رسالة العقل للإمام موسى الكاظم (ع)
عن
هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر C: >يَا هِشَامُ، إِنَّ اللهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَشَّرَ أَهْلَ العَقْلِ وَالفَهْمِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}...<.
مقامات
أئمة أهل البيت G تنكشف من خلال كلماتهم وخطاباتهم.
وعندما
تصل محطتنا إلى إمامنا موسى بن جعفر D؛ نجد أن من أهم الروايات وأكثرها تفصيلاً هو وصية الإمام D لهشام بن الحكم.
في
هذه الوصية، نكتشف أسلوب الأئمة من أهل البيت G في حركة المعرفة التي يقدمونها للناس، فهم لا يطلقون الفكرة بشكل
ارتجالي أو بشكل بعيد عن القاعدة التي ترتكز عليها الفكرة، وإنما كانوا -كما نرى
في هذه الوصية- يثقفون الناس بالفكرة من خلال تقديم الآيات القرآنية التي تفتح
عقول الناس على المنهج القرآني في الاستدلال على حقائق العقيدة والحياة.
أولاً: الإطار المعرفي العام للرسالة:
(العقل بوصفه بنية تأسيسية للمعرفة والحياة)
رسالة
الإمام الكاظم (ع) ليست بياناً وعظياً، بل مشروع كامل يحدّد:
·
مصدر
المعرفة،
·
آلية
إنتاجها،
·
شروط
صحتها،
·
آثارها
الفردية والاجتماعية.
والعقل
هنا ليس:
·
مجرّد
أداة منطقية،
·
ولا قوة
تجريدية معزولة،
بل
قوة هادية، ومبدأ تنظيم، وشرط كرامة الإنسان.
ولهذا
يبدأ الإمام بالآية:
{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}؛
لأنها تؤسس لمنهج:
·
تعددية
معرفية (الاستماع لا الإلغاء)،
·
نقدية
عقلية (التمييز لا الاتباع الأعمى)،
·
انتقائية
واعية (اتباع الأحسن لا الأشهر).
ثانياً: التحليل الفلسفي:
(العقل كحجّة وجودية لا كأداة ذهنية)..
1 . العقل = حجّة
باطنية
قول
الإمام: >إنّ للهِ علَى النّاسِ حُجَّتَينِ:
حُجَّةٌ ظاهِرَةٌ وحُجَّةٌ باطِنَةٌ، فأمّا الظّاهِرَةُ فالرُّسُلُ والأنبياءُ والأئمّةُ
G، وأمّا الباطِنَةُ فالعُقولُ<.
وقال
أيضاً: «إنّ اللهَ تباركَ وتعالى أكمَلَ للنّاسِ الحُجَجَ
بِالعُقولِ<:
ويحمل
هذا دلالة فلسفية دقيقة:
·
الوحي لا
يلغي العقل بل يفترضه،
·
والعقل لا
يستغني عن الوحي بل يتهيأ به.
وهنا
نلمس:
·
رفض
النزعة النقلية الصمّاء،
·
ورفض
النزعة العقلانية المتعالية على الوحي.
فالعقل
في فكر الإمام (ع):
هو
شرط إمكان التكليف، وأساس المسؤولية، ومناط الثواب والعقاب.
2 . معيارية العقل
قوله
(ع): «إنّ اللهَ تباركَ وتعالى أكمَلَ للنّاسِ
الحُجَجَ بِالعُقولِ<.
أي:
بالعقل يُستدل على الأشياء، ولا يُستدل بالأشياء عليه، إذ لا سبيل لمعرفة العقل
إلا بالعقل
نفسه.
وهذه
عبارة فلسفية عميقة، تعني:
·
أنَّ
العقل مبدأ قبلي (a priori)،
·
لا
يُعرَّف بالموضوعات، بل تُفهم الموضوعات به.
وهذا
يضع الإمام في قلب:
·
فلسفة
المعرفة،
·
ونظرية
الإدراك،
قبل
تشكّلها الاصطلاحي بقرون.
ثالثاً: التحليل العلمي - المنهجي
(كيف يُنتج العقل المعرفة؟)...
1 . ثلاثية التفكير
العلمي
قول
الإمام (ع): >يا هِشامُ، إنّ لِكلِّ شيءٍ
دَليلًا ودَليلُ العَقلِ التَّفَكُّرُ، ودَليلُ التَّفَكُّرِ الصَّمتُ، ولِكُلِّ شيءٍ
مَطِيَّةٌ ومَطِيَّةُ العَقلِ التَّواضُعُ<.
وتمثل
هذه العبارة منهج بحث علمي متكامل:
|
المرحلة |
الدلالة
العلمية |
|
التفكر |
التحليل
– الفرض – المراجعة |
|
الصمت |
تقليل
الضجيج المعرفي – ضبط الاندفاع |
|
التواضع |
شرط
تصحيح الخطأ وقبول النقد |
وهو
عين ما تقوله اليوم:
·
فلسفة
العلم،
·
ومنهجيات
التفكير النقدي.
2 . العلم لا يُكتسب
بلا عقل
قول
الإمام (ع): >والعِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، والتَّعَلُّمُ
بِالعَقلِ يُعتَقَدُ (أي يشدّ ويستحكم)، ولا
عِلمَ إلّا مِن عالِمٍ ربّانيٍّ، ومَعرِفَةُ العِلمِ بِالعَقلِ<.
فالإمام
يضع شرطين:
1. منهجي: التعلم المنظم لا العفوي،
2. قيمي: الربانية لا مجرد التخصص.
وهذا
يسبق النقد الحديث لـ:
·
العلم
المنفصل عن القيم،
·
والمعرفة
بلا أخلاق.
رابعاً: التحليل الاجتماعي – الحضاري:
(العقل بوصفه شرط نهوض المجتمع)...
1 . نقد المجتمع
القطيعي
فالآيات
القرآنية التي استشهد بها الإمام في ذم:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا ...﴾.
تكشف
أنَّ:
·
تعطيل
العقل = إنتاج مجتمع مقلِّد،
·
والمجتمع
المقلِّد = مجتمع قابل للاستبداد والانحراف.
وهذا
ما يسميه الإمام اليوم: (الأكثريّة الصامتة)؛ وهي أخطر من الأقلية المنحرفة.
2 . رفض الإمَّعية:
قوله
(ع): >أبلِغْ خَيراً، وقُلْ خَيراً ولا تَكُن إمَّعَةً
... أي: لا تَقُلْ: أنا مَعَ النّاسِ، وأنا كَواحِدٍ مِن النّاسِ. إنّ رسولَ اللهِ
6 قالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنّما هُما نَجدانِ: نَجدُ
خَيرٍ ونَجدُ شَرٍّ، فلا يَكُن نَجدُ الشَّرِّ أحَبَّ إلَيكُم مِن نَجدِ الخَيرِ<.
هذه
ليست وصية أخلاقية فقط، بل:
·
موقف
سياسي - اجتماعي،
·
ضد
الذوبان في الرأي العام،
·
وضد
صناعة الوعي الزائف.
خامساً: التحليل النفسي - العلمي
(ما الذي يهدم العقل؟)...
الإمام
(ع) يحدّد ثلاثة مُفسدات معرفية كبرى:
1. طول الأمل
o يولّد التسويف،
o ويقتل الإلحاح الوجودي.
2. فضول الكلام
o يشتّت الطاقة الذهنية،
o ويُضعف الهيبة العلمية.
3. اتباع الشهوات
o يبدّل مركز القرار من العقل إلى الغريزة.
وهذا
يتقاطع بوضوح مع:
·
علم
النفس المعرفي،
·
ونظريات
ضبط الدافع والانتباه.
سادساً: العقل والزهد
(فلسفة الرغبة والاختيار)..
قول
الإمام: >يا هِشامُ، إنّ العُقَلاءَ زَهِدوا في الدُّنيا ورَغِبوا
في الآخِرَةِ؛ لأنَّهُم عَلِموا أنّ الدُّنيا طالِبَةٌ مَطلوبَةٌ والآخِرَةَ
طالِبَةٌ ومَطلوبَةٌ، فمَن طَلَبَ الآخِرَةَ طَلَبَتهُ الدُّنيا حتّى يَستَوفِيَ
مِنها رِزقَهُ، ومَن طَلَبَ الدُّنيا طَلَبَتهُ الآخِرَةُ فيَأتيهِ المَوتُ
فيُفسِدُ علَيهِ دُنياهُ وآخِرَتَهُ<.
وهو
ليس رفضاً للعالم، بل:
·
إعادة
ترتيب للأولويات،
·
وفهماً
عميقاً لقانون الفناء والبقاء.
فالعاقل
عند الإمام:
·
لا يترك
الدنيا،
·
ولا
تُسيطر عليه الدنيا.
وهذا
هو الزهد العقلي لا الزهد السلبي.
سابعاً: معيار النضج العقلي
(من هو
العاقل؟)...
وينقل
الإمام (ع) عن جده أمير المؤمنين (ع):
>يا هِشامُ، إنّ أميرَ المؤمنينَ D كانَ يَقولُ: إنَّ مِن عَلامَةِ العاقِلِ أن يَكونَ فيهِ ثَلاثُ خِصالٍ:
يُجِيبُ إذا سُئلَ، ويَنطِقُ إذا عَجَزَ القَومُ عَنِ الكَلامِ، ويَشيرُ بِالرّأيِ
الّذي يَكونُ فيهِ صَلاحُ أهلِهِ، فمَن لَم يَكُن فيهِ مِن هذهِ الخِصالِ الثَّلاثِ
شيءٌ فهُو أحمَقُ. إنّ أميرَ المؤمنينَ D
قالَ: لا يَجلِسُ في صَدرِ المَجلِسِ إلّا رجُلٌ فيهِ هذهِ الخِصالُ الثَّلاثُ أو
واحِدَةٌ مِنهُنَّ، فمَن لَم يَكُن فيهِ شَيءٌ مِنهُنَّ فجَلَسَ فهُوَ أحمَقُ<.
وهذه
ليست صفات ذكاء، بل:
·
صفات قيادة
معرفية،
·
وشروط
أهل الرأي العام.
ولهذا
قال: >لا يَجلِسُ في صَدرِ المَجلِسِ إلّا رجُلٌ فيهِ هذهِ
الخِصالُ...<.
أي:
لا شرعية للقيادة بلا عقل.
ثامناً: الثقة العقلية لا النفسية
>الجوزة واللؤلؤة<...
قوله
(ع): >يا هِشامُ، لَو كانَ في يَدِكَ جَوزَةٌ وقالَ
النّاسُ: في يَدِكَ لُؤلُؤَةٌ، ما كانَ يَنفَعُكَ وأنتَ تَعلَمُ أنَّها جَوزَةٌ، ولَو
كانَ في يَدِكَ لُؤلُؤَةٌ وقالَ النّاسُ: إنَّها جَوزَةٌ، ما ضَرَّكَ وأنتَ تَعلَمُ
أنَّها لُؤلُؤَةٌ<.
وهذا
المثال يقدّم:
·
نظرية في
الاستقلال المعرفي،
·
وتحرير
الذات من ضغط الجماعة.
وهو
ما جسّده الصحابي الجليل عمار بن ياسر، عندما أصبح هناك تراجع في جيش الإمام عليّ D في بعض مراحل الحرب، قال: >والله لو ضربونا حتى
يبلغوا بنا سعفات هجر، لعلمنا أنّا على حقّ وأنهم على باطل<.
خلاصة تركيبية كبرى
رسالة
العقل عند الإمام الكاظم:
·
ليست
دفاعاً عن العقل المجرد،
·
ولا دعوة
إلى العقل الأداتي،
·
بل بناء
إنسانٍ عاقلٍ، حرّ، مسؤول، ناقد، متوازن.
إنها:
·
نظرية في
حجية العقل،
·
ومنهج في
إنتاج العلم،
·
ورؤية في
بناء المجتمع،
·
وأخلاق
في إدارة الذات>
ولهذا
تبقى هذه الرسالة:
من
أعظم النصوص التأسيسية في الفلسفة الإسلامية الشيعية، وقابلة لأن تكون أساساً
لنظرية حضارية معاصرة في العقل والإنسان.
إضافة
إلى هذا:
فإنّ
أهمية رسالة العقل عند الإمام الكاظم -عليه السلام- لا تكمن فقط في مضمونها
العقلي، بل في كونها قراءة قرآنية عميقة لمفهوم العقل نفسه.
فهي:
·
تُعيد
العقل إلى موقعه القرآني الأصيل،
·
وتمنحه
شرعية ربانية،
·
وتجعله
أساسًا للعلم، والتكليف، والنهضة، وبناء الإنسان والمجتمع.
ولهذا
يمكن القول بدقة:
رسالة
العقل ليست شرحًا للعقل بالقرآن، بل هي كشفٌ عن العقل كما أراده القرآن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق