الاثنين، 13 سبتمبر 2021


 القلب والعقل والروح

 

وردني سؤال من إحدى السيدات الفاضلات تقول فيه: "حدثوني ذات مرة أن القلب والعقل والروح هم جوهر واحد (كالمثلث الهرمي) المثلث واحد بكل مكوناته ولكن له ثلاثة أوجه.. فما رأي سماحتكم؟".

 

الجواب:

لا بد لنا أن نؤمن أنَّ مثل هذه المفردات في تجليها لا بد لنا من الرجوع إلى النص اليقين المجلي للحقائق فيها، والمتأمل في الآيات القرآنية يجد أنَّ الجوهر، أو ما نسميه بالكيان الإنساني الروحي، هو الجامع لكل الأوصاف والخصائص، والمميزات والصفات والقدرات المعنوية التي يشتمل عليها الإنسان كنفس أو روح.

 

وبعبارة أدق؛ هناك مطابقة تامة بين القلب بالمعنى الروحي القرآني، وبين الإنسان كنفس أو روح؛ أي أنَّ ألفاظ: القلب، النفس، الروح، هي أسماء لمسمى واحد، ولكن تختلف في وظائفها الحيوية عند الإنسان.

 

فالقلب -في القرآن- يعقل ويفقه ويحب ويكره، ويؤمن ويكفر، ويلين ويقسو، إلى غير ذلك من الأوصاف التي يتصف بها الإنسان كروح أو نفس.

 

أما فيما يخص العقل، فإنه لم يذكر في القرآن إلا في صيغة الفعل، وفاعله هو الإنسان أو قلبه أو روحه أو نفسه. فلا يوجد ذكر للعقل في القرآن بمعنى الفاعل. مما يفيد أنَّ الأفعال: يعقلون، تعقلون، نعقل، ...الخ الواردة في القرآن تشير إلى عملية التعقل التي يقوم بها الفاعل العاقل، الذي هو الإنسان أو قلبه بمعنى الروح أو النفس.

 

ولكي نوضح بشكل أكثر نتكلم في:

الروح:

إنَّ الروح في القرآن لها ارتباط بأمر الله سبحانه؛ وهي السر الإلهي، الذي به حوَّل البشر من كائن طيني إلى إنسان؛ لأنَّ الله سبحانه نفخ في الإنسان من روحه: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (الحجر: 29)، {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} (غافر: 15)، {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (التحريم: 12)، {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 91).

 

أي أنَّ روح الانسان هي نفخة إلهية في آدم حولت الكائن الطيني إلى الكائن إنساني. فالروح هي التي أعطت الإنسان إنسانيته.. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء: 85).

 

 العقل:

هو آلة التفكير، وهو لدى الإنسان متطور عن الحيوانات بحيث أنَّ لديه القدرة على التحليل والاستنتاج والتحكم، ولديه القدرة على التفكير والحفظ والحساب واللغة والتطوير والتواصل والاختراع والاكتشاف والتصليح والتنظيم والتخطيط والتأمل والتوجيه وتفسير فعاليات الجسد وإصدار الأوامر، ويمثل مكان قيادة الجسد، كما أنه مكان الانفعالات والعواطف والتقييم والتحكيم والتحكم.

 

العقل هو مكان الذكاء الإنساني، وهو مدير الصراع والتآمر والتنافس، وحسب المعلومات المتوفرة لدينا حتى الآن فإنَّ مكان وجود العقل من الجسد هو في الدماغ، ولكن هناك إشارات قرآنية عن وجوده أو بعضه في القلب.

 

ويختلف العلماء في مكان وجود الضمير هل هو في العقل أو القلب أم في النفس، وهو عضو نفسي مهم موجود في الإنسان فقط كما يعتقد.

 

كما تختلف العلوم في مكان وجود الفعاليات النفسية هل هو في النفس أم العقل، خصوصاً أنّ العلم الذي يدرس الفعاليات النفسية يسمى علم النفس؛ لتمييزه عن العلوم التي تدرس الجسد كالتشريح والفسلجة والانسجة والطب بمختلف فروعه.

 

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44).

{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (البقرة: 73).

{أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 75).

 

ورحلة الإنسان العاقل اقترن مع تطور اللغة عنده، حيث بدأت علاقته باللغة منذ زمن قديم، وانتقلت من مرحلة إلى أخرى في تطور تصاعدي، ولا يمكن أن ننظر إلى تعليم الله الإنسان البيان -{علمه البيان}- على أنه تعليم وقع دفعة واحدة؛ لأنَّ هذا الفهم يسقط مفهوم الخلق الكامل لآدم، كما يسقط قدرة آدم على التواصل باللغة.

 

وتعلل الدراسات الأنثروبولوجية أنَّ انقراض البشر السابق (النياندرتال) على الإنسان الحالي بسبب عجزه عن التواصل اللغوي، والجميل أنَّ العالم المسلم ابن حزم الأندلسي، يؤكد على وجود تلازم بين الوجود أو البقاء واللغة، وأنَّ العجز عن الكلام يؤدي إلى العجز عن البقاء (الإحكام في أصول الأحكام: ج ١ ص ٣٠).

 

القلب:

وردت هذه المفردة في القرآن الكريم في ثلاثة وثلاثين ومئة موطن (133)، وهو عدد كبير يبرز أهمية القلب ودوره في الإنسان.

 

ولأول وهلة قد يتبادر إلينا أنّ استخدام القرآن لهذه المفردة ينحصر في القضايا المادية فقط، إلا أنّ القرآن يتعامل مع هذه المفردة في القضايا المجردة كمرض النفس والفكر.. (راجع: الأحزاب: 32؛ البقرة: 10).

 

وينبغي أن نذكر بعض الدلالات القرآنية لمفردة القلب:

1- قدرة التمييز بين الحق والباطل.. (البقرة: 283).

2- تقع عليه المسئولية.. (البقرة: 225).

3- محل العواطف.. (البقرة: 74).

4- مهبط الوحي.. (البقرة: 97).

5- مركز الإيمان.. (الحجرات: 14).

6- مستقر للطمأنينة والسكينة.. (الرعد: 28).

7- محل للنفاق.. (آل عمران: 167).

8- يقع عليه صفتا التكبر والعجب.. (غافر: 35).

9- إدراك الحقائق.. (ق: 37).

10- موضع العلم والمعرفة.. (الإسراء: 47).

 

واضح عندنا أنّ المقصود من القلب حقيقة سامية ممتازة، تختلف عن العضو الموجود في الجسد، ويعتبره القرآن الكريم وسيلة للمعرفة.. ولكي نكفل إدراك الحقائق إدراكاً كاملاً ينبغي أن يكمل الإدراك الحسي بإدراك آخر هو (القلب). ولذلك فإننا نرى أن القسم الأكبر من نداءات القرآن تخاطب قلب الإنسان.

 

وأميل إلى أنَّ القلب قوة ثالثة غير النفس والروح، وهو الحاكم الذي يحتل مكان القيادة والحواس بمثل الجند له، وهو الذي يوجهها حيث يشاء.

 

ويؤيده ما روي عن الإمام الصادق (ع): "إنّ منزلة القلب من الجسد بمنزلة الإمام من الناس"، ولا يعني بذلك اللحمة الصنوبرية لأنها لا تعقل -كما هو واضح-، كما أنه لا يصح تشبيه الإمام -بما له من مسئولية القيادة والإدارة- إلا بما يعقل.

 

وخلاصة القول أنّ القلب قوة من قوى (الإنسان) شأنها شأن تلقي المعلومات فقط دون تحليلها أو تركيبها أو استنباطها، فإنّ ذلك وظيفة قوة أخرى وهي العقل. ومن هنا نذهب إلى أنّ القلب منطقة تلقي الغرائز، يتأثر تأثيراً كبيراً بالانفعالات.

 

وإذا ما أردنا الارتباط القرآني فيما يتعلق بالقلب فلا بد من معرفة ما استعمله القرآن من مفردات هي: القلب والصدر والفؤاد.

 

القلب قوة من قوى النفس شأنها تلقي المعلومات فقط (القصص: 108). تحليلها أو تركيبها أو استنباطها، وأما الصدر فهو خزانة في النفس تشتمل على قوة القلب (الحج: 46)، وأما الفؤاد فدائرة ذات عمق تتركز فيه خصائص النفس ووظائفها وأعراضها.

 

وكل من (القلب والصدر والفؤاد) لا تخرج عن الميل الإرادي في كل ما تتصف به لحكومة الإرادة في النفس.. فالميل الإرادي في الصدر تشير إليه آيات قرآنية (العاديات: 9-11)، وفي الفؤاد (الإسراء: 36)، وفي القلب (المطففين: 15).

 

 

إذن ..

العقل والقلب متكاملان؛ فـ"العقل امتاز بالصلابة والقوة؛ لأنه يرتكز دائماً على المنطق والاستدلال، ويحكم في مختلف القضايا وفق مَعايير جازمة، بينما اختصَّ القلب باللين واليُسر، وكلاهما لا غنى للإنسان وبنائه الروحي عنهما، فصلابة العقل تلطفها رقة القلب، ولين القلب يُهذبه تدبير العقل".. أي إنَّ عقل الإنسان وقلبه هما اللذان يحددان سلوكه ويستأثران في طبيعة مساره وفعالياته؛ فالعقل يُنذرنا بما ينبغي تجنبه، والقلب يقول لنا ما ينبغي فعله.

 

وقول الله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} توحد بين القلب والعقل، وبذلك تبين تلك العلاقة بين العقل والقلب في عملية الإدراك والفهم وأنهم متعلقون ببعضهم كثيرًا، ولكن تعلقهما مع بعض لا يعني أنهما واحد، حيث إنَّ للعقل قوة الإدراك وللقلب قوة الفهم.

 

وللتفصيل يمكن مراجعة كتابي "الغضب".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الحديبية فقهُ القوة أم فقهُ التنازل؟ قراءة قرآنية استراتيجية في جدل >الصلح < و>التطبيع<. ليست الحديبية حادثةً تاريخية تُروى، بل ...