرفة قد لا يعالج خلل >مصدر الهداية<؛ لأنَّ الانحراف هنا ليس خطأ سلوكياً بل خطأ مرجعيّاً.

لكن يبقى التفصيل الفردي في الحساب الإلهي قائماً (بحسب الحجة والقدرة والنية)، وهذا لا يناقض مضمون الرواية بل يكمله.

9)  قراءة نهجية لعبارة أمير المؤمنين: >السيئة فيه خير من الحسنة في غيره...<:

العبارة (مع ما فيها من عمق) تُفهم على مستويين:

1.  مستوى هويةٍ تاريخية:

في زمن الاضطهاد والفتن، قد تُغتفر زلات المستضعفين الموالين لأنهم يدفعون أثماناً باهظة على طريق الحق، بينما قد تُرفض >حسنة< من تُبنى على انتماءٍ مُعادٍ للحق أو مُكرّس للطاغوت.

2.  مستوى منطقي / منهجي:

لا يجوز تحويل >قضية خارجية< إلى >قانون مطلق< بلا قيودها؛ وإلا كان ذلك من القياس المذموم.

10 ) خاتمة: الولاية بوصفها هندسة الدين لا ملحقاً للعاطفة:

تكشف رواية ابن أبي يعفور أنَّ مدرسة أهل البيت لا تفهم الدين كحزمة طقوسٍ وأخلاقٍ منفصلة، بل كـهندسة هداية:

تبدأ من >الولي< الذي يربط الإنسان بالله، وتنتقل إلى >النور< الذي يصنع البصيرة، ثم تُثمر >التوبة والمغفرة< وتتحول في الواقع إلى >سلوك وأمانة وصدق ووفاء<.

ولذا كان خطر >الطاغوت< ليس في كونه ظالماً فحسب، بل في كونه يُنتج ديناً بديلاً: يلبس لبوس الإسلام ويعيد تشكيل المرجعية والاتباع، فينقل الناس من نورٍ كانوا عليه إلى ظلماتٍ تتوالد: ظلمة التزييف، وظلمة التبرير، وظلمة الانخداع بالمظاهر، حتى يصبح الصالح الفردي في سياقٍ منحرف عاجزاً عن تصحيح أصل المسار.

وفي المقابل، لا تسمح الرواية بأن تتحول الولاية إلى >إعفاءٍ أخلاقي<، بل تجعلها تكليفاً أعلى: من أحبهم حقاً لزمه أن يكون صورةً لصدقهم، وأمانتهم، وعدلهم؛ لأنَّ الولاية عندهم ليست مجرد رابطة ولاء، بل رابطة تربية وصناعة إنسان: يخرج من ظلمات نفسه إلى نور الله، ومن فوضى الرأي إلى هداية الإمام العادل من الله.

وإذا أضفنا ما تقدّم إلى مرويّة مسعدة بن صدقة عن الإمام أبي عبد الله الصادق C أنّه قال: >إنَّ الله قال في كتابه: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}، فالنور هم آل محمّد -عليهم السلام- والظلمات عدوّهم< (تفسير العياشي: ج 1 ص 139 ح 461).

يتبيَّن لنا أنَّ من تولَّاهم G والتزم بطاعتهم يكون مشمولًا بالإخراج من الظلمات إلى النور، ومن تولَّى أعداءهم، أو اقتدى بغيرهم تقصيراً لا قصوراً فقد خرج من ربقة الإيمان إلى الكفر، أو قل بحسب التعبير القرآني: أُخرج من النور إلى الظلمات، فضمانة بقاء الإيمان هو تولِّيهم والنزول عند حكمهم، أمّا علّة الخروج من النور إلى الظلمات فتكمن في الإعراض عنهم.

وعن مهزم الأسدي، قال: سمعت أبا عبد الله D يقول: >قال الله تبارك وتعالى: لأعُذّبنَّ كلَّ رعيّة دانت بإمام ليس من الله، وإن كانت الرعيّة في أعمالها برّة تقيّة، ولأغفرنَّ عن كلّ رعيّة دانت بكلّ إمام من الله، وإن كانت الرعيّة في أعمالها سيّئة<، قلت: فيعفو عن هؤلاء، ويعذّب هؤلاء! قال: >نعم، إنَّ الله يقول: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}< (تفسير العياشي: ج 1 ص 139 ح 462؛ وأنظر: كفاية الأثر: ص 157).

وعن ابن عبّاس في قوله تعالى: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، قال: هم قوم كانوا كفروا بعيسى وآمنوا بمحمد 2. وفي قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}: هم قوم آمنوا بعيسى فلما بُعث محمّد كفروا به. (المعجم الكبير: ج 11 ص 68؛ مجمع الزوائد: ج 6 ص 323).

 

خاتمة: الولاية بوصفها هندسة الدين لا ملحقًا للأخلاق:

تكشف رواية عبد الله بن أبي يعفور عن بنيةٍ عميقة في التصور الإمامي للدين، لا تُختزل في أحكام جزئية، ولا في توصيات أخلاقية، بل تُعيد رسم هندسة الدين من جذوره؛ إذ تنقل مركز الثقل من ظاهر السلوك إلى مرجعية الهداية، ومن تقويم الأفراد إلى تقويم الاتجاه.

فالدين -كما ترسمه الرواية- ليس مجموعة فضائل معزولة عن مصدرها، ولا منظومة أخلاقية مكتفية بذاتها، بل مسار هداية متكامل يبدأ من الله، ويمرّ عبر الإمام العادل المنصوب منه، ويتجسّد في إخراج الإنسان من ظلمات التزييف والضياع إلى نور البصيرة والتوبة والاستقامة.

ومن هنا كان الخطر الحقيقي في >الطاغوت< لا بوصفه ظالمًا فحسب، بل بوصفه منتِجًا لمرجعية دينية بديلة، تعيد تعريف الطاعة والاتباع باسم الدين، وتنقل الناس من نورٍ كانوا عليه إلى ظلماتٍ متراكبة، تبدأ بالانخداع بالمظاهر، ولا تنتهي عند تبرير الانحراف.

ومن هذا المنطلق، لا تأتي مقولة الإمام الصادق D: >لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر< نفيًا للإسلام الظاهري أو إلغاءً للبعد الإنساني والأخلاقي، بل تقريرًا لحقيقةٍ بنيوية: أنَّ فساد المرجعية يُفسد المسار، مهما تجمّلت بعض مظاهره. فحسن الخلق، وإن كان قيمةً عقلية وإنسانية معتبرة، لا يملك -في منطق الهداية- القدرة على تصحيح خطأ المصدر، كما لا يملك صلاح الفرد أن يضفي الشرعية على منظومةٍ تُدار خارج الإرادة الإلهية.

وفي المقابل، لا تسمح الرواية بتحويل الولاية إلى حماية رمزية أو إعفاء أخلاقي؛ إذ تجعلها تكليفًا أعلى لا امتيازًا مريحًا.

فالانتماء إلى الإمام العادل من الله لا يُسقط المحاسبة، بل يضاعفها، لأن الدخول في نور الولاية يقتضي سلوكًا ينسجم مع مقتضيات هذا النور: ورعًا، وصدقًا، وأمانة، ووفاءً.

ومن هنا يصبح فساد بعض المنتسبين إلى الحق شاهدًا على خلل في صدق الانتساب، لا دليلًا على خلل في الحق نفسه.

كما تُبرز الرواية -في ضوء الآية القرآنية- أنَّ الانتقال بين النور والظلمات ليس انتقالًا شكليًا، بل تحوّلًا وجوديًا ومعرفيًا، يتصل بمركز القرار الديني ومنبع الطاعة.

ولذلك كان التفريق بين التقصير والقصور شرطًا في عدالة التنزيل، بحيث يبقى الميزان الإلهي قائمًا على قيام الحجة، والقدرة على المعرفة، وصدق النية، دون أن يُفرَّط في صرامة المعيار أو في رحابة العدل.

وعليه، يمكن القول إنَّ رواية ابن أبي يعفور لا تهدف إلى إقصاء الآخرين ولا إلى تبسيط النجاة في ثنائية ساذجة، بل تسعى إلى تأسيس وعيٍ دينيٍّ ناضج، يميّز بين قيمة الأخلاق ومصدر الشرعية، وبين صلاح الأفراد وصحة الاتجاه، وبين التعايش الإنساني وحفظ مرجعية الهداية. إنها رواية تُربّي المؤمن على أن يكون ناقدًا للانحراف من خارج الحق، وناقدًا للانحراف من داخل الانتساب إليه، في آنٍ واحد.

وبهذا المعنى، تغدو >الولاية< في مدرسة أهل البيت ليست شعارًا عاطفيًا ولا هويةً اجتماعية فحسب، بل منهج تربية وصناعة إنسان؛ إنسانٍ يخرج من فوضى الرأي إلى وحدة المرجعية، ومن ظلمات التبرير إلى نور المسؤولية، ومن التدين الشكلي إلى التسليم الواعي لله عبر الإمام العادل من الله.

وهنا يتجلّى المعنى الأعمق للدين: لا كملف أخلاقي مستقل، بل كهندسة هداية تُبنى من القمة إلى القاعدة، وتُثمر -إذا صدق الانتماء- أخلاقًا أصدق، وعدلًا أعمق، وإنسانًا أقرب إلى الله.

11)  خلاصة تركيبية: ماذا تريد الرواية أن تبني في وعي المؤمن؟

يمكن تلخيص الرسالة في خمس قواعد:

1.  الولاية هي البوصلة: لا يُقاس الدين بظاهر أخلاقٍ فقط، بل باتجاه الهداية ومصدر المرجعية.

2.  الأخلاق قيمة لكنها ليست مركز الشرعية: قد توجد خارج خط الولاية، لكنها لا تُصحّح خطاً باطلاً.

3.  الانتماء الحق يوجب مسؤولية مضاعفة: لأن ولاية أهل البيت تقتضي ورعاً واجتهاداً لا مجرد شعار.

4.  التمييز بين >الحق< و>أفراد المنتسبين<: فساد بعض المنتسبين لا يقدح في الحق، بل يقدح في صدق انتسابهم.

5.  التنزيل على الأفراد محكوم بقيام الحجة: فالتقصير غير القصور، والعدل الإلهي لا يظلم أحداً.

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  من نور الإسلام إلى ظلمات الطاغوت قصة الولاية كما يرويها الإمام الصادق D عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْ...