ملامح فكرية في حياة الإمام موسى الكاظم
نعيش هذه الأيام ذكرى وفاة الإمام موسى الكاظم (ع)، أحد أئمة أهل البيت الطاهرين (ع) الذين أمرنا جدهم الرسول الأكرم (ص) أن ننفتح على آفاقهم وفهمهم للإسلام، وأن نتحرك في الطريق الذي أرادوا أن نتحرك فيه لنبلغ الأهداف الكبرى التي أرادنا الله أن نبلغها في هدي سيد المرسلين (ص).
عاش الإمام موسى الكاظم (ع) حياة متحركة في الواقع الإسلامي امتّدت من عهد المنصور إلى هارون الرشيد.. وكانت الحركة الفكرية في ذلك الوقت تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مفردات العقيدة من جهة، وحول خطوط الشريعة من جهة أخرى، وحول الواقع السياسي من جهة ثالثة.
لقد كانت هذه المرحلة لا تخلو من عنف سياسي وأمني؛ لأنَّ السلطة العباسية آنذاك كانت لا تزال تخشى الاتجاهات المضادة، وتواجهها بعنف إلى حدِّ الوحشية في التعذيب وإزهاق أرواح الناس في الزنزانات.
ولكنه رغم هذه الظروف عاش الإمام الكاظم (ع) هذه المرحلة، وقد استطاع أن يملأها علمًا وفكرًا وروحانية، وأن يرصد الانحرافات التي كانت تفرض نفسها على حركة الفكر الإسلامي ليصححّها ويقوّمها في الاتجاه الصحيح.
رؤية الإمام الكاظم لتوحيد الصفات:
لقد كانت هناك حركة فتية تتحدث عن الله، وعن صفاته، وهل هو جسم كبقية الأجسام أو هو جسم لا كالأجسام، أي أنه جسم من نوع آخر لا نعقله وليس كالأجسام التي يعرفها الناس في الموجودات المادية.
ولم يجلس الإمام الكاظم مكتوف اليد، بل دخل في هذه المعركة، فتحدَّث بأكثر من أسلوب وفي أكثر من فكرة، بحسب ما رصدناه من نصوص ومواقف واردة عنه (ع):
الموقف الأول: كما جاء في رجال الكشي، عن جعفر بن محمد بن حكيم الخثعمي، قال: اجتمع هشام بن سالم، وهشام بن الحكم، وجميل بن دراج، وعبد الرحمن بن الحجاج، ومحمد بن حمران، وسعيد بن غزوان، ونحو من خمسة عشر رجلًا من أصحابنا، فسألوا هشام بن الحكم أن يناظر هشام بن سالم فيما اختلفوا فيه من التوحيد وصفة الله عز وجل وغير ذلك لينظروا أيهما أقوى حجة.
فرضي هشام بن سالم أن يتكلم عند محمد بن أبي عمير، ورضي هشام بن الحكم أن يتكلم عند محمد بن هشام، فتكالما وساق ما جرى بينهما.
قال عبد الرحمن بن الحجاج لهشام بن الحكم: كفرت والله بالله العظيم وألحدت فيه، ويحك ما قدرت أن تشبه بكلام ربك إلا العود يضرب به!
قال جعفر ابن محمد بن حكيم، فكتب إلى أبي الحسن موسى (ع)؛ يَحْكِي لَهُ مُخَاطَبَتَهُمْ وَكَلَامَهُمْ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا الْقَوْلُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَدِينَ اللهَ بِهِ مِنْ صِفَةِ الْجَبَّارِ؟
فأجابه الإمام في عرض كتابه: "فَهِمْتُ -رَحِمَكَ اللهُ- وَاعْلَمْ -رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّ اللهَ أَجَلُّ وَأَعْلَى وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُبْلَغَ كُنْهُ صِفَتِهِ، فَصِفُوهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَكُفُّوا عَمَّا سِوَى ذَلِكَ" (رجال الكشي: حديث 500).
هنا نجد أنَّ الإمام (ع) يريد أن يشير إلى أننا لن نستطيع أن نعرف الله في صفاته إلا من خلاله؛ لأنه لا يعرف الله حق معرفته إلا هو، فهو الذي أحاط بذاته ولم يحط بذاته أحد إلا من خلاله؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى هو المطلق الذي لا حدود لأية صفة من صفاته، ولهذا فإنَّ المحدود مهما كانت عظمته لا يستطيع أن يفهم حقيقة الله.
وعلى ضوء هذا فإنَّ الإمام (ع) يقول لنا إذا أردتم أن تعرفوا الله في صفاته فاعرفوه بما وصف به نفسه فإنَّ ما وصف به نفسه هو الذي يمكن لنا أن نطّل من خلاله على الحقيقة الكامنة في صفات الله، أما انتم فقد تصفون الله من خلال ما تتخيلونّه وتنظّرونه.
الموقف الثاني: عن الحسن بن عبد الرحمن الْحِمّانِيّ قال: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) إِنّ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ زَعَمَ أَنّ اللهَ جِسْمٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، عَالِمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَادِرٌ مُتَكَلّمٌ نَاطِقٌ، وَالْكَلَامُ وَالْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ يَجْرِي مَجْرَى وَاحِدٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا مَخْلُوقًا!
فقال (ع): "قَاتَلَهُ اللهُ أَمَا عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدُودٌ وَالْكَلَامَ غَيْرُ الْمُتَكَلّمِ! مَعَاذَ اللهِ وَأَبْرَأُ إِلَى اللهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ؛ لَا جِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ وَلَا تَحْدِيدٌ، وَكُلّ شَيْءٍ سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، إِنّمَا تُكَوّنُ الْأَشْيَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ وَلَا تَرَدّدٍ فِي نَفَسٍ وَلَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ" (الكافي: ج 1 ص 142).
عندما نريد أن ننفذ إلى صفات الله فإنَّ علينا أن لا نأخذ بأساليب الفلسفة في ذلك، لا سيما إذا عرفنا أنَّ الفلسفة الإسلامية في أصولها انطلقت من الفلسفة اليونانية، وبهذا فقد تختلط جذور الفلسفة اليونانية التي فرضت نفسها على كثير من مناهج الفلاسفة المسلمين، ولا أقول الفلسفة الإسلامية، في امتداد الواقع الإسلامي فيخيَّل إلينا أننا نقرأ فلسفة إسلامية في عناوين الإسلام ولكنها في العمق والمنهج قد تأخذ الكثير من ملامح الفلسفة اليونانية التي وُلدت في بيئة ثقافية أخرى تختلف عن البيئة الثقافية التي ولدت فيها الفلسفة الإسلامية..
وفي الوقت الذي نقدِّر فيه الفلاسفة المسلمين الذي درسوا الفلسفة اليونانية وحاولوا أن يسجّلوا ملاحظات عليها نرى أنَّ المنهج بقي يفرض نفسه على مدى التفكير، لذلك أراد الإمام (ع) من خلال ما نستوحيه من هذا الحديث أن يقول لنا إذا أردتم أن تأخذوا عقائدكم فخذوها من القرآن، لأنَّ الإمام أراد أن يؤكد على الفكر الذاتي في هذا المجال.
ففي النص يدّعي أنَّ "هشام بن الحكم زعم أنَّ الله جسم ليس كمثله شيء"، أي أنه جسم ليس كالأجسام التي يراها الناس في الموجودات المادية ولكنه جسم من نوع آخر.
وتابع هشام كلامه قال: "عَالِمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَادِرٌ مُتَكَلّمٌ نَاطِقٌ، وَالْكَلَامُ وَالْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ يَجْرِي مَجْرَى وَاحِدٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا مَخْلُوقًا". وكأنما الكلام الإلهي هو شيء في ذاته سبحانه، وكذلك القدرة والعلم لا فرق، وكأنَّ هشام لا يقول بخلق الكلام.
فردَّ الإمام الكاظم على هذه الفكرة بقوله:
- قوله: "أَمَا عَلِمَ أَنَّ
الْجِسْمَ مَحْدُودٌ".
- قوله: "وَالْكَلَامَ غَيْرُ
الْمُتَكَلّمِ" فلا يمكن أن يكون الكلام صفة في الذات بمعنى أن يكون داخلًا في
تكوين الذات كما يظهر من كلام هشام.
- قوله: "مَعَاذَ
اللهِ وَأَبْرَأُ إِلَى اللهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ؛ لَا جِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ وَلَا
تَحْدِيدٌ، وَكُلّ شَيْءٍ سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، إِنّمَا تُكَوّنُ الْأَشْيَاءُ
بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ وَلَا تَرَدّدٍ فِي نَفَسٍ وَلَا
نُطْقٍ بِلِسَانٍ" فليست كالكلمات التي تخطر في الذهن وتتردد في الفكر ثم تنطلق
بعد ذلك، فالإمام (ع) يريد أن يصحّح هذه الفكرة المنحرفة التي تبتعد عن صفاء
التوحيد في صفات الله.
وقد حكى الشريف المرتضى أنه سأل الشيخ المفيد عن هشام بن الحكم وما تحكيه عنه المعتزلة من التجسيم، ويوافقهم عليه بعض محدِّثي الشيعة ومشبهة العامة، وما يقال من أنَّ الشيعة إنما أخذوا نفي التشبيه من المعتزلة؛ فذكر المفيد أنَّ هذه الدعوى عرية من البرهان، وأنه ليس في أسلافهم من كان يدين بالتشبيه من طريق المعنى.. قال: "وإنما خالف هشام وأصحابه جماعة أبي عبد الله (ع) بقوله في الجسم؛ فزعم أنَّ الله تعالى "جسم لا كالأجسام". وقد روي أنه رجع عن هذا القول بعد ذلك، وقد اختلفت الحكايات عنه ولم يصح منها إلا ما ذكرت" (الحكايات في مخالفات المعتزلة من العدلية، والفرق بينهم وبين الشيعة الإمامية: ص 78-79).
الموقف الثالث: عن يعقوب بن جعفر الجعفري عن أبي إبراهيم موسى الكاظم (ع)، ذكر عنده قوم يزعمون أنَّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا.
فقال (ع): "إنَّ الله تبارك وتعالى لا ينزل، ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج بل يحتاج إليه، وهو ذو الطول لا إلَه إلا هو العزيز الحكيم. أما قول الواصفين: إنه تبارك وتعالى ينزل! فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكل متحرك محتاج إلى من يحركه أو يتحرك به، فظن بالله الظنون فهلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد فتحدوه بنقص أو زيادة أو تحرك أو زوال أو نهوض أو قعود، فإنَّ الله جلَّ عن صفة الواصفين ونعت الناعتين وتوهم المتوهمين" (التوحيد: ص 183).
وفي الكافي زاد في آخر الحديث: "وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين" (الكافي: ج 1 ص 125).
إنَّ هذه الفكرة كانت موجودة عند بعض المجسّمة وربما تصل إلى حد الخرافة في وصف الله تعالى؛ فهم يقولون انه ينزل على حمار بصورة شاب أمرد وما شاكل.. ومن جواب الإمام (ع) نلاحظ كيف رصد الانحراف في تصوِّر الله سبحانه وتعالى، وكيف وضع المسألة في نصابها التوحيدي بالدرجة التي جرَّدت الله سبحانه وتعالى عن كلِّ صفات الممكن ووجهت الناس أن لا يخوضوا في صفاته بما لا يملكون معرفته وعمقه بل إنَّ عليهم أن يصفوه بما وصف به نفسه فإنه أعرف بنفسه من مخلوقاته كلّها.
تصحيح بعض أفكار تلامذته من الوقوع في الغلو:
لقد كان أئمة أهل البيت (ع) ضد فكر الغلو والذي يراد به رفع مقامهم إلى مقامات لا يؤمنون بها، ومنها علمهم بالغيب.
نقل الكشّي عن محمد بن أبي عمير، عن ابن المغيرة قال: "كنت عند أبي الحسن [موسى] (ع) أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن (ع) فقال يحيى: جُعِلتُ فداك إنّهم يزعمون أنّك تعلم الغيب؟ فقال (ع): "سبحان الله، ضع يدك على رأسي، فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي إلا قامت". قال: ثمّ قال: "لا والله ما هي إلا رواية عن رسول الله (ص)". (رجال الكشي: حديث 530).
ومما يؤكد ذلك، الخبر المروي عن أبي عمرو عن حمدوية قال: حدّثنا يعقوب عن ابن أبي عمير عن شعيب عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع) إنّهم يقولون، قال: "وما يقولون؟" قلت: يقولون: تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر وعدد التراب. فرفع (ع) يده إلى السماء وقال: "سبحان الله، سبحان الله، لا والله ما يعلم هذا إلا الله". (رجال الكشي: حديث 532).
فقوله (ع): "وما يقولون؟" يدلّ على عدم علمه (ع) بالغيب، بالإضافة إلى مضمون الرواية، وإلا لما صحَّ منه الاستفهام.
وجاء في نهج البلاغة، أنَّ امير المؤمنين (ع) كان يُخبر عن ملاحم تحدث بالبصرة: فقال له بعض أصحابه: لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ؟
فَضَحِكَ (ع) وَقَالَ لِلرَّجُلِ، وَكَانَ كَلْبِيًّا: "يَا أَخَا كَلْبٍ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ، وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَمَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} الْآيَةَ. فَيَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وَسَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ وَمَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَبًا أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقًا فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ" (نهج البلاغة: الخطبة 128)
يقول الفقيه الشّيخ جعفر السّبحاني: "فإنَّ العلم بالغيب في الكتاب العزيز هو العلم النّابع من الذّات -أي من ذات العالم- غير المُكتسَب من آخر، وهذا يختصّ بالله الواحد الأحد، وإليه يشير قوله سبحانه: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}". (الإيمان والكفر في الكتاب والسنة: ص 114).
ولهذا كان رافدهم (ع) القرآن والسنة النبوية المباركة، والتمسك بنصوص القرآن، وخاصة في قضايا العقيدة؛ لكي يبقى إيمان المسلم صحيحًا متوائمًا مع الواقع. وفي الموثق عن سَمَاعَةَ، عن أبي الحسن موسى (ع)، قال: قُلْتُ لَه: أكُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّه (ع)، أَوْ تَقُولُونَ فِيه؟ قَالَ: "بَلْ كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّه" (الكافي: ج 1 ص 62).
فالقرآن الكريم يشرِّع الأصول والقوانين، ويؤسِّس القواعد الكلِّية للأحكام والأخلاق والآداب، بل لكلِّ ما يتصل بعلوم الدين ومعارفه ومناهجه التربويّة والاجتماعيّة، والحديث يتناول تلك الأصول والقواعد فيفصّلها، ويوضِّح مبهماتها، ويحلّ متشابهاتها، ويبيِّن مجملاتها، مع ما تفرِّعه عليه، بحيث لم يدع ملاحظاً كليِّاً أو جزئيِّاً له صلة بالفرد أو المجتمع إلا وقد بيَّن حكمه وأرشد إليه بكلِّ دقّة وتفصيل، وبشكل يستحيل معه رفع اليد عن الحديث كليِّاً في فهم القرآن الكريم.
يقول الإمام موسى (ع): قَالَ النبي (ص): "إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل" (الكافي: ج 1 ص 32).
ولهذا جاء ولده الإمام الرضا (ع) ليبين سلوك أئمة أهل البيت (ع) فيقول، كما في الصحيح: "إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَاتُ مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ، كَذَّبْتُهَا" (الكافي: ج 1 ص 95-96؛ التوحيد: ص 110 ح 9؛ الوافي: ج 1 ص 378 ح 300).
تصحيح بعض الأدعية:
يجب علينا أن لا نأخذ كلَّ دعاء أخذًا مسلَّمًا، من دون تدقيق أو تمحيص؛ لأنَّ المشكلة هي أنَّ كتب الأدعية امتلأت بالكثير من الأدعية التي لا نعرف مصادرها؛ حتى أنَّ السيد رضي الدين ابن طاووس (رحمه الله) في الإقبال، كثيرًا ما يذكر جملة من الأدعية أنها وجدها في كتب قديمة؛ فيقول: وجدت في كتاب عتيق، وقل كذا، وادع كذا، وما إلى ذلك.. فيقبله الناس كما لو كان من مصدر معصوم في حين أنَّ الأدعية تمثل الثقافة الروحية التي تنطلق فيها المفاهيم الإسلامية. فعندما ندعو الله ونتحدث عنه وصفاته وعن النبي وصفاته وعن الإمام وصفاته، فذلك يمثّل بمجمله منظومة المفاهيم الإسلامية، وقد يقول بعض الناس عن الله أو الحديث عن أنبياء الله وأوليائه، أو الحديث عن بعض الخطوط الروحية والأخلاقية والفكرية بأنّها تمثل منهجً إسلاميًا في المفاهيم الإسلامية المتصلة بهذا الجانب أو ذاك.
ولذلك علينا أن لا نأخذ من الأدعية إلا ما ثبت لنا صحتها؛ من خلال موافقتها لكتاب الله، أو وردت عن النبي (ص) أو من الأئمة (ع) بشكل معتبر.
فكما أننا نوثق الأحكام الشرعية، ونناقش النصوص الواردة فيها، فكذلك الأدعية والزيارات بحاجة إلى توثيق وضبط، وأن نخضعه للدراسة العلمية حتى لا ينفذ إلينا مفهوم غير إسلامي من خلال تراث يتعنون على أنه تراث إسلامي ولكن لم يدقق انتماؤه إلى المصادر الأصلية للإسلام.
فعن عبد الله بن يحيى الكاهلي، قال: كَتَبتُ إلى أبِي الحَسَنِ الكاظِمِ (ع) في دُعاءٍ: (الحَمدُ للهِ مُنتَهى عِلمِهِ)؟ فَكَتَبَ (ع) إلَيَّ: "لا تَقولَنَّ مُنتَهى عِلمِهِ؛ فَلَيسَ لِعِلمِهِ مُنتَهىً، ولكِن قُل: مُنتَهى رِضاهُ" (الكافي: ج 1 ص 107؛ التوحيد: ص 134).
فكم هي دقيقة هذه الملاحظة، ولعلّنا ندعو دائمًا فنقول: "الحمد لله منتهى علمه" غير عارفين أنَّ ذلك يجعل علم الله محدَّدًا فيما بين البداية والنهاية، والحال أنَّ علم الله لا نهاية له؛ لأنه العلم اللامحدود، لقوله في محكم كتابه: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}.
فينبغي أن نقول: "منتهى رضاه"؛ لأنَّ رضاه يتصل بالمخلوقين في درجات تتحرك حتى تبلغ منتهاها ولا يتعلّق ذلك في ذاته وفي صفته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق