العلّامة الطباطبائي حيث يتعانق البرهان والشهود لعل من أخصّ ما امتاز به العلّامة الطباطبائي P أنّه لم يكن فيلسوفاً يحترف صناعة المفاهيم، ولا عارفاً يكتفي بإشراقات الوجدان، ولا مفسِّراً ينظر إلى القرآن من وراء حجاب المقولات الموروثة؛ بل كان صاحب رؤيةٍ معرفيّة متكاملة، تنطلق من حقيقةٍ أساسيّة، وهي أنَّ الإنسان، كما أنّه موجودٌ ذو مراتب، فإنَّ معرفته كذلك ذات مراتب، وأنَّ تعدّد طرق المعرفة لا يعني بالضرورة تعدّد الحقيقة، كما أنَّ اختلاف أدوات الإدراك لا يستلزم تناقض مدركاتها. تعدّد طرق المعرفة ووحدة الحقيقة: وهذه المسألة هي المدخل الحقيقي لفهم شخصية العلّامة الطباطبائي ومشروعه الفكري؛ لأنَّ كثيراً من النزاعات التي وقعت في تاريخ الفكر لم تكن دائماً نزاعاً بين حقيقةٍ وحقيقة، بل كانت نزاعاً بين مناهج تجاوز كلّ واحدٍ منها حدوده، فادّعى لنفسه القدرة على الحكم في كلِّ ميدان. وحين يتجاوز العقل التجريبي حدود المحسوس، أو يتحوّل العقل الفلسفي من أداةٍ للكشف إلى سلطةٍ تفرض نتائجها المسبقة على النصّ، أو يتحول الذوق العرفاني إلى دعوى لا ميزان لها، فإنَّ التعارض يصبح أمراً طبيعياً؛ لا لأنَّ...