**كن مبادراً**
لقد أسهمت مجموع المبادرات الفردية في تكوين
نهضات حديثة، ويمكننا القول: إنّ مجموع المبادرات الفردية -في أي مجتمع- هو مقياس
دقيق لمدى حيوية ذلك المجتمع وقابليته للنمو والتقدم.
وقد وجَّه القرآن الكريم أفراد البشر إلى
التسابق في أبواب الخير العامة، قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}(البقرة: 148)، {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}(آل عمران: 133).
فالقرآن يحثنا على: المسابقة على الخير -فكراً
وقولاً-، ونترجمه إلى عمل صالح مثمر، من أجل أن نضيف (خيراً) في هذه الأمة، أو
ندفع عنها (الشر).
وحذرنا -في المقابل- أن نكون كالمنافقين، والذين
وصفهم في كتابه {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} .. فهم ليسوا مستعدِّين أن يُعطوا من نفوسهم
الخيـر {أُوْلَئِكَ لَمْ
يُؤْمِنُوا}.
ويصوِّر لنا القرآن الكريم محطات عديدة من تاريخ
رسله وأنبيائه، قد تجلَّت فيهم بوضوح صفة الإيجابية والهمة العالية وروح المبادرة.
فهو -تعالى- يصف داود (ع): {اصْبِر عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ
عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}(ص: 17). و {ذَا الأَيْدِ} إيحاء دقيق إلى أنه كان كثير العمل، دؤوباً،
متعدد الجهود، له في كل ميدان يد وعمل وجهد.
وقد كان يوسف (ع) مبادراً إيجابياً عندما طلب
الوزارة بقوله: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(يوسف: 55).
إنَّ روح المبادرة هي صفة الأنبياء فقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ}( ص: 45). حيث وصف الله تعالى هؤلاء الأنبياء العظماء
بصفتين: الأولى: صفة المبادرة والإيجابية، والثانية: صفة تحديد النهاية وامتلاك
رؤية بعيدة المدى، المعبَّر عنها بصفة ذوي {الأَبْصَارِ}.
ودائماً ما تنضح لغة (المبادر) بالثقة بالله
وبالنفس والتفاؤل والقوة والفعالية.
ومن يقرأ السيرة النبوية لنبينا محمد (ص) يقف
على الكثير من المبادرات الخيرة التي لا حصر لها.. وفي خطبة له (ص): "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا
كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا
أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ
الدُّنْيَا".
وهذه الخطبة تحض على المسارعة والإكثار من
الأعمال الصالحة قبل تركها بسبب الانشغال بحلول وتراكم الفتن، وما هذا الحض منه
(ص) إلا لعدة أسباب:
أولاً: إنَّ الأعمال الصالحة تحمي لإنسان من الفتن؛
لأنها تقوي إيمانه، وتزيد في ثباته، ولأن الله عز وجل لا يخيب من أقبل عليه ولزم
عبادته وطاعته.
ثانياً: أنَّ الفتن إذا حلَّت تحول بين الإنسان والعمل
الصالح أو تضعفه أو تنقص ثوابه.
ولو نظرنا إلى تعاليمه (ص) في الأحكام التشريعية
لرأيناها ترتكز على تنمية روح المبادرة والمسؤولية الفردية وسلوك طرق الخير مهما
كانت موحشة ومهجورة.
ولذلك كان رسول الله (ص) مبادراً في قوله، وفي
فكره، وفي عمله، في واجباته، وفي مندوباته، ومن مبادراته أنه إذا أقبل شهر شعبان
يقبل عليه (ص) بكل ما أوتي من قوة، ولهذا لم يكن النبي (ص) "يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان، يصل
به رمضان"(ثواب الأعمال، الصدوق: ص 56). وروى البخاري ومسلم عن السيدة عائشة قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ (ص) يَصُومُ
شَعْبَانَ كُلَّهُ، يَصُومُ شَعْبَانَ إلا قَلِيلاً".
إنَّ مكارم الأفعال تقوم بمساهمة فعالة في تنمية
ملكات الخير، وتربية نوازع الإنسان الخيرة.. فهي تربي الإحساس والرغبة الذاتية في
التسامي نحو الخير والتكامل، ويحقق التفوق على الحد الأدنى من الالتزام
والاستقامة، ويربي الشخصية على روح المبادرة والتطوع بفعل الخير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق