الثلاثاء، 13 يناير 2026

 

رسالة العقل للإمام موسى الكاظم (ع)

عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر C: >يَا هِشَامُ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَشَّرَ أَهْلَ العَقْلِ وَالفَهْمِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}...<.

مقامات أئمة أهل البيت G تنكشف من خلال كلماتهم وخطاباتهم.

وعندما تصل محطتنا إلى إمامنا موسى بن جعفر D؛ نجد أن من أهم الروايات وأكثرها تفصيلاً هو وصية الإمام D لهشام بن الحكم.

في هذه الوصية، نكتشف أسلوب الأئمة من أهل البيت G في حركة المعرفة التي يقدمونها للناس، فهم لا يطلقون الفكرة بشكل ارتجالي أو بشكل بعيد عن القاعدة التي ترتكز عليها الفكرة، وإنما كانوا -كما نرى في هذه الوصية- يثقفون الناس بالفكرة من خلال تقديم الآيات القرآنية التي تفتح عقول الناس على المنهج القرآني في الاستدلال على حقائق العقيدة والحياة.

أولاً: الإطار المعرفي العام للرسالة:

(العقل بوصفه بنية تأسيسية للمعرفة والحياة)

رسالة الإمام الكاظم (ع) ليست بياناً وعظياً، بل مشروع كامل يحدّد:

·      مصدر المعرفة،

·      آلية إنتاجها،

·      شروط صحتها،

·      آثارها الفردية والاجتماعية.

والعقل هنا ليس:

·      مجرّد أداة منطقية،

·      ولا قوة تجريدية معزولة،

بل قوة هادية، ومبدأ تنظيم، وشرط كرامة الإنسان.

ولهذا يبدأ الإمام بالآية:

{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}؛ لأنها تؤسس لمنهج:

·      تعددية معرفية (الاستماع لا الإلغاء)،

·      نقدية عقلية (التمييز لا الاتباع الأعمى)،

·      انتقائية واعية (اتباع الأحسن لا الأشهر).

ثانياً: التحليل الفلسفي:

(العقل كحجّة وجودية لا كأداة ذهنية)..

1 . العقل = حجّة باطنية

قول الإمام: >إنّ للهِ علَى النّاسِ حُجَّتَينِ: حُجَّةٌ ظاهِرَةٌ وحُجَّةٌ باطِنَةٌ، فأمّا الظّاهِرَةُ فالرُّسُلُ والأنبياءُ والأئمّةُ G، وأمّا الباطِنَةُ فالعُقولُ<.

وقال أيضاً: «إنّ اللهَ تباركَ وتعالى‏ أكمَلَ للنّاسِ الحُجَجَ بِالعُقولِ<:

ويحمل هذا دلالة فلسفية دقيقة:

·      الوحي لا يلغي العقل بل يفترضه،

·      والعقل لا يستغني عن الوحي بل يتهيأ به.

وهنا نلمس:

·      رفض النزعة النقلية الصمّاء،

·      ورفض النزعة العقلانية المتعالية على الوحي.

فالعقل في فكر الإمام (ع):

هو شرط إمكان التكليف، وأساس المسؤولية، ومناط الثواب والعقاب.

2 . معيارية العقل

قوله (ع): «إنّ اللهَ تباركَ وتعالى‏ أكمَلَ للنّاسِ الحُجَجَ بِالعُقولِ<.

أي: بالعقل يُستدل على الأشياء، ولا يُستدل بالأشياء عليه، إذ لا سبيل لمعرفة العقل إلا بالعقل نفسه.

وهذه عبارة فلسفية عميقة، تعني:

·      أنَّ العقل مبدأ قبلي (a priori)،

·      لا يُعرَّف بالموضوعات، بل تُفهم الموضوعات به.

وهذا يضع الإمام في قلب:

·      فلسفة المعرفة،

·      ونظرية الإدراك،

قبل تشكّلها الاصطلاحي بقرون.

ثالثاً: التحليل العلمي - المنهجي

(كيف يُنتج العقل المعرفة؟)...

1 . ثلاثية التفكير العلمي

قول الإمام (ع): >يا هِشامُ، إنّ لِكلِّ شيءٍ دَليلًا ودَليلُ العَقلِ التَّفَكُّرُ، ودَليلُ التَّفَكُّرِ الصَّمتُ، ولِكُلِّ شيءٍ مَطِيَّةٌ ومَطِيَّةُ العَقلِ التَّواضُعُ<.

وتمثل هذه العبارة منهج بحث علمي متكامل:

المرحلة

الدلالة العلمية

التفكر

التحليل – الفرض – المراجعة

الصمت

تقليل الضجيج المعرفي – ضبط الاندفاع

التواضع

شرط تصحيح الخطأ وقبول النقد

وهو عين ما تقوله اليوم:

·      فلسفة العلم،

·      ومنهجيات التفكير النقدي.

2 . العلم لا يُكتسب بلا عقل

قول الإمام (ع): >والعِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، والتَّعَلُّمُ بِالعَقلِ يُعتَقَدُ (أي يشدّ ويستحكم)، ولا عِلمَ إلّا مِن عالِمٍ ربّانيٍّ، ومَعرِفَةُ العِلمِ بِالعَقلِ<.

فالإمام يضع شرطين:

1.  منهجي: التعلم المنظم لا العفوي،

2.  قيمي: الربانية لا مجرد التخصص.

وهذا يسبق النقد الحديث لـ:

·      العلم المنفصل عن القيم،

·      والمعرفة بلا أخلاق.

رابعاً: التحليل الاجتماعي – الحضاري:

(العقل بوصفه شرط نهوض المجتمع)...

1 . نقد المجتمع القطيعي

فالآيات القرآنية التي استشهد بها الإمام في ذم:

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا ...﴾.

تكشف أنَّ:

·      تعطيل العقل = إنتاج مجتمع مقلِّد،

·      والمجتمع المقلِّد = مجتمع قابل للاستبداد والانحراف.

وهذا ما يسميه الإمام اليوم: (الأكثريّة الصامتة)؛ وهي أخطر من الأقلية المنحرفة.

2 . رفض الإمَّعية:

قوله (ع): >أبلِغْ خَيراً، وقُلْ خَيراً ولا تَكُن إمَّعَةً ... أي: لا تَقُلْ: أنا مَعَ النّاسِ، وأنا كَواحِدٍ مِن النّاسِ. إنّ رسولَ اللهِ 6 قالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنّما هُما نَجدانِ: نَجدُ خَيرٍ ونَجدُ شَرٍّ، فلا يَكُن نَجدُ الشَّرِّ أحَبَّ إلَيكُم مِن نَجدِ الخَيرِ<.

هذه ليست وصية أخلاقية فقط، بل:

·      موقف سياسي - اجتماعي،

·      ضد الذوبان في الرأي العام،

·      وضد صناعة الوعي الزائف.

خامساً: التحليل النفسي - العلمي

(ما الذي يهدم العقل؟)...

الإمام (ع) يحدّد ثلاثة مُفسدات معرفية كبرى:

1.  طول الأمل

o     يولّد التسويف،

o     ويقتل الإلحاح الوجودي.

2.  فضول الكلام

o     يشتّت الطاقة الذهنية،

o     ويُضعف الهيبة العلمية.

3.  اتباع الشهوات

o     يبدّل مركز القرار من العقل إلى الغريزة.

وهذا يتقاطع بوضوح مع:

·      علم النفس المعرفي،

·      ونظريات ضبط الدافع والانتباه.

سادساً: العقل والزهد

(فلسفة الرغبة والاختيار)..

قول الإمام: >يا هِشامُ، إنّ العُقَلاءَ زَهِدوا في الدُّنيا ورَغِبوا في الآخِرَةِ؛ لأنَّهُم عَلِموا أنّ الدُّنيا طالِبَةٌ مَطلوبَةٌ والآخِرَةَ طالِبَةٌ ومَطلوبَةٌ، فمَن طَلَبَ الآخِرَةَ طَلَبَتهُ الدُّنيا حتّى‏ يَستَوفِيَ مِنها رِزقَهُ، ومَن طَلَبَ الدُّنيا طَلَبَتهُ الآخِرَةُ فيَأتيهِ المَوتُ فيُفسِدُ علَيهِ دُنياهُ وآخِرَتَهُ<.

وهو ليس رفضاً للعالم، بل:

·      إعادة ترتيب للأولويات،

·      وفهماً عميقاً لقانون الفناء والبقاء.

فالعاقل عند الإمام:

·      لا يترك الدنيا،

·      ولا تُسيطر عليه الدنيا.

وهذا هو الزهد العقلي لا الزهد السلبي.

سابعاً: معيار النضج العقلي

(من هو العاقل؟)...

وينقل الإمام (ع) عن جده أمير المؤمنين (ع):

>يا هِشامُ، إنّ أميرَ المؤمنينَ D كانَ يَقولُ: إنَّ مِن عَلامَةِ العاقِلِ أن يَكونَ فيهِ ثَلاثُ خِصالٍ: يُجِيبُ إذا سُئلَ، ويَنطِقُ إذا عَجَزَ القَومُ عَنِ الكَلامِ، ويَشيرُ بِالرّأيِ الّذي يَكونُ فيهِ صَلاحُ أهلِهِ، فمَن لَم يَكُن فيهِ مِن هذهِ الخِصالِ الثَّلاثِ شيءٌ فهُو أحمَقُ. إنّ أميرَ المؤمنينَ D قالَ: لا يَجلِسُ‏ في صَدرِ المَجلِسِ إلّا رجُلٌ فيهِ هذهِ الخِصالُ الثَّلاثُ أو واحِدَةٌ مِنهُنَّ، فمَن لَم يَكُن فيهِ شَيءٌ مِنهُنَّ فجَلَسَ فهُوَ أحمَقُ<.

وهذه ليست صفات ذكاء، بل:

·      صفات قيادة معرفية،

·      وشروط أهل الرأي العام.

ولهذا قال: >لا يَجلِسُ‏ في صَدرِ المَجلِسِ إلّا رجُلٌ فيهِ هذهِ الخِصالُ...<.

أي: لا شرعية للقيادة بلا عقل.

ثامناً: الثقة العقلية لا النفسية

>الجوزة واللؤلؤة<...

قوله (ع): >يا هِشامُ، لَو كانَ في يَدِكَ جَوزَةٌ وقالَ النّاسُ: في يَدِكَ لُؤلُؤَةٌ، ما كانَ يَنفَعُكَ وأنتَ تَعلَمُ أنَّها جَوزَةٌ، ولَو كانَ في يَدِكَ لُؤلُؤَةٌ وقالَ النّاسُ: إنَّها جَوزَةٌ، ما ضَرَّكَ وأنتَ تَعلَمُ أنَّها لُؤلُؤَةٌ<.

وهذا المثال يقدّم:

·      نظرية في الاستقلال المعرفي،

·      وتحرير الذات من ضغط الجماعة.

وهو ما جسّده الصحابي الجليل عمار بن ياسر، عندما أصبح هناك تراجع في جيش الإمام عليّ D في بعض مراحل الحرب، قال: >والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعلمنا أنّا على حقّ وأنهم على باطل<.

خلاصة تركيبية كبرى

رسالة العقل عند الإمام الكاظم:

·      ليست دفاعاً عن العقل المجرد،

·      ولا دعوة إلى العقل الأداتي،

·      بل بناء إنسانٍ عاقلٍ، حرّ، مسؤول، ناقد، متوازن.

إنها:

·      نظرية في حجية العقل،

·      ومنهج في إنتاج العلم،

·      ورؤية في بناء المجتمع،

·      وأخلاق في إدارة الذات>

ولهذا تبقى هذه الرسالة:

من أعظم النصوص التأسيسية في الفلسفة الإسلامية الشيعية، وقابلة لأن تكون أساساً لنظرية حضارية معاصرة في العقل والإنسان.

إضافة إلى هذا:

فإنّ أهمية رسالة العقل عند الإمام الكاظم -عليه السلام- لا تكمن فقط في مضمونها العقلي، بل في كونها قراءة قرآنية عميقة لمفهوم العقل نفسه.

فهي:

·      تُعيد العقل إلى موقعه القرآني الأصيل،

·      وتمنحه شرعية ربانية،

·      وتجعله أساسًا للعلم، والتكليف، والنهضة، وبناء الإنسان والمجتمع.

ولهذا يمكن القول بدقة:

رسالة العقل ليست شرحًا للعقل بالقرآن، بل هي كشفٌ عن العقل كما أراده القرآن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  الإمام المهدي الغائب الشاهد المهدوية ودلالاتها الحضارية مقدّمة ليست قضية الإمام المهدي مسألةً هامشية في الوعي الإسلامي، ولا فكرةً أس...