الأربعاء، 25 أبريل 2018

** في استقبال ليلة النصف من شعبان **

نعيش بعد أيام مناسبتين مهمتين:

المناسبة الأولى: ليلة النصف من شعبان:

وهي من الليالي المباركة، وهي جزء من شهر مبارك "تشعب فيه الخيرات"، ولذلك كان رسول الله (ص) إذا أقبل شهر شعبان يقول لأصحابه: "قولوا الحمد لله رب العالمين على ما فضلكم به من شهر شعبان".

ولم يكن النبي (ص) "يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان، يصل به رمضان".
وروى البخاري ومسلم عن السيدة عائشة قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ (ص) يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، يَصُومُ شَعْبَانَ إلا قَلِيلاً " .

وكما كان لشهر رمضان ليلة القدر، كان لشهر شعبان ليلة النصف من شعبان، وهي الليلة التي يتجلى الله فيها على خلقه بعموم مغفرته وشمول رحمته فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويجيب دعاء السائلين ويفرج عن المكروبين.. و"هي أفضل الليالي بعد ليلة القدر".


١ - عن معاذ بن جبل، عن النبي (ص) قال: "يَطَّلِعُ اللهُ إلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ". صحيح ابن حبان: ج 12 ص 481 ح 5665، وسنن ابن ماجة: ج 1 ص 445 ح 1390، ومسند أحمد: ج 2 ص 176 ح 6642، وموارد الظمآن: ج 1 ص 486 ح 198، ومسند إسحاق بن راهويه: ج 3 ص 981 ح 1702، ومصنف عبد الرزاق: ج 4 ص 316 ح 7923).

والمشاحن هو الذي بينه وبين أخيه عداوة، أو هو الذي يبعث الشقاق ويوقد نار العداوة بين المتحابين. قال ابن الأثير في النهاية: "المشاحن المعادي، والشحناء العداو". (النهاية في غريب الحديث والأثر: ج 2 ص 449).

٢ - عن عروة، عن عائشة قالت: فَقَدْتُ النَّبِيَّ 2فَخَرَجْتُ فَإِذَا هُوَ بِالبَقِيعِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : "أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟"، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ ظَنَنْت أَنَّك أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: "إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ" سنن الترمذي: ج 3 ص 116 ح 739، وسنن ابن ماجة: ج 1 ص 444 ح 1389، ومسند أحمد: ج 6 ص 238 ح 26060، ومجمع الزوائد: ج 8 ص 65 (بأسانيد متعددة)، ومصباح الزجاجة: ج 2 ص 10 ح 492، ومسند ابن راهويه: ج 2 ص 236 - 237 ح 850، ومصنف عبد الرزاق: ج 6 ص 108 ح 29858).

٣ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): "يَتَنَزَّلُ اللهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ الليْلِ الآخِرِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ"(صحيح البخاري:، وأنظر السنة، لابن عاصم: رقك 492 - 508).

٤ - عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله (ص)"إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرُ لَهُ، أَلا مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقُهُ، أَلا مُبْتَلًى فَأُعَافِيهِ، أَلا كَذَا... أَلا كَذَا... حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ"(سنن ابن ماجة: ج 1 ص 444 ح 1388، ومصباح الزجاجة: ج 2 ص 10 ح 491).

وبالجملة فإنّه "قد ورد في فضيلة ليلة النصف من شعبان عدة أحاديث مجموعها يدل على أنّ لها أصلاً" (تحفة الأحوذي: ج 3 ص 365).


١ - عن زرارة قال: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ (ع): مَا تَقُولُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: ”يَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا مِنْ خَلْقِهِ لأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ مِعْزَى كَلْبٍ، وَيُنْزِلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَلائِكَتَهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِلَى الأَرْضِ بِمَكَّةَ”(من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 58 ح 253).

٢ - عن جعفر بن محمد الصادق (ص)قال: سُئِلَ البَاقِرُ (ع) عَنْ فَضْلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؟ فَقَالَ: هِيَ أَفْضَلُ لَيْلَةٍ بَعْدَ لَيْلَةِ القَدْرِ، فِيهَا يَمْنَحُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ فَضْلَهُ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ بِمَنِّهِ، فَاجْتَهِدُوا فِي القُرْبَةِ إِلَى اللهِ فِيهَا، فَإِنَّهَا لَيْلَةٌ آلَى اللهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لا يَرُدَّ سَائِلاً لَهُ فِيهَا مَا لَمْ يَسْال مَعْصِيَةً، وَإِنَّهَا الليْلَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ لَنَا أَهْلَ البَيْتِ بِإِزَاءِ مَا جَعَلَ لَيْلَةَ القَدْرِ لِنَبِيِّنَا (ص)، فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ، فَإِنَّهُ مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِيهَا مِائَةَ مَرَّةٍ، وَحَمِدَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَكَبَّرَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ، غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ مَعَاصِيهِ، وَقَضَى لَهُ حَوَائِجَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَا التَمَسَهُ مِنْهُ، وَمَا عَلِمَ حَاجَتَهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَمِسْهُ مِنْهُ كَرَماً مِنْهُ تَعَالَى وَتَفَضُّلاً عَلَى عِبَادِهِ” (أمالي الطوسي: ج 1 ص 302، ومصباح المتهجد: ص 762).

إذن إنها من ليالي العبادة والتهجد، ويُستحب فيها التفرّغ لعبادة الله تعالى، وإن كانت مسألة العبادة لا تنحصر في مناسبة معيّنة، بل إنّ الله تعالى أرادنا أن ندعوه في كل وقت، في الصباح والمساء، في حال الجلوس والحركة، في السرّ والعلن؛ لأنّ الله سبحانه يريد من الإنسان المؤمن أن يكون بكله معه، عندما يتألم ويفرح ويُبتلى بمشكلة أو يواجه مصيبة.

المناسبة الثانية: ولادة الإمام المهدي (ع):


من عظيم بركات هذه الليلة أنّها مولد صاحب العصر والزمان، إمامنا المهدي (ع). وقد ولد فيها عند السحر سنة 255هـ في سر من رأى.
وجاء في قصيدة جالية الكدر لجعفر بن الحسن البرزنجي الشافعي، يصدح بها أهل الحجاز في مناسباتهم، ذكر مولانا المهدي:

وكذا بفاطمةَ التي فَضُلَتْ على
كل النّسَاءِ وقلّدَتْ عِقدَ الفَخر
أيضاً وبالحَسَنين سِبطي سيِّد الـ
ـكونين من بكسائِهِ لهُما ستر
وبعمه العبـاسِ ثمَّ بنجلِهِ الـ
ـحَبر عبد الله نِـبراس الفِكر
وكذا بكل الآل والأصحاب والـ
أزواجِ والعمّاتربَّـاتِالخَفر
وعليٌّ السَّجَّادِ مِصباحِا لدُّجَى
وبباقـرٍ مَن للمعـالمِ قــدْ بقر
وبصَـادقٍ وبكاظمٍ ثمَّ الرِّضَــا
مَن للمَساجد والمدارس قد عَمر
والأمْجَدَين نقِيهُم وتقِيهُم
وبعسكري أئِمَّـة اثني عشـر
وبختْمِهم نجْـلَ الرَّسُول مُحَمد
مَهدِينَا الآتِـي الإمَـام المُنتظَر
ونحن نؤمن بالإمام المهدي (ع)؛ لأنّ رسول الله (ص) -مما رواه السنّة والشيعة معاً- تحدث عن أنه”لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي،[وعند السنة: “واسم أبيه اسم أبي”]يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً”(المنار المنيف: ج 1 ص 143 وما بعدها).

بل إنّ روايات النبي (ص) في خروج الإمام المهدي (ص) متواترة، وقد عدّ بعض العلماء من المؤلفين الروايات التي وردت في ذلك، فوصل العدد إلى ستة آلاف رواية.

ولكن هناك اختلافاً في أنّ الإمام المهدي وُلد أم لم يولد، الغالب من أهل السنة يقولون إنه لم يولد، وبعضهم قال إنه ولد وهو محمد بن الحسن العسكري، ولكن الشيعة متفقون على أنه وُلد وأنّ الله تعالى حفظه وحماه عندما هجم جنود بني العباس على بيت الإمام العسكري (ع) بعد وفاته حتى يروا من هو ولده، فيقضوا عليه وتنقطع الإمامة.

أما مسألة الغيبة فقد استُفيدت من أكثر من حديث من أحاديث الأئمة من أهل البيت (ع)، واستُفيدت من بعض أحاديث النبي (ص)، وهو أمر تسالم أتباع أهل البيت (ع) عليه، فلا يناقش فيه أحد.

وغيبته (ع) -كما يقول المرجع السيد محمد حسين فضل الله:- “عندما نجد في المسألة بعض الغيب مما قد لا يدرك الإنسان تفاصيله في مسألة حكمة الله في ذلك، فإنَّنا نؤمن به، ونحاول أن نلاحق الاحتمالات التي توصلنا إلى النتائج الحاسمة إن أمكننا ذلك. وعلى هذا، فما ثبت صدوره من رسول الله (ص)، سواء كان في دائرة الغيب أو كان في دائرة الحضور والحسّ، لا بدَّ أن نؤمن به على أنَّه حقيقةٌ إيمانية، لأنَّ رسول الله (ص){وَمَا يَنطِقُ عن الهوى* إنْ هُوَ إلاَّ وحيٌ يُوحَى}(النجم: 3-4)، فما يبلّغه (ص)ويثبت عنه بطريقة قطعية فهو الحقيقة، فإذا كانت غيباً فإننا نؤمن بهذا الغيب، وإذا كانت حضوراً فإننا نواجه هذا الحضور..

وعلى أيّ حال، فإنَّ قضيّة الإمام المهدي (عج) غيبٌ من غيب الله على أساس عقيدة الإمامية في المسألة؛ لأنَّ مسألة أن يظهر شخصٌ ينشر العدل ليكون عالمياً هي مسألة غيب وليست مسألة عادية، فالله هو القادر على كلِّ شيء، وهو الذي يختصُّ برحمته مَن يشاء، ولذلك تبقى التفسيرات لغيبته عاجزةً عن إدراك الواقع الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

فقد ولد الإمام المهدي (ع) كما يولد كل الناس، وغاب بإرادة الله تعالى وعلمه، والغيب يرتكز على العقل (فالعقل لا يرفضه)، ويرتكز على النقل” (موسوعة الفكر الإسلامي للعلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله: ج 4 ص 399).

إذن لا بدّ لنا أن نُرجع الأمر في ذلك إلى الله تعالى، وأنّ علينا أن ننتظره لنعدّ أنفسنا لنكون من جنده والسائرين على خطه والمستشهدين بين يديه؛ لأنّ الإمام (ع) -على حسب ما وردت الأحاديث- يخرج من أجل أن يخوض معركة العدل العالمي ويحارب كل الظالمين من أجل أن يغيّر الواقع العالمي من الظلم إلى العدل، سواء الظلم العام أو الخاص.

ما هو المطلوب زمن الغيبة؟

إنّ مسألة الإمام المهدي (ع) تختلف عن كل مسائل الأنبياء والأئمة والمصلحين، فقد أعدّه الله تعالى من أجل أن يهيئ العالم للعدل الكلّي، وهيَّأه للحالة التي يختم الله بها مسيرة البشرية، ويحقِّق هدف كل الأنبياء والرسالات، ولذلك لم يجعله الله سبحانه وتعالى إماماً في التفاصيل، كما هم الأنبياء (ع) في الرسالة وتفاصيلها في تعليم الكتاب والحكمة والتزكية التربويّة للناس، فقد كان الأئمة يتابعون التفاصيل، حيث جاءوا بالرسالة وعلَّموها، وكذلك الأئمَّة (ع) من آبائه، فقد أكملوا التفاصيل باعتبارهم خلفاء النبي (ص) وأوصياءه حسب عقيدتنا..

فدور المهدي (ع) يختلف عن دور كل الأئمة (ع)،.. وللأسف يوجد بوادر لتسطيح فكرة المهدي (ع) وتضييق أفقها العالمي إلى مستوى مذهبي. فتطرح في الساحة الكثير من الأسئلة الساذجة وعلى مسامع الناس البسطاء، ونسمع بعض الفضائيات أنه هل هو متزوّج؟ وهل عنده أولاد؟ وأين يسكن؟ وهل يرى؟ علامات ظهوره ... الخ

كل هذا حشو لا ينفع من علمه، ولا يضرُّ من جهله، ولسنا مكلَّفين بالإحاطة بهذه الأمور... نحن مكلَّفون بأن نعتقد به، لأنّ الصادق المصدّق أخبرنا بذلك، وما عدا ذلك، نحن ننتظره بأن نعمل بتكاليفنا من أجل الإسلام..

فإذا كنا نفكّر بأن نكون من جنده والسائرين معه، فعلينا أن نربي أنفسنا على العدل، فليس من الطبيعي أن تكون جندياً في معركة العدل وأنت ظالم، أو تعاون الظالمين وتبرر لهم ظلمهم، لأنّ معنى ذلك أنك ستكون في المعسكر الآخر، لأنّ الإمام (ع) يحارب الظلم في واقع الظالمين، ويحارب الظلم في الذين يساعدون الظالمين ويبررون لهم ظلمهم.

لذلك، إذا أردت أن تكون من أنصار صاحب الزمان (ع)، عليك أن لا تظلم نفسك بالمعصية، وأن لا تظلم غيرك بالبغي والعدوان، فلا تظلم الناس حقوقهم، ولا تظلم أولادك بأن تتعسّف، ولا تظلم أبويك وزوجتك في حقوقها الإنسانية والزوجية، ولا تظلم الزوجة زوجها في حقوقه، أن لا تظلم الناس الذين تبايعهم وتشاريهم، وما إلى ذلك من الظلم العام، لأنّ مجتمعنا عندما يكون مجتمع الظالمين، فمعنى ذلك أننا سوف لن نكون معه، لأن من يتربى على الظلم كيف يكون مع قيادة العدل.

وهذا ما واجهه أمير المؤمنين (ع) عندما أُبعد عن حقه، لأنّ العصبيات كانت هي التي تتحكم في المجتمع الإسلامي، وهذا ما واجهه الإمام الحسين (ع) الذي بايعه ثمانية عشر ألف شخص في الكوفة، ولكنّ الكثيرين من هؤلاء خرجوا إلى حربه؛ لأنّ ”قلوبهم معه وسيوفهم عليه”، فقد تربوا تربية جعلوا فيها مصالحهم وأطماعهم هي الأساس.

ففي الأمة فريقان -بعضهم من الشيعة والآخر من السنة- هدفهما تمزيق الأمة، وتشتيت طاقتها في حروب كلامية لا طائل منها، ويقومان بغسل أذهان شباب الإسلام لكي يندك في أجندتهما الخبيثة، وهذان الفريقان تغذيهما المخابرات الأجنبية لمصالحها من أجل خلق حرب طائفية بين السنة والشيعة، نرى بوادرها قد تتحقق في أي لحظة.

أيها الأحبة..

إنّ ظهور الإمام المهديع) هو ظهور لسيادة الحب والمودة والوئام بين البشر كافة، واندثار للخلافات المذهبية ومظاهر الفرقة بين الشعوب الإسلامية، وانطفاء لنار الفتنة الطائفية، وأن يعيش العالم أجمع في سلام وأمان

ونحن الآن مسلمون ونتبع أهل البيت (ع)، لماذا ننحرف ونثير الفتنة فيما بيننا؟ لماذا نساعد الظالمين ونبرر للمجرمين إجرامهم إذا كانوا من أقربائنا وأهلنا؟ لأنّ الهدف في الحياة -غالباً ولا نشمل كل الناس- ليس الله، إنما الهدف مصالحنا وأطماعنا وعصبياتنا، العصبية العائلية والحزبية والطائفية والمذهبية، حتى لو كانت عائلته أو حزبه أو طائفته أو مذهبه ظالماً..

لذلك، في هذه الذكرى التي تنطلق فيها رسالة الإمام (ع) تحت عنوان رسالة العدل، العدل هو أن تعطي كل ذي حق حقه، على المستوى الفردي والاجتماعي، وأن لا تظلم الناس حقوقهم، ولا بد لنا أن نؤكد على هذا الخط في حياتنا العائلية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، وأن نربي أنفسنا على العدل، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، ولا بد أن تشهد بالعدل حتى لخصمك في الدين أو العائلة أو السياسة إذا كان صاحب حق، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}..

علينا أن نكون الإنسان الذي لا يبيع دينه بدنيا غيره، أو دينه بدنياه، ولا يبرّر للظالمين ظلمهم وللفاسقين فسقهم، بل ينطلق من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الشيطان هي السفلى، وأن يكون كما قال أمير المؤمنين عليٌّ C: “لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّةً ولا تفرّقُهم عني وحشةً، الذليل عندي عزيزٌ حتى اخذ الحقَّ له، والقويُّ عندي ضعيف حتى آخُذَ الحقَّ منه”، أن ينطلق العالِم مع الحقِّ والعدل في جميع مواقعه، وينطلق مع الضعفاء، يعيش معهم ويرحمهم وينصحهم ويعلّمهم ويقدِّر إخلاصهم، انطلاقاً من قوله تعالى وهو يوجّه نبيّه (ص){وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}(الكهف: 28).

إنّ هذه المناسبات الإسلامية لا بدّ أن تكون مناسبات لا نقتصر فيها على التذكّر، بل أن نجعل من التذكّر وسيلة من وسائل تربية أنفسنا وتغييرها وتطويرها وتنميتها وتصفيتها وتزكيتها، لنكون على الصورة التي يحبها الله ورسوله، حتى نحصل على رضى الله في ذلك.

نعم، علينا أن نتذكر قول النبي(ص)"يَطَّلِعُ اللهُ إلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ".

وهل هناك أعظم مشاحنة مما يصيبه المسلم في عداوة أخيه المسلم، ونحن نرى شعوب العالم العربي الإسلامي تسقط في مستنقعات الطائفية البغيضة، بينما شعوب الغرب المتقدم تتحدث باستفاضة عن العَوْلَمة والقرية الكونية والمنجزات الحضارية. فالضلال الذي ينشأ من وراء التفسيرات الخاطئة أعظم من الضلال الذي ينشأ من الكذب الصريح.

أيها المسلمون إنّ الاختلاف والتنوع في إطار الوحدة من أكبر حقائق هذا الوجود، فلا تستبدلوها بآلات الموت والدمار.

إنّ المصطفى (ص) يعلمنا أن نعود إلى صوابنا وعقلنا وصفائنا وهذه من بركات هذه الليلة المباركة.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستَشهدين بين يديه.. اَللّهُمَّ وَصَلِّ عَلى وَلِيِّ اَمْرِكَ الْقائِمِ الْمُؤَمَّلِ، وَالْعَدْلِ الْمُنْتَظَرِ، وَحُفَّهُ بِمَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ، وَأَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يا رَبَّ الْعالَمينَ. اَللّهُمَّ اجْعَلْهُ الدّاعِيَ اِلى كِتابِكَ، وَالْقائِمَ بِدينِكَ، اِسْتَخْلِفْهُ في الاَْرْضِ كَما اسْتَخْلَفْتَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِ، مَكِّنْ لَهُ دينَهُ الَّذي ارْتَضَيْتَهُ لَهُ، اَبْدِلْهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِ اَمْناً يَعْبُدُكَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئاً. اَللّهُمَّ اَعِزَّهُ وَاَعْزِزْ بِهِ، وَانْصُرْهُ وَانْتَصِرْ بِهِ، وَانْصُرْهُ نَصْراً عَزيزاً، وَاْفتَحْ لَهُ فَتْحاً يَسيراً، وَاجْعَلْ لَهُ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصيراً.

الأحد، 15 أبريل 2018


**المستضعف ما له وما عليه**


المستضعف هو الذي لا يهتدي إلى الإيمان سبيلاً؛ لعدم استطاعته، ومن لم تصل الدعوة إليه.

أي: مَنْ لم يتمكن من الإيمان إما لضعف العقل. وإما لعدم اطلاعه على اختلاف النّاس في المذاهب.

قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}(النساء: 97-99).

وكأنَّ الآيات تتحدث عن فريقين من المستضعفين:

الفريق الأول: الذين عندهم قدرة على التخلص ممن هم في من استضعاف، بحيث يملكون العقل الواعي بحيث يشملهم السؤال المباشر: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}، ولكنهم لم يفعلوا ذلك {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً}.

الفريق الثاني: الذين ليس لهم قدرة على التخلص من الاستضعاف بحيث {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}. فهؤلاء من المستضعفين -أيضاًبدليل الاستثناء المذكور قبله؛ أي: مستثنون من القسم الأول {فَأُولَئِكَ عَسَىاللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}.. فهم أقرب للعفو والمغفرة. وفي نص آخر: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(براءة: 106).

وقد ورداستحباب أن يدعوللميت إذا كان مستضعفاً بدعاء خاص: "اللهماغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم" (الروضة البهيةفي شرح اللمعة الدمشقية:ج 1 ص 138).

وقد جاءت النصوص عن أئمة أهل البيت (ع) على هدي ما جاء به القرآن الكريم..

من هم المستضعفون:


جاء في الصحيح عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر الباقر (ع)، قال: "الْمُسْتَضْعَفُونَ: الَّذِينَ{لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}"قَالَ: "لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً إِلَى الْإِيمَانِ، وَلَا يَكْفُرُونَ؛ الصِّبْيَانُ وَأَشْبَاهُ عُقُولِ الصِّبْيَانِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ" (الكافي: ج 2 ص 404 الحديث 2).

وفي الصحيح عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله الصادق (ع): "مَنْ عَرَفَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فَلَيْسَ بِمُسْتَضْعَفٍ"(الكافي: ج 2 ص 405 الحديث 7).


وسأل علي بن سويد الإمام موسى الكاظم (ع): عن الضعفاء؟ فقال (ع): "فالضعيف من لم يرفع إليه حجة، ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف"(الكافي: ج 8ص 124).

فالمستضعف هو الشخص المعذور، والذي لا يستحق العقاب؛ وذلك لقبح إدانة مَن لم تقم عليه الحجة، أو مَن كان قاطعاً بصحة معتقده ولا يخطر في باله صحة الدين الجديد، شريطة أن لا يجحد ما لم يقتنع به؛ لأنَّ عدم الاقتناع بشيء لا يبرر نفيه، كما أنَّ عدم الوجدان لا يدخل على عدم الوجود..

فلا مبرر -منطقياً وعقلياً- لمن لم يقتنع بإمامة أهل البيت (ع) أن يجحدها وينفيها، فهم وإن لم يقتنعوا بخلافتهم ولكنهم لا ينكرون إمامتهم في الدين والعلم، وفي الحديث عن الإمام الصادق (ع): "لَوْ أَنَّ الْعِبَادَ إِذَا جَهِلُوا وَقَفُوا وَلَمْ يَجْحَدُوا لَمْ يَكْفُرُوا"(الكافي: ج 2 ص 388)، وفي صحيحة أبي بصير قال (ع): "إِنَّمَا يَكْفُرُ إِذَا جَحَدَ" (الكافي: ج 2 ص 399).

مناط العذر واسع:


لقد كان هدي الإمام علي (ع) ساطعاً كالشمس، ومع ذلك عميت عنه أبصار الخوارج الذين لم يكونوا -أو بعضهم على الأقل- من ذوي النوايا السيئة بقدر ما كانوا مضلَّلين، كما تُنبئ بذلك كلمة الإمام علي (ع) الخالدة في شأنهم: "لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ"(نهج البلاغة: خطبة 61؛ علل الشرائع: ص 18). فأمير المؤمنين كان يحكم بإسلام الخوارج رغم إنكارهم لإمامته وخروجهم عليه بعد وقعة التحكيم.

ويؤكده الحديث عن إسماعيل الْجُعْفِي، قال: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنِ الدِّينِ الَّذِي لَا يَسَعُ الْعِبَادَ جَهْلُهُ، فَقَالَ: "الدِّينُ وَاسِعٌ، وَلَكِنَّ الْخَوَارِجَ ضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ جَهْلِهِمْ". قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَأُحَدِّثُكَ بِدِينِيَ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: "بَلَى"قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَأَتَوَلَّاكُمْ، وَأَبْرَأُ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَمَنْ رَكِبَ رِقَابَكُمْ وَتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ، وَظَلَمَكُمْ حَقَّكُمْ، فَقَالَ: "مَا جَهِلْتَ شَيْئاً، هُوَ -وَاللهِ- الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ". قُلْتُ: فَهَلْ سَلِمَ أَحَدٌ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ؟ فَقَالَ: "لَا، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ"، قُلْتُ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "نِسَاؤُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ"، ثُمَّ قَالَ:"أَرَأَيْتَ أُمَّ أَيْمَنَ؟ فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَا كَانَتْ تَعْرِفُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ"(الكافي: ج 2 ص 405 الحديث 6).

وقوله (ع): "الدِّينُ وَاسِعٌ"يراد به أنّه لا يتحقق الخروج من دين الإسلام بقليل من العقائد والأعمال كما هو مذهب الخوارج، حيث حكموا بكفر مرتكب المعاصي وخاضوا في المسائل الدقيقة فجعلوها من أجزاء الإيمان.

واستثناء المستضعفين في كلام الإمام الباقر (ع) إنما هو ناظر إلى قول الله سبحانه وتعالى: {... فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً  فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا}(النساء: 97-99).

إشكال وجوابه:

رب قائل يقول: إنّ دائرة المستضعف -كما يستفاد من الآية والروايات- أضيق مما ذكر بكثير، فهو لا يشمل إلا ذوي القدرات العقلية المتواضعة من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً كما في الحديث الصحيح عن زُرَارَة المتقدم. وأما مَن كان ذا قدرة على التمييز ولديه معرفة باختلاف الأديان وتعددها فلا يكون مستضعفاً ولا يتناوله حكمه، وقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (ع):"مَنْ عَرَفَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فَلَيْسَ بِمُسْتَضْعَفٍ"(الكافي: ج 2 ص 405 الحديث 7). وفي ذلك إشارة واضحة إلى ربط الاستضعاف بالمستوى الثقافي والعقلي.

ولنا أن نعلق على ذلك: بأنَّ هذه الروايات ناظرة إلى الآية الشريفة، ولو سلمنا أنَّ هذه الروايات تفسيرية وليست مصداقية، لكن يبقى: أنَّ الآية كالروايات لا مفهوم لها يدل على نفي العفو عن غير المستضعف، وحيث إنَّ الدليل قائم على عدم مؤاخذة الجاهل القاصر فيكون مشمولاً لحكم الآية وإن لم يكن داخلاً في موضوعها ومنطوقها.
إنَّ أكثر الناس ممن لا يؤمنون بالحقائق الدينية المتشعبة قاصرون إلا في معرفة الله سبحانه، فإنَّ الجاهل بوجوده تعالى أو وحدانيته مقصِّر لا قاصر -غالباً-؛ لأنَّ معرفته تعالى وكذا توحيده -على نحو الإجمال دون تفاصيل التوحيد- من الأمور الفطرية، كما أنَّ التأمل في السماوات والأرض وما فيهما من أسرار ونظم تهدي إلى الإيمان به تعالى والإقرار بوحدانيته، أما فيما عدا ذلك من العقائد كالنبوة والإمامة والمعاد فإنَّ وجود الجاهل القاصر بشأنها كثير.

وهذا ما أشار له الإمام الخميني بشأن الكافر أيضاً، فقال: "إنَّ أكثرهم -إلا ما قلَّ وندر- جهَّال قاصرون لا مقصرون. أمّا عوامهم فظاهر لعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم، بل هل قاطعون بصحة مذهبهم وبطلان ساير المذاهب، نظير عوام المسلمين، فكما أنَّ عوامنا عالمون بصحة مذهبهم وبطلان ساير المذاهب من غير انقداح خلافٍ في أذهانهم لأجل التلقين والنشوء في محيط الإسلام، كذلك عوامهم من غير فرقٍ بينهما من هذه الجهة، والقاطع معذور في متابعة قطعه ولا يكون عاصياً أو آثماً ولا تصح عقوبته في متابعته.... وبالجملة: إنَّ الكفار كجهّال المسلمين منهم قاصر وهم الغالب، ومنهم مقصِّر... والكفار معاقبون على الأصول والفروع لكن مع قيام الحجة عليهم لا مطلقاً، فكما أنَّ كون المسلمين معاقبين على الفروع ليس معناه أنهم معاقبون عليها سواء كانوا قاصرين أم مقصِّرين، كذلك الكفار طابق النعل بالنعل بحكم العقل وأصول العدلية"(المكاسب المحرمة: ج 1 ص 133-134).

مراتب المستضعفين:

نعم، رغم نجاة هؤلاء المستضعفين، فإنهم بحسب بعض الروايات ليسوا سواء في مراتب الجنة؛ ففي الصحيح عن جميل بن دراج قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (ع): إِنِّي رُبَّمَا ذَكَرْتُ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، فَأَقُولُ: نَحْنُ وَهُمْ فِي مَنَازِلِ الْجَنَّةِ؟! فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع): "لَا يَفْعَلُ اللهُ ذَلِكَ بِكُمْ أَبَداً"(الكافي: ج 2 ص 387).

وقد أجاز أئمة أهل البيت الدعاء للوالدين وإن كانا على خلاف مذهبهم: ففي صحيحة مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ، قال: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع): أَدْعُو لِوَالِدَيَّ إِذَا كَانَا لَا يَعْرِفَانِ الْحَقَّ؟ قَالَ: "ادْعُ لَهُمَا، وَتَصَدَّقْ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَا حَيَّيْنِ لَا يَعْرِفَانِ الْحَقَّ فَدَارِهِمَا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (ص) قَالَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي بِالرَّحْمَةِ، لَا بِالْعُقُوقِ"(الكافي: ج 2 ص 166).

وعلّق الشيخ المجلسي على هذا الحديث فقال: "يدل على جواز الدعاء والتصدق للوالدين المخالفين للحق بعد موتهما، والمداراة معهما في حياتهما؛ (بحار الأنوار: ج 71 ص 47؛ مرآة العقول: ج 8 ص 417).

ومع أنَّ أئمة أهل البيت (ع) يوجهون شيعتهم إلى الرحمة في القول والفعل مع المخالفين، إلا أنه في كل زمان يوجد أفراد من الشيعة ممن لا ينصاعون إلى تلك الوصايا والتوجيهات الرحيمة، وما ذلك إلا لجهلهم وعصبيتهم.

ولذا تظهر لنا بعض رواياتنا أنّ هناك صراعاً داخلياً بين أئمة أهل البيت وبين بعض أتباعهم، فهذا زرارة بن أعين وبعض أخوته يدخلون على الإمام الباقر (ع)، والرواية حسنة أو صحيحة سنداً، فكانوا يجاهرون بعصبيتهم فيقولون للإمام (ع): مَنْ وَافَقَنَا مِنْ عَلَوِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، تَوَلَّيْنَاهُ؛ وَمَنْ خَالَفَنَا مِنْ عَلَوِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، بَرِئْنَا مِنْهُ.
فقال له الإمام (ع): "يَا زُرَارَةُ، قَوْلُ اللهِ أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِكَ، فَأَيْنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}؟ أَيْنَ الْمُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً}؟ أَيْنَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ؟ أَيْنَ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ؟" (الكافي: ج 2 ص 365).

وهذا الخطاب يظهر لنا تسامح أئمتنا مع من خالفهم، فلم يكفروهم ولم يتبرؤوا منهم، ولم يخرجوهم من دين أو ملة، في حين يظهر تعصب الكثير ممن يتشدقون أنهم أتباع لأهل البيت؛ فيسوقون من خالفهم سوقاً واحداً بلا ورع ولا دين.


فإذا لم يقم الدليل عند إنسان على وجوب الإمامة فكيف يُكبّ على منخريه في النار؟! والحال أنَّ القاعدة المسلمة تقول: "قبح العقاب بلا بيان" فبعض الناس لم يصله بيان قط.

الحديبية فقهُ القوة أم فقهُ التنازل؟ قراءة قرآنية استراتيجية في جدل >الصلح < و>التطبيع<. ليست الحديبية حادثةً تاريخية تُروى، بل ...