** 3 – 4 التشدد الديني والتدين السطحي **
تعاني
مجتمعاتنا العربية الإسلامية من موجات التشدد التي تختلف قوة من مجتمع لآخر، وتتخذ
مظاهر مختلفة، وتتصدى هذه المجتمعات لمشاكل التشدد عن طريق وضع حلول عدة لها، وهذه
محاولة لإلقاء الضوء على مظاهر التشدد الديني وبيان أسبابه وطرق معالجته. والمقصود
هنا المبالغة والغلو في غير موضعه وفرض الرأي على الآخر وإساءة الظن به وتأثيمه،
وقد يصل الأمر إلى تكفيره.. فهؤلاء متخلفون، يعيشون ذهنية مغلقة تعيش في زوايا
التاريخ الدامي، ولا ينفتحون على الأفق الواسع الذي جاء به القرآن الكريم: {فَأَيْنَمَا
تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} البقرة: 115، بحيث يجب علينا أن
نتوحد بالله أينما توجهنا.
وهذا
هو منهج الإسلام الذي يقوم على اليسر ورفع الحرج والبعد عن التعسير يرفض التشدد.
ونصوص القرآن والسنة تؤكدان أنَّ المرونة واليسر من العناصر الأساسية في المنهج
الإسلامي وذلك لعدة اعتبارات:
1.
كون النصوص التشريعية محدودة، والمستجدات
الحياتية محدودة، والمسكوت عنه من الأحكام أكثر بكثير من الأحكام المنصوص عليها،
ولهذا نرى أنَّ هذه النصوص لم يكن الغرض منها أن تكون نصوص مقفلة وجامدة، بل
مفتوحة على مستوى مقاصد القرآن الكريم، والمتغيرات التي تحيط بالإنسان.
2.
كون معظم النصوص ظنية الدلالة، قابلة
لتعدد الآراء، وحمالة لأوجه من الفهم والاجتهاد، ولذلك نقول أن "التراث موروث
ولكننا لا نحتفظ بهذا الإرث بل نحاول أن نناقشه وعلينا أن نحرّك سلوكنا في خط ما
يمكن لنا أن نقبله وأن نبقيه من تراث وما يمكن أن نؤصله من حقائق العقيدة وحقائق
الفكر".
3.
كون الإسلام صالح لكل زمان ومكان، لا من
خلال التفسير الحرفي لتلك النصوص، بل بطريقة الرؤية الموضوعية لها واستيحاءها
واستنطاقها؛ فالقراءة الحرفية للنصوص تمنع العقل المسلم من ارتياد آفاق التقدم،
وهي العقبات المسؤولة عن توليد نزعات العنف والتطرف وتحجيم دور المرأة في المجتمع
وتعزيز الكراهية للآخر غير المسلم. إنّ المهم كما يقول علي (ع): "ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ" إنه
دعوة دائمة للتساؤل والنظر والبحث وتفعيل العقل.
4.
كون الرسول (ص) جاء لرفع القيود والأغلال
عن الأمة لإسراف من قبلنا في التشدد والابتداع في الدين. كل هذه الاعتبارات تحتم
المرونة والتيسير وإلا وقعت الأمة في حرج شديد، ووقع الفرد المسلم في تأزم نفسي
بين تكاليف دينه ومتطلبات حياته وعصره.
5.
ثم إنّ التشدد مخالف للفطرة الإنسانية
ومناقض لقاعدة أساسية في الإسلام وهي أنّ الأصل في الأشياء والأفعال والتصرفات
الإباحة، بينما التشدد ينطلق من قاعدة الأصل في الأشياء الحظر والحرمة.
والملاحظ في أمر التشدد مظاهر أربعة هي:
المظهر الأول: إنَّ التشدد آفة بعض المجتمعات الإسلامية قديماً، وفهمهم
المغلوط للدين، وحديثاً في الجماعات المتشددة، غير أنّ تأثير التشدد قديماً كان
محدوداً والفتنة كانت محصورة، بعكس ما هو ظاهر الآن من انتشار موجات التطرف في
المجتمعات الإسلامية وبخاصة بين الشباب، حتى ليصل في بعض المجتمعات إلى صدام دموي
بين الجماعات نفسها، وكذلك بينها وبين الأنظمة.
المظهر الثاني: إنّ التشدد لو كان محصوراً على ثوابت الدين وأحكامه الأساسية
وقضايا المجتمع الرئيسية في الحرية والعدالة والشورى، وفي التنمية والتحرر، لكان
أمراً محموداً ومطلوباً، أما أن يكون التشدد في الفرعيات والخلافيات والتوسع في
الحظر والتحريم وشغل الناس بأمور جانبية وإثارة المعارك حول الخلافيات العقيمة
كفرض النقاب، وتقصير الثياب، وحرمة التصوير، وسياقة المرأة، وعمل المرأة في
المجتمع ووضعها الاجتماعي، والاختلاط، ... فهذا غير مقبول؛ لأنه يصرف الجهود في
قضايا فرعية بدلاً من توجيهها لبناء المجتمع القوي المنتج.
المظهر الثالث: لو كان التشدد مقصوراً على أهله دون أن يتجاوز ذلك إلى فرضه
على الآخرين لما كان الأمر مثاراً للاعتراض، بل قد يُحمل في بعض الحالات على باب
الورع، وأما أن يستخدم أهل التشدد سلطتهم ونفوذهم لفرض رأيهم دون اعتبار للآخرين،
بل يتجاوزون إلى التشكيك في عقائد المخالفين لهم والتفتيش في ضمائرهم، فهذا خروج
عن المنهج الحق.
المظهر الرابع: وكذلك يلاحظ في أمر المتشددين أنَّ الأقوال تناقض السلوكيات
والأفعال، مخالفة لتعاليم الإسلام، فتجد الغلظة والصلافة والتجهم في تعاملهم مع
الآخرين، وتجدهم في مواطن الإنتاج والعمل وحقوق الناس متساهلين مفرطين.
وللتشدد أسباب وعوامل مساعدة هي:
1.
مع أنَّ معظم المتشددين عاطفتهم الدينية
طاغية، فإنَّ وعيهم محدود وثقافتهم الدينية ضحلة، هي ثقافة قشرية ومظهرية، فلا فقه
صحيحاً لهم في أمور الدين، ومعظمهم لم يدرس دراسة شرعية نظامية، وزادهم العلمي
الثقافي مستمد من كتيبات وأشرطة تُروج في بقالات ومحلات وعلى أرصفة، ووضعها أناس
غير متخصصين، ومعظمها لا قيمة علمية لها، ومشكلة هؤلاء ليست في قلة الدين، ولكن في
قلة الفهم والعقل كما يقول الكاتب الإسلامي فهمي هويدي.
2.
أنَّ من بين هؤلاء من يتخذ من التشدد
وسيلة للبروز الاجتماعي وطلباً للشهرة والزعامة والمرجعية، وتحقيقاً لمصالح عاجلة،
وإصدار الفتاوى المعلبة التي تثير عواطف جمهور الناس ولا تغذي عقولهم وآمالهم.
3.
عدم كفاية التحصين الديني والفكري
والثقافي في البيت والمجتمع والمدرسة والجامعة، وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في
مناهج التعليم والتربية والبرامج الإعلامية. فالتنشئة الاجتماعية الأولى عندنا لا
تعطي الحرية الكافية للطفل للحوار، ولا تربيه على احترام الرأي الآخر.
4.
وجود الفراغ الثقافي والسياسي والاجتماعي
في أوساط الشباب نتيجة عدم تنشيط وتشجيع الحوار الحر، وتوجيه الشباب نحو الانشغال
بقضايا البناء والتنمية.
5.
قصور إسهامات الكفاءات العلمية والفكرية
والثقافية في ملء الساحة العريضة وانسحابها من الميدان لأسباب عدة لا مجال لذكرها
الآن، وهي معروفة على كل حال.
6.
ضعف مستوى بعض الدعاة نتيجة لضعف الحصيلة
الثقافية المعاصرة والعلمية التي تم تزويدهم بها، فلا تسمع منهم إلا حديثاً مكرراً
بعيداً عن اهتمامات الناس وهمومهم.
7.
أمراض نفسية وهي إفرازات محبطة ومقهورة
سياسياً وثقافياً واجتماعياً، تشكل نوعاً من الهوس الديني، وتمثل نوعاً من ردود
الفعل الغير مرضية تجاه المتغيرات المعاصرة.
8.
تعصب الحركات المتشددة لمذاهب معينة،
ولأشخاص معينين يتخذونهم أئمة يأتمرون بأمرهم وآرائهم لا يحيدون عنها.
حلول ومقترحات قد تخفف من حدة المشكلة:
1.
منها ما يتصل بمسؤولية السلطات في إبعاد
المتشددين عن مراكز القيادة والتوجيه والتربية والتعليم والإعلام.
2.
ومنها ما يتصل بواجب العلماء المهمومين بالإصلاح،
وأهل الفكر والثقافة، في التصدي لمقولات المتشددين؛ لبيان تفاهتها حتى لا يغتر بها
بعض الشباب، وكذلك لإرشاد هؤلاء المتشددين وتوجيههم إلى المفاهيم السليمة وهدايتهم
إلى النهج العدل وإصلاحهم بالحوار والتناصح والإقناع.
3.
ومنها ما يتصل بمسؤولية الإعلام من زيادة
الجرعات الثقافية والفكرية الممثلة بتعاليم الدين والعقل ومبادئهما وقيمهما، القائمة
على الحرية والعدل والكرامة.
4.
ومنها ما يتصل بمسؤولية البيت والمدرسة
والجامعة من الاهتمام بالتحصيل الديني والفكري والثقافي للشباب بتشجيع الحوار
والمناقشة واحترام الرأي الآخر والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وإشاعة الروح
العقلانية بهدف تكوين العقلية الواعية الناقدة.
5.
ومنها ما يتصل بضرورة وضع خطة أو
إستراتيجية للتنمية الثقافية والدينية على مستوى الدولة، تساهم فيها الجهات
المختلفة في المجتمع.
لقد عانى الإسلام كثيراً من
الجماعات والحركات والتوجهات المتطرفة وصُنّاع الأساطير والخرافات، ومنتجي الغلو
والتطرف داخل الساحة الإسلامية، فهم الخطر الداهم على الإسلام والمسلمين وعلى الأمة
كلِّها والدين كلِّه، وقد عانينا من هؤلاء كثيراً في محاولاتهم المستمرة لتضليل
وتفسيق وتكفير من يختلف معهم في الرأي، ونريد لأي توجه يسعى لمواجهة هؤلاء أن
ينطلق من قاعدة إسلامية أصيلة يتوحد فيها الجميع، وينزل فيها المفكرون والدعاة المستنيرون
والعاملون ليواجهوا كلَّ أساليب السبِّ والشتم واللعن والتكفير بحملة ثقافية
إسلامية مدروسة تستهدي كلام الإمام علي (ع): "احْصُدِ
الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق