الثلاثاء، 27 مايو 2025


 

فلسفة الركن اليماني والمستجار والملتزم

` الركن اليماني:

ويظهر من الأخبار أنّ الركن اليماني له منزلة خاصة عند الأئمة (عليهم السلام)، وأنّ هذا الركن " باب من أبواب الجنة لم يغلقه الله منذ فتحه " (الكافي: ج 4 ص 403 ب 123 ح 13)..

وفي تعبير آخر: " بابنا إلى الجنة الذي منه ندخل " (الكافي: ج 4 ص 403 ب 123 ح 13).

وإنّ هذا الركن له اختصاص بالأئمة وشيعتهم، يقول الإمام الصادق (ع): "الركن اليماني على باب من أبواب الجنّة، مفتوح لشيعة آل محمّد مسدود عن غيرهم، وما مؤمن يدعو بدعاء عنده إلاّ صعد دعاؤه حتى يلصق بالعرش ما بينه وبين الله حجاب" (الكافي: ج 4 ص 403 ب 123 ح 13).

وفي فقه الرضا (ع): " فإذا بلغت الركن اليماني فاستلمه، فإنّ فيه باباً من أبواب الجنة لم يُغلق منذ فُتح، وتشير منه إلى زاوية المسجد مقابل هذا الركن وتقول: أصلي عليك يا رسول الله " (فقه الرضا: ص 27).

ولقد اكتسى هذا المكان شرفاً حيث " دفن ما بين الركن اليماني والحجر الأسود سبعون نبياً " (الكافي: ج 4 ص 213 ب 8 ح 10).

يقول معاوية بن عمار: رأيت العبد الصالح -يقصد الإمام الكاظم (ع)- (ع) دخل الكعبة فصلّى ركعتين على الرخامة الحمراء، ثم قام فاستقبل الحائط بين الركن اليماني والغربي فوقع يده عليه ولزق به ودعا، ثم تحوّل إلى الركن اليماني فلصق به ودعا، ثم أتى الركن الغربي، ثم خرج (الكافي: ج 4 ص 529 ح 5).

ويقول الباقر (ع): " كان رسول الله (ص) لا يستلم إلا الركن الأسود واليماني، ثم يقبلهما ويضع خده عليهما، ورأيت أبي يفعله " (الكافي: ج 4 ص 408 ح 8).

ويقول الربيع بن خيثم: شهدت أبا عبد الله (ع) وهو يطاف به حول الكعبة في محمل وهو شديد المرض، فكان كلما بلغ الركن اليماني أمرهم فوضعوه بالأرض، فأخرج يده من كوّة المحمل حتى يجرّها على الأرض، ثم يقول: "ارفعوني". فلمّا فعل ذلك مراراً في كل شوط قلت له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إنّ هذا يشق عليك!

فقال: "إني سمعت الله عز وجل يقول: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾".

فقلت: منافع الدنيا أو منافع الآخرة ؟

فقال : "الكل" (الكافي: ج 4 ص 422 ح 1).

` المستجار:

وهو الباب الغربي في ظهر الكعبة، الذي قد بناه إبراهيم (ع)، وهدمته قريش حينما جددت بناءها. ومكان هذا الباب قريب من الملتزم، وتتحد آدابه وخصائصه معه، وهو السبب في اتحاد الملتزم والمستجار في ألسنة المحدّثين والفقهاء.

يقول الإمام الصادق (ع): " إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخّر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل فابسط يديك على البيت، والصق بدنك (بطنك) وخدّك بالبيت وقل: اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ وَالْعَبْدُ عَبْدُكَ وَهَذَا مَكَانُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ، ثم أقرّ لربك بما عملت، فإنّه ليس من عبد مؤمن يقرّ لربه بذنوبه في هذا المكان إلاّ غفر الله له إن شاء الله؛ فإنّ أبا عبد الله (ع) قال لغلمانه: أميطوا عني حتى اُقرّ لربي بما عملت: اللَّهُمَّ مِنْ قِبَلِكَ الرَّوْحُ وَالْفَرَجُ وَالْعَافِيَةُ، اللَّهُمَّ إِنَّ عَمَلِي ضَعِيفٌ فَضَاعِفْهُ لِي، وَاغْفِرْ لِي مَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنِّي، وَخَفِيَ عَلَى خَلْقِكَ. وتستجير بالله من النار وتختار لنفسك من الدعاء " (الكافي: ج 4 ص 405 ب 124 ح 5).

يقول الإمام الصادق (ع) ـ في حديث ـ: "فإذا انتهيت إلى مؤخّر الكعبة وهو المستجار دون الركن اليماني بقليل " (وسائل الشيعة: ج 13 ص 347 أبواب الطواف ب 26 ح 9).

ويسمى المستجار أيضاً بالمتعوذ، يقول الإمام الصادق (ع): " إذا كنت في الطواف السابع فأتِ المتعوّذ، وهو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب " (م.س: ج 13 ص 344 أبواب الطواف ب 26 ح 1).

` الملتزم:

الذي يظهر من النصوص الشرعية أنّ الملتزم والمستجار موضعان، وليس موضعاً واحداً (وسائل الشيعة: ج 13 ص 344 ـ 349 أبواب الطواف ب 26 ح 4، 5، 6، 9، 10).

وربما يسمى الحطيم أيضاً، قال الإمام الصادق (ع): " إن تهيأ لك أن تصلي صلاتك كلها الفرائض وغيرها عند الحطيم فافعل، فإنّه أفضل بقعة على وجه الأرض، والحطيم ما بين باب البيت والحجر الأسود، وهو الموضع الذي تاب الله فيه على آدم " (م.س: ج 5 ص 275 أبواب أحكام المساجد ب 53 ح 7).

وفي بعض الروايات أنّ المكان الذي أقرّ آدم بتوبته هو الملتزم، يقول الإمام الصادق (ع): " لما طاف آدم بالبيت وانتهى إلى الملتزم قال له جبرئيل: يا آدم أقرّ لربك بذنوبك في هذا المكان ـ إلى أن قال: ـ فأوحى الله إليه يا آدم قد غفرت لك ذنبك " (م.س: ج 13 ص 346 أبواب الطواف ب 26 ح 6).

ويقول معاوية بن عمّار: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحطيم ؟

فقال: " ما بين الحجر الأسود وبين الباب ".

وسألته لم سميّ الحطيم؟

فقال: " لأنّ الناس يحطم بعضهم بعضاً هناك " (م.س: ج 5 ص 274 أبواب أحكام المساجد ب 53 ح 6).

يقول الإمام الصادق (ع): " إنّ علي بن الحسين (ع) إذا أتى الملتزم قال: اللهم إنّ عندي أفواجاً من ذنوب، وأفواجاً من خطايا، وعندك أفواج من رحمة، وأفواج من مغفرة، يا من استجـاب لأبغض خلقه إليه إذ قال ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ استجب لي " (بحار الأنوار: ج 96 ص 196).

يقول معاوية بن عمّار: أنّه ـ أي الإمام الصادق (ع) ـ كان إذا انتهى إلى الملتزم قال لمواليه: " أميطوا عني حتى أقرّ لربي بذنوبي في هذا المكان، فإنّ هذا مكان لم يقر عبد لربه بذنوبه ثم استغفر إلاّ غفر الله له " (وسائل الشيعة: ج 13 ص 346 أبواب الطواف ب 26 ح 5).

ويقول عبد الله بن المغيرة: كنت واقفياً، وحججت على ذلك، فلمّا صرت بمكة اختلج في صدري شيء، فتعلقت بالملتزم، ثم قلت: اللهم قد علمت طلبتي وإرادتي فأرشدني إلى خير الأديان، فوقع في نفسي أن آتي الرضا (ع)، فأتيت المدينة، فوقفت ببابه فقلت للغلام: قل لمولاك رجل من أهل العراق بالباب، فسمعت نداءه (ع) وهو يقول: " ادخل يا عبد الله بن المغيرة "، فدخلت، فلمّا نظر إليّ فقال: " قد أجاب الله دعوتك وهداك لدينه "، فقلت: أشهد أنـّك حجة الله وأمين الله على خلقه (بحار الأنوار: ج 49 ص 39).

واخلص نيتك أيها الحاج -في هذا المكان- لطلب القرب حباً وشوقاً للبيت ولرب البيت وتبركاً بالمماسة، ورجاء للتحصن عن النار، وليكن تعلقك بالستر هو تعلق المُلِحّ في طلب المغفرة وسؤال الأمان، كالمذنب المتعلق بثوب من أذنب إليه وأنه لا يفارق ذيله إلاّ بالعفو وبذل الطاعة في المستقبل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  الإمام المهدي الغائب الشاهد المهدوية ودلالاتها الحضارية مقدّمة ليست قضية الإمام المهدي مسألةً هامشية في الوعي الإسلامي، ولا فكرةً أس...