الصلة بين رؤيتين
(صلة الرحم والعمل التطوعي)
التواصل مبدأ حيوي وضروري وهام، لا يُستغنى عنه؛ به يتم التفاعل والتفاهم
بين البشر، وهو الوسيلة الذي تنتقل منه الأفكار والمشاعر والآراء من شخص إلى آخر
أو إلى جماعة أخرى.
فالتواصل، في حقيقته، علاقة مباشرة بالآخرين؛ إنّها علاقة إنسانية وجدانية
إنها علاقة الوجود، مع طبيعتها عاطفية أكثر منها ذرائعية.
ويمكن أن نجمل التواصل في ما يلي:
1.
إنّ التواصل يقوم على الصلة والعلاقة
بينك وبين من تتصل به.
2.
يقتضي من التواصل البلاغ، وهو:
توصيل ما تريده إلى الآخرين بصورة صحيحة.
3.
إنّ التواصل يعني الاتحاد وهو
الاتفاق والانسجام مع الآخرين.
وفي اللغة العربية يفيد التواصل: الاقتران، والاتصال، والصلة، والترابط،
والالتئام، والجمع، والإبلاغ، والانتهاء، والإعلام.
ويشبِّه الدكتور إبراهيم الفقي عملية الاتصال تشبيهاً رائعاً يقول: "الاتصال
كالوميض، مهما كان الليل مظلماً فهو يضيء أمامك الطريق دائماً".
فالإنسانية هي صلة بين الإنسان والآخر، فهو بين أن يدخل في عقل الآخر
ليستقيم له عقله، أو يدخل في قلبه لينفتح له قلبه؛ فلا يعيش أحدنا إنسانيته إلا في
إنسانية الآخر.. وفيه يتجلى روح الاتصال؛ فهو فن بناء العلاقات القوية مع الآخرين،
والقدرة على إقناعهم
والتأثير فيهم لتوجيههم
للنافع المفيد.
والإسلام يؤكد أن تكون ممارساتنا قائمة على منهاجه، في العناوين التي
تعالج حركة علاقاتنا الإنسانية في الحياة، بالتوجيه والإرشاد، من خلال الأخوّة
الإيمانية أو من خلال الصداقة الشخصية، أو من خلال العلاقة الإنسانية، كما جاء عن
الإمام علي بن أبى طالب (ع) في عهده لمالك الأشتر عندما قال له بأنّ الناس "صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ
لَكَ فِي الْخَلْقِ..، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي
تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ".
فالمبدأ في الإسلام هو التواصل لا التقاطع، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}. وعملية التواصل بين الإنسان والآخر يمكن لها أن
تسدَّ الثغرات بين بني البشر أفراداً وجماعات، ويعمِّق عملية فهم لكلِّ طرف
بالنسبة للآخر، فيتطلع إلى تفكيره، ويدرك أبعاد مبادئه، وأحلامه، وتطلّعاته.
ولقد كان العرب قبل الإسلام يعيشون الجهل والتخلف والعصبيات الضيقة، كما
عبر عن ذلك جعفر بن أبي طالب: "أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ
نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ
الْأَرْحَامَ... فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا
مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى
اللهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ
وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ
وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ".
صلة الرحم:
الصلة والتواصل معنى وسيع.
وكذلك الرحم معنى وسيع.
ففي حسنة جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله جلَّ
ذكره: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ
وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، قال: "هي أرحام الناس، إنَّ الله عزَّ وجلَّ أمر بصلتها وعظّمها،
ألا ترى أنّه جعلها منه". أي قرنها باسمه في الأمر بالتقوى.
ومن يطَّلع على حجم ونوعية الأحاديث والآيات في هذا الصدد، يسأل: لماذا
أعطى الله لصلة الرحم كلَّ هذه الأهميّة؟ ولماذا عزَّز دعوات صلة الرحم بمحفِّزات عديدة
من الثواب يحصل عليه من يصل رحمه، وعقوبات لمن يقطعه؟!
فالواصل للرّحم بشِّر بالمكانة الرفيعة، ففي الصحيح عن الصادق (ع): "صِلةَ الرَّحم تُهِّون الحسابَ يوم القيامة، وهي مَنْسأةٌ
في العمر، وتقي مصارع السوء". "إنّ في الجنة درجة لا يبلغها
إلا إمام عادل أو ذو رحم وصول أو ذو عيال صبور".
أما القاطع لرحمه، فيكفي أنَّ القرآن يصنّفه في خانة المفسدين في الأرض،
ويجعله ممن يستحق الطرد والإبعاد من رحمة الله: {فَهَلْ
عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى
أَبْصَارَهُمْ}.
فلماذا ركَّز القرآن عليها؟
لقد خلق الله الرحم، وشق لها اسماً من اسمه، ووعد الله عز وجل بوصل من
وصلها، وقطع من قطعها.. فمن وصله الرحيم وصله كلُّ خير، ولم يقطعه أحد. فصلة الرحم
مدعاة لرفعة الواصل، والذكر الجميل، وشيوع المحبة، وعزة المتواصلين.
وصلة الرحم تقوِّي المودة، وتزيد المحبة، وتتوثق عرى القرابة، وتزيل
العداوة والشحناء.
وفيها: التعارف، والتواصل، والشعور بالسعادة.
فالرحيم على عباده، جعل من صلة الرحم وسيلةً تجعل الإنسان يُحتضَن، فلا
يعيش وحيداً بما تعنيه الوحدة والعزلة..
ولقد عرف الله أنَّ هذا المخلوق سيمر بلحظات ضعفٍ ووهن، وستمر عليه ضغوط
وظروف صعبة، وسيحتاج إلى من يكون بقربه ومن يقف معه، فيتأثر ويؤثر، ويساعد
ويُساعَد، ويَدعَم ويُدعَم، ويزور ويُزار...
فالله يدرك كم أنَّ الحياة من دون هذا التواصل، تصبح جافة ومملة وقاسية وبلا
معنى.. وشاء الله أن تكون دائرة هذه العلاقة فريدة بين كلِّ النظم وأنواع العلاقات
التي تحكم حياة الإنسان؛ إنها نوع من التواصل الذي له بعد آخر غير بعد الجغرافيا،
كالجيران مثلاً، أو بعد الدين والمذهب..
قصة وعبرة:
يقول الإمام الباقر (ع): "أَيُّمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى
ذِي رَحِمَ فَلْيَدْنُ مِنْهُ فَلْيَمَسّهُ فَإِنّ الرّحِمَ إِذَا مُسّتْ سَكَنَتْ".
ويحدثنا حفيده
موسى الكاظم (ع) عن موقف له مع الخليفة هارون الرشيد، قال (ع): "لما دخلت على الرشيد سلمت عليه فرد عليّ
السلام، ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتان يجبى إليهما الخراج؟
فقلت:
يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك وتقبل الباطل من أعدائنا علينا
فقد علمت أنّه قد كُذّب علينا منذ قُبض رسول الله (ص) بما علْمُ ذلك عندك، فإن
رأيتَ بقرابتك من رسول الله (ص) أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن
جدي رسول الله (ص).
فقال:
قد أذنت لك.
فقلت:
أخبرني أبي عن آبائه عن جدي رسول الله (ص) أنّه قال: إنّ الرحم إذا مست الرحم
تحركت واضطربت فناولني يدك.
فقال:
ادْنُ.
فأخذ
بيدي ثم جذبني إلى نفسه، وعانقني طويلا ثم تركني، وقال: اجلس يا موسى فليس عليك
بأس. فنظرت إليه فإذا أنّه قد دمعت عيناه فرجعت إلي نفسي.
فقال:
صدقت وصدق جدك (ص) لقد تحرك دمي، واضطربت عروقي حتى غلبت عليّ الرقة، وفاضت عيناي".
وهي بذلك تمثل قمة الإنسانية، وقمة التراحم الإنساني. لهذا، ليس غريباً أن
يعزِّز الإسلام صلة الرَّحم، ويدعمها بالأجر والثواب، لترتفع فوق الأنانيات
والمصالح الشخصية. فالتضحية بين الأرحام هي الأساس، وهذا ما تعنيه الصلة.
العمل التطوعي:
يعتبر العمل التطوعي أحد صور التكافل الاجتماعي، والذي هو عنوان يراد منه
التحام الأفراد فيما بينهم في إطار من الود والرحمة، يشد بعضهم بعضاً، كما يقول
الحديث الشريف: "الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ
كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً".
ويتألق العمل التطوعي في مجموعة التكافل المعنوي ليصبح مرآة تعكس أحاسيس
المجتمع أفراداً وأمة، يدعو من خلالها إلى التضامن والاتحاد، ويحذّر من التصدّع
والانهيار الذي يولّده الصراع والاختلاف وتعدد الوجهات ومحاولات التغلب، وهو داء
الجماعة في كل زمان ومكان.
مفهوم العمل التطوعي:
التطوع في اللغة هو: تكلف الطاعة، ويستعمل بمعنى النفل أو الزيادة على
الواجب، ويتجلى في مادة التطوع معنى الاستجابة، والسلاسة، واللين. وتطلق كلمة
المتطوعين في العادة على الذين يتبرعون بالجهاد والغزو من تلقاء أنفسهم، دون أن
يدعوهم الإمام أو السلطان لذلك بالتعيين.
وإن غاب مصطلح (العمل التطوعي) في قاموس النصوص الإسلامية إلا أنّه متفاعل
في كثير من المفردات (الإيثار، والبر، والجود، والمحبة، والإحسان، والحقوق،
والخدمة...).
و(التطوع) مفردة من مفردات خلق القرآن، وصفة من صفات أهل الإيمان، وفضيلة
من الفضائل التي أرشد إليها هدي الرسول (ص): {وَعَلَى
الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا
فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
ويطلق التطوع على الأعمال والعبادات التي يحبذها الشرع دون أن يعتبرها
فرضاً واجباً على المكلف، {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا
فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}. أي من زاد على المقدار الواجب.
أمّا على الصعيد الاجتماعي فيقصد من التطوع: بذل منافع النفس مجاناً في
خدمة الآخرين. سواء كان علماً، أم مالاً، أم بدناً في خدمة الناس... سواء كان
البذل من المتطِّوع نفسه أم كان واسطة بين الباذل والمبذول له.
فالتطوع مفهوم واسع وشامل في الإسلام تتضاءل معه لغة الأرقام كلها؛ لأنها
ستكون في رحاب لطف الله عز وجل: "يَا مِن الْكَرْمُ مِنْ صِفَةِ
أَفْعَالِهِ، وَالْكَرِيمُ مِنْ أَجْلِ أَسْمَائِهِ".
دوافع العمل التطوعي:
يعتبر العمل التطوعي رافداً من روافد اتجاهات الدفاع الاجتماعي، يتعهد
باستنهاض حالة الدفاع بشكليه الفردي والعام ضد حالات الانحراف والانزواء، فيقوم
بتوفير وترسيخ وتقوية الأمن الاجتماعي، ومواجهة المخاطر التي تؤثر عليه.
فالجريمة أساساً لا تنشأ من لا شيء، كما أنّ الطبع الإنساني ليس طبعاً
مجرماً بالأصل، أو ذا نزعة عدوانية؛ بحيث تؤدي هذه النزعة إلى دفعه باتجاه اختراق
الأمن الاجتماعي. وإنما تتفاعل جملة من العوامل النفسية والاجتماعية والقانونية
على تشجيع إرادة هذا الإنسان على عدم الاعتناء بالحقوق الاجتماعية…
ويعتبر الفقر الاقتصادي أحد العوامل الأساسية التي تعمل على إيجاد هذا
التعدي على الحق، فتشكل بذلك مصادر الخطر على الأمن الاجتماعي.
ويتفاقم ذلك الأثر في كل مجتمع يتمايز فيه الطبقية بشكل متنافر، فيهدد
حينئذ القواعد الاجتماعية بصورة فظيعة. يقول علي (ع): "اضْرِبْ
بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا فَقِيراً
يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً".
وهذا النص يوضح: أن نكون متأملين اجتماعيين، لا أن نذهب بتأملنا في مجردات
فكرية محضة ينسى الفرد معها آلام المجتمع واهتزازته.
أكدّ الإسلام على تفاعل الزكاة والخمس في حركة المجتمع، وما ذلك إلا تشريع
لإزاحة الفقر والمسكنة وآثارهما المدمرة.. يقول الإمام الصادق (ع): "خَمْسُ خِصَالٍ مَنْ فَقَدَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ لَمْ
يَزَلْ نَاقِصَ الْعَيْشِ، زَائِلَ الْعَقْلِ، مَشْغُولَ الْقَلْبِ، فَأَوَّلُهَا
صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَالثَّانِيَةُ الْأَمْنِ، وَالثَّالِثَةُ السَّعَةُ فِي
الرِّزْقِ..." فكيف بمن لا رزق له ولا عائل!!
وربما أكثر الأخطار التي يستتبعها الفقر هو الانزواء بأشكاله:
1- الانزواء الفكري والثقافي: ولهذا تنتشر الأمية بصورة واضحة في أوساط
الفقراء.
2- الانزواء الاجتماعي: فالفقير "تَقْتَحِمُهُ
الْعُيُونُ وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ" -على حد تعبير علي (ع)-؛ لأنّ "الْفَقْرَ يُنْسِي" و"الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ"، و"لا يسمع كلامه، ولا يعرف مقامه" مما
يمنعه عن التكيف الاجتماعي والحضور الفاعل في المجتمع...
3- الانزواء السياسي: يقول أمير المؤمنين (ع): "الْفَقِيرُ
حَقِيرٌ، لَا يُسْمَعُ كَلَامُهُ، وَلَا يُعْرَفُ مَقَامُهُ" ← فقد المنزلة الاجتماعية،
وإنكار الكرامة الشخصية، وعدم الاعتداد بكلامه وطلبه لحقوقه.
4- الانزواء الحقوقي: يقول أمير المؤمنين: "الْفَقْرُ
يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ".
من أجل هذا كلّه نهج الإسلام برسم طريق الفضيلة والخير للمسلمين في أكثر
من منهج، وبرز العمل التطوعي؛ ليكون رافداً مهماً لمقاومة هذه المز الق الحادة،
يقول الإمام الصادق (ع): "وَلْيُعِنْ بَعْضُكُمْ
بَعْضاً، فَإِنَّ أَبَانَا رَسُولَ اللهِ (ص) كَانَ يَقُولُ: إِنَّ مُعَاوَنَةَ
الْمُسْلِمِ خَيْرٌ، وَأَعْظَمُ أَجْراً مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَاعْتِكَافِهِ فِي
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ".
وقد أكدت على ذلك التوصيات الإسلامية:
يقول (ص): "مَنْ مَشَى بِصَدَقَةٍ إِلَى
مُحْتَاجٍ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ صَاحِبِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ
أَجْرِهِ شَيْئاً".
يقول الصادق (ع): "لَوْ جَرَى
الْمَعْرُوفُ عَلَى ثَمَانِينَ كَفّاً لَأُجِرُوا كُلُّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ
يَنْقُصَ عَنْ صَاحِبِه مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً". يوسع دائرة الثواب
لتشمل أكثر من واحد ولو تعدد الوسطاء بين الغني والفقير.
وربما هذا الاستغراب من العدد (ثمانين) سيزول لو لاحظنا ما جاء عن النبي
الكريم (ص) حيث يقول: "مَنْ تَصَدَّقَ
بِصَدَقَةٍ عَنْ رَجُلٍ إِلَى مِسْكِينٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، وَلَوْ
تَدَاوَلَهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ إِنْسَانٍ ثُمَّ وَصَلَتْ إِلَى الْمِسْكِينِ
كَانَ لَهُمْ أَجْرٌ كَامِلٌ. وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ
اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ".
ويقول (ع): "مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ
أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ يَطْلُبُ بِذَلِكَ مَا عِنْدَ اللهِ حَتَّى تُقْضَى لَهُ، كَتَبَ
اللهُ عَزَّ وَجَل لَهُ بِذَلِكَ مِثْلَ أَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ
مَبْرُورَتَيْنِ وَصَوْمِ شَهْرَيْنِ مِنْ أَشْهُرِ الْحُرُمِ وَاعْتِكَافِهِمَا
فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَنْ مَشَى فِيهَا بِنِيَّةٍ وَلَمْ تُقْضَى،
كَتَبَ اللهُ لَهُ بِذَلِكَ مِثْلَ حَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ. فَارْغَبُوا فِي
الْخَيْرِ".
ويقول الباقر (ع): "وَاللهِ، لَئِنْ
أَعُولَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَسُدَّ جَوْعَتَهُمْ، وَأَكْسُوَ
عَوْرَتَهُمْ، فَأَكُفَّ وُجُوهَهُمْ عَنِ النَّاسِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
أَحُجَّ حَجَّةً وَحَجَّةً وَمِثْلَهَا وَمِثْلَهَا (حَتَّى بَلَغَ عَشْراً)،
وَمِثْلَهَا وَمِثْلَهَا (حَتَّى بَلَغَ السَّبْعِينَ)".
ونلاحظهم (ع) كانوا يثقفون شيعتهم على مقاطعة الظالم، ولكنَّهم كان يشجعون
أحياناً بعض أصحابهم على الدخول في الحكم من أجل أن يقضوا حوائج النَّاس ويدفعوا
عنهم الظلم. وقد ورد عن الكاظم (ع) أنَّه قال: "كَفَّارَةُ
عَمَلِ السُّلْطَانِ قَضَاءُ حَوَائِجِ الْإِخْوَانِ".
آثار العمل التطوعي:
1.
العمل التطوعي دافع أساسي من دوافع التنمية بمفهومها
الشامل اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً، ودليل ساطع على حيوية المجتمع
واستعداد أفراده للتفاني والتضحية..
2.
يقوم العمل التطوعي بتوفير عناصر الاطمئنان والقوة في
الحالات الطارئة للمجتمع، وحدوث المشاكل والمخاطر، التي لا نستطيع مواجهتها
بإمكانيات ذاتية، من دون توفير الدعم والمساندة من الجميع ففي الآية: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ
ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا
قَوْلاً سَدِيدًا}.. فإذا كنت مهتماً بمستقبل أبنائك الصغار من بعدك،
فاجتهد في إقرار نظام تكافل اجتماعي، لحمايتهم، وخدمة مصالحهم، وذلك خير ضمانة
لأطفالك، لو احتاجوا إلى الحماية والرعاية لا قدّر الله.
3.
في قوله تعالى {فَمَنْ
تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} إشارة إلى فائدة نفسية كبيرة
للمتطوع، فقد وجد العلماء أنّ من يقوم بالأعمال التطوعية أشخاص نذروا أنفسهم
لمساعدة الآخرين بطبعهم واختيارهم بهدف خدمة المجتمع الذي يعيشون فيه، ولكنّ
التطوع كعمل خيري هو وسيلة لراحة النفس والشعور بالاعتزاز والثقة بالنفس عند من
يتطوع؛ لأنه فعالية تقوّي عند الأفراد الرغبة بالحياة والثقة بالمستقبل حتى أنه
يمكن استخدام العمل التطوعي لمعالجة الأفراد المصابين بالاكتئاب والضيق النفسي
والملل؛ لأنّ التطوع في أعمال خيرية للمجتمع يساعد هؤلاء المرضى في تجاوز محنتهم
الشخصية والتسامي نحو خير يمس محيط الشخص وعلاقاته، ليشعروا بأهميتهم ودورهم في
تقدم المجتمع الذي يعيشون فيه؛ مما يعطيهم الأمل بحياة جديدة أسعد حالاً.
4.
توظيف الطاقات في العمل التطوعي ينمّي عند الإنسان قدرات
ذهنية ومهارات ومؤهلات سلوكية، تزيد من نقاط قوة شخصيته، حيث يكسبه الخبرة
والتجربة، ويجعله أكثر معرفة وإحاطة بواقع المجتمع الذي يعيش ضمنه، والظروف التي
تكتنفه. وجاهزيته للاعتماد على جهود أفراده وجماعاته وموارده المتاحة. وهو بالتالي
مساهمة في تحقيق النصر الاجتماعي.
5.
توصلت بعض الدراسات بمركز دراسات الأسرة بجامعة روك
بأميركا إلى أنّ الفرد عندما يتوقف عن العمل، فإنّ كميات الطاقة الكبيرة التي كان
يبذلها يومياً
تتعطل ولا تجد مخرجاً
لها وهي في الوقت نفسه لا تندثر أو تتوارى، فإذا عجز الإنسان عن استثمار هذه الطاقة المعطلة فإنّ ذلك
سيؤدي إلى الاضطرابات العصبية والنفسية والعاطفية والخلافات الاجتماعية.. ومن هؤلاء الذين
يتقاعدون أو يقضون فترة معاشهم جالسين على مقاعدهم دون عمل سيجدون أجسادهم قد بدأت
في الضمور وأنّ صحتهم قد بدأت في
التدهور. وذلك بسبب
الإحساس بعدم الفائدة أو القيمة أو لأنهم انتقلوا من مرتبة أعلى إلى أقل وبعد ذلك كانت لهم السلطة
والكلمة في عملهم.
6.
الإنسان المؤمن يدفعه التطوع لخدمة الناس تطلعه إلى ثواب
الله تعالى وجزائه، حيث تؤكد النصوص الدينية، على أن خدمة الناس والسعي في قضاء
حوائجهم، هو من أفضل الأعمال التي تقرّب الإنسان إلى ربه، وتوجب له المزيد من
ثوابه ورضوانه.
ففي الصحيح عن الكاظم (ع): "هَذَا مَا
أَوْصَى بِهِ وَقَضَى فِي مَالِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ
لِيُولِجَنِي بِهِ الْجَنَّةَ، وَيَصْرِفَنِي بِهِ عَنِ النَّارِ، وَيَصْرِفَ
النَّارَ عَنِّي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ إِنَّ مَا كَانَ
لِي مِنْ مَالٍ بِيَنْبُعَ، مِنْ مَالٍ يُعْرَفُ لِي فِيهَا وَمَا حَوْلَهَا
صَدَقَةٌ...".
مقترحات لتطوير العمل التطوعي:
1.
نحن بحاجة إلى تطوير الخطاب التطوعي لحث مشاركة الناس في
المشاركة في العمل التطوعي. (فن مخاطبة الناس وتحفيزهم لفعل الخير).. ومن هنا أنبه
إلى ما يصرف في محرم الحرام من مبالغ طائلة قد يذهب القسم الكبير منها هدراً
لاقتصار أصحاب المآتم على الطبخ وتوزيع المأكولات المختلفة، بينما لا نرى من يوزع
كتاباً تربوياً أو فلماً ثقافياً أو أي شكل من أشكال التنمية وهذا يتطلب منا إنشاء
مؤسسة باسم الإمام الحسين تعنى بجمع الأموال وصرفها في مواردها التنموية التي تعود بالنفع على المجتمع.
2.
أن تضم البرامج الدراسية للمؤسسات التعليمية المختلفة
بعض المقررات الدراسية التي تركز على مفاهيم العمل الاجتماعي التطوعي وأهميته
ودوره التنموي ويقترن ذلك ببعض البرامج التطبيقية؛ مما يثبت هذه القيمة في نفوس
الشباب مثل حملات تنظيف محيط المدرسة أو العناية بأشجار المدرسة أو خدمة البيئة.
3.
مطالبة وسائل الإعلام المختلفة بدور أكثر تأثيراً في
تعريف أفراد المجتمع بماهية العمل التطوعي ومدى حاجة المجتمع إليه وتبصيرهم
بأهميته ودوره في عملية التنمية، وكذلك إبراز دور العاملين في هذا المجال بطريقة
تكسبهم الاحترام الذاتي واحترام الآخرين
4.
كيف نربي أبناءنا على أعمال التطوع وحب العمل التطوعي
وذلك:
·
دع طفلك يراك متطوعاً.. وأشركه في ذلك.
·
علمه أن ينشغل دائماً بالخير لصالح نفسه والآخرين.
·
علمه التعاطف، والعطاء، والرحمة، والانتماء، وتقديم
العون للآخرين.
·
أشرك طفلك بمتابعة أحوال المسلمين حول العالم.
·
ناقشه دوماً في أنّ عليه واجباً وفرضا تجاه هذه الأمة.
5.
إقامة دورات تدريبية للعاملين في هذه الهيئات والمؤسسات
التطوعية مما يؤدي إلى إكسابهم الخبرات والمهارات المناسبة، ويساعد على زيادة
كفاءتهم في هذا النوع من العمل، وكذلك الاستفادة من تجارب الآخرين في هذا المجال.
6.
استخدام العمل التطوعي في المعالجة النفسية والصحية
والسلوكية لبعض المتعاطين للمخدرات والمدمنين أو العاطلين أو المنحرفين اجتماعياً.
والأسف كل الأسف تعترض طريق العمل التطوعي العديد من المعوقات والمثبّطات
في غالب بلدان ومجتمعات العالم الثالث، فالقوانين والأنظمة غير مشجعة، والروتين
السائد يضاعف العناء والمشقة، والمواقف السلبية التي يتخذها البعض من الناس تجاه
العاملين تسبب الإحباط والانزعاج.. بينما تتوفر أمام الراغبين في الخدمة العامة
للمجتمعات المتقدمة، كل وسائل التشجيع وأجواء التقدير والدعم.
إنّ التشكيك الذاتي -من قبل جماعات الضغط- على أعمال الجمعيات التطوعية،
وأنّها لا تؤذي وظيفتها بصورة شرعية. وهذا التشكيك أزلي -إن صح التعبير-.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ
إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ}.
وفي هذه الآية إشارة إلى الذين يحقرون كل عمل مفيد يخدم المجتمع وليحاولوا
إعاقته، وهم يختارون لإسقاطه من أعين الناس ونفي فائدته.. كل ذلك من أجل صرف الناس
عن عمل الخير والأعمال الحيرة النافعة، ومحاولة لإماتة الدافع والحافز لديهم لعمل
هذه الأعمال من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم سيستطيعون أن يزرعوا بذور سوء الظن في
أذهان المجتمع، وعن هذا الطريق سيوقفون عجلة الإبداع وتطور المجتمع، وبالتالي حمول
الناس وموت الفكر الخلاق الذي يموت المجتمع بموته.
ومن أجواء هذه الآية الكريمة تتضح لنا حقيقة ناصعة، وهي أن المسلمين في
المجتمع الإسلامي يجب أن يحسوا جميعاً بالمسؤولية تجاه المشاكل التي تعترض المجتمع
وتظهر فيه، ولا يلتفت إلى مقدار عطائه، فليس المعيار كثرة العطاء وقلته، بل
الإحساس بالمسؤولية والإخلاص في العمل. وقد سئل الرسول (ص): أي الصدقة أفضل؟ فقال:
"جهد المقل".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق