الخميس، 7 مايو 2026


 

يوسفُ الصدّيق بين جمال الصورة وجمال الروح

لم يكن جمالُ يوسفَ (ع) جمالَ وجهٍ يُدهِش العيون فحسب، بل كان جمالَ روحٍ تهدي القلوب؛ فكم من إنسانٍ حَسُنَت صورتُه وقَبُحَت سريرتُه، أمّا يوسفُ فقد اجتمع فيه جمالُ الظاهر والباطن، حتى صار وجهُه مرآةً لطهارة قلبه، وصارت عفّتُه أعظمَ من حُسنِه.

ولعلَّ أعظمَ ما كشف عن جمال يوسف الحقيقي أنّه انتصر على نفسه حين تهاوت أمامه أسبابُ الشهوة والفتنة؛ فقد اجتمعت عليه الغربة، والشباب، والسلطة، ودعوةُ امرأةٍ ذاتِ جمالٍ ونفوذ، ومع ذلك قال بصدق العارف بالله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾. فكان انتصارُه على شهوته أعظمَ من انتصاره على السجن، لأنّ كثيراً من الناس يهربون من القيود الخارجية، لكن القليل من ينتصر على القيود الكامنة في داخله.

وقد صوَّر القرآن الكريم لنا هذا الجمال الأخلاقي في أبهى تجلِّياته حين عُرِضت عليه خزائنُ مصر ومقاليدُ السلطة؛ إذ لم يندفع إلى المنصب اغتراراً بالمكانة، ولم تُغْرِه أبهةُ الوزارة، بل توقَّف وقفةَ الأنبياء الواثقين ببراءتهم، وقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} (يوسف: 50).

وكأنَّه (ع) يُعلن مبدأً خالداً في النزاهة: كيف أتسلَّم شأناً من شؤون الناس، وفي سجلّي تُهمةٌ لم تُمحَ بعد؟!

فلم يقبل المنصب حتى أُغلِق الملفُّ الكيديُّ الذي نُسِج له ظلماً وكيداً، ولتظهر الحقيقة ناصعةً كما أرادها الله، فقال: {ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} (يوسف: 52).

ثم تأتي اللمعة الإيمانية العجيبة في كلام يوسف (ع)؛ إذ لم يجعل من نفسه مثالاً متعالياً على الطبيعة البشرية، ولم ينسب الطُّهر إلى ذاته استقلالاً، بل ردَّ الفضل إلى الله تعالى، فقال بتواضع العارفين: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (يوسف: 53).

وهنا تتجلّى حقيقة الإنسان؛ فنحن لسنا ملائكةً منزَّهين عن الزلل، وإنما عبادٌ تستبدُّ بنا الشهوات، وتتنازعنا دواعي الهوى، غير أنَّ رحمة الله هي التي تعصم، ولطفه هو الذي يحفظ، وسترُه هو الذي يصون.

فما أكثر الذنوب التي كان يمكن أن نقع فيها لولا أن الله صرفها عنَّا بكرمه الخفيّ.

إنَّ الإنسان قد لا يُبتلى دائماً بالسجن كما ابتُلي يوسف، لكنّه يُبتلى كلَّ يومٍ بسجنٍ آخر: سجن الشهوة، وسجن الغرور، وسجن الانتقام، وسجن النظر إلى الناس بعين الاحتقار. ومن استطاع أن يُحافظ على نقاءِ قلبه وسط فتن الحياة، فقد أخذ نصيباً من جمال يوسف (ع). فالجمال الحقيقي ليس أن تُعجِب الناس صورتُك، بل أن يأمنوا قلبَك، ويطمئنّوا إلى أخلاقك، ويروا فيك أثراً من رحمة الله.

إنها مدرسةُ الأنبياء في التواضع الأخلاقي؛ فلا يبرِّئ الإنسانُ نفسه، ولا يتعالى على الناس بطاعةٍ أو صلاح، لأن من عرف ضعف نفسه هان عليه عيبُ غيره، ورأى الخلق بعين الرحمة لا بعين الإدانة. ولهذا قال مولانا الإمام الصادق (ع): >مَن عيَّرَ مؤمناً بذنبٍ لم يمتْ حتّى يركبَه<.

فالعارف بنفسه أقلُّ الناس قسوةً على الخلق، لأنّه يعلم أنّه لولا سترُ الله لافتُضح كما افتُضح غيرُه؛ وشتّان بين مَن يستر الناسَ لأنه يعرف ضعفَ نفسه، وبين مَن يفضحهم لأنه نسي عيوبه.

 

  يوسفُ الصدّيق بين جمال الصورة وجمال الروح لم يكن جمالُ يوسفَ (ع) جمالَ وجهٍ يُدهِش العيون فحسب، بل كان جمالَ روحٍ تهدي القلوب؛ فكم من إن...