العلّامة الطباطبائي حيث يتعانق البرهان والشهود

لعل من أخصّ ما امتاز به العلّامة الطباطبائي P أنّه لم يكن فيلسوفاً يحترف صناعة المفاهيم، ولا عارفاً يكتفي بإشراقات الوجدان، ولا مفسِّراً ينظر إلى القرآن من وراء حجاب المقولات الموروثة؛ بل كان صاحب رؤيةٍ معرفيّة متكاملة، تنطلق من حقيقةٍ أساسيّة، وهي أنَّ الإنسان، كما أنّه موجودٌ ذو مراتب، فإنَّ معرفته كذلك ذات مراتب، وأنَّ تعدّد طرق المعرفة لا يعني بالضرورة تعدّد الحقيقة، كما أنَّ اختلاف أدوات الإدراك لا يستلزم تناقض مدركاتها.

تعدّد طرق المعرفة ووحدة الحقيقة:

وهذه المسألة هي المدخل الحقيقي لفهم شخصية العلّامة الطباطبائي ومشروعه الفكري؛ لأنَّ كثيراً من النزاعات التي وقعت في تاريخ الفكر لم تكن دائماً نزاعاً بين حقيقةٍ وحقيقة، بل كانت نزاعاً بين مناهج تجاوز كلّ واحدٍ منها حدوده، فادّعى لنفسه القدرة على الحكم في كلِّ ميدان. وحين يتجاوز العقل التجريبي حدود المحسوس، أو يتحوّل العقل الفلسفي من أداةٍ للكشف إلى سلطةٍ تفرض نتائجها المسبقة على النصّ، أو يتحول الذوق العرفاني إلى دعوى لا ميزان لها، فإنَّ التعارض يصبح أمراً طبيعياً؛ لا لأنَّ الحقيقة متناقضة، بل لأنَّ أدوات الوصول إليها لم تعد تتحرك ضمن حدودها المشروعة.

ومن هنا لم يكن مشروع العلّامة الطباطبائي محاولةً توفيقيّة بالمعنى السطحي، أي محاولة جمع الفلسفة والعرفان والتفسير في بناءٍ تلفيقي؛ لأنّ الجمع بين الأشياء المتعارضة لا يصنع وحدةً حقيقيّة. وإنما كان مشروعه قائماً على أساسٍ أعمق: اكتشاف النسبة الواقعيّة بين مراتب المعرفة، وتحديد مجال كلِّ طريقٍ منها، ثم الكشف عن الوحدة التي تنتظمها جميعاً.

فالإنسان، في الرؤية الفلسفيّة التي ينطلق منها هذا المشروع، ليس عقلاً مجرّداً أُلحق به بدن، ولا جسداً مادياً أُضيف إليه شعورٌ غامض، بل هو حقيقةٌ وجوديّة متدرجة، تبدأ من الحسِّ، وتعبر الخيال، وترتقي إلى العقل، ويمكنها -بالتزكية والتصفية- أن تبلغ مرتبةً من المعرفة الحضوريّة والشهود الباطني.

وعلى هذا الأساس لا يكون الاختلاف بين المعرفة العقليّة والمعرفة الشهوديّة اختلافاً بين حقيقتين، بل اختلافاً في نحو الحضور المعرفي. فالعقل يعرف الحقيقة بواسطة المفهوم والبرهان، أمّا الشهود فيدّعي معرفة الحقيقة بنحوٍ من الحضور. وليس الفرق بينهما -في أصل التصوّر- فرقاً بين المعرفة واللامعرفة، بل بين علمٍ يقوم على الوساطة المفهوميّة وعلمٍ يطلب رفع تلك الوساطة.

وهنا تظهر إحدى أهمّ خصائص شخصية العلّامة الطباطبائي: أنّه لم يحتقر المفهوم باسم الحقيقة، ولم يحتقر الشهود باسم البرهان.

فبعض الاتجاهات العرفانيّة نظرت إلى العقل كأنّه حجابٌ مطلق، ونسيت أنّ التمييز بين الشهود الصادق والوهم النفسي يحتاج هو نفسه إلى ميزان. وبعض الاتجاهات العقليّة تصورت أنَّ كلَّ حقيقة يجب أن تنحصر في حدود المفهوم، ونسيت أنَّ مفهوم النار لا يحرق، وأنَّ البرهان على الألم غير حضور الألم، وأنَّ العلم بالحبّ ليس هو الحبّ نفسه.

إنّ المفهوم يكشف عن الحقيقة، ولكنّه ليس عين الحقيقة؛ والبرهان يثبت الواقع، ولكنّ إثبات الواقع ليس دائماً هو التحقّق الوجودي به.

من العلم بالحقيقة إلى التحقّق بها:

ومن هنا يمكن فهم العلاقة الدقيقة بين الحكمة والسلوك في تجربة العلّامة..

-     فالحكمة تسأل: ما الحقيقة؟

-     والسلوك يسأل: كيف يصبح الإنسان أهلاً لشهودها والتحقّق بها؟

-     والبرهان يقول: ثبت أنَّ الأمر كذلك.

-     والشهود يقول: انكشف لي الأمر كذلك.

-     والوحي لا يأتي ليكون منافساً للعقل أو بديلاً عن الفطرة، بل ليهدي الإنسان في تلك الآفاق التي لا يستطيع أن يبلغ تمامها باستقلال أدواته المحدودة.

ومن الكلمات المنقولة في تقريرات دروس العلّامة السلوكيّة، قال: «فالسلوك هو طيُّ الطريق، والسير هو مشاهدة آثار وخصائص المنازل والمراحل أثناء الطريق» (رسالة لُبّ اللّباب في سير وسلوك أولي الألباب، محمد حسين الحسيني الطهراني، ص 24).

وهذه العبارة، إذا قُرئت فلسفياً، تكشف عن تصوّرٍ بالغ العمق للإنسان والكمال. فهي تفترض أولاً أنّ الكمال ليس مجرد إضافة معلوماتٍ جديدة إلى الذهن، بل انتقالٌ في مرتبة الوجود؛ وتفترض ثانياً أنَّ الطريق الروحي له واقعيّة، وأنّ المنازل ليست أسماءً شعريّة لحالات نفسيّة عابرة؛ وتفترض ثالثاً أنّ المعرفة الحاصلة في الطريق متناسبة مع المرتبة الوجوديّة التي يبلغها السالك.

وهذه النقطة شديدة الأهميّة؛ لأنّها تفسّر الفرق بين >العالِم بالحقيقة< و>المتحقّق بالحقيقة<.

قد يعرف الإنسان معنى التوكّل، ويقيم الأدلة على التوحيد الأفعالي، ثم يضطرب قلبه أمام أصغر سببٍ مادي؛ لأنَّ ما استقرّ في عقله لم ينزل بعد إلى أعماق وجوده.

وقد يعرف الإنسان أنّ الله حاضر، ثم يعيش عملياً كأنّه غائب.

وقد يبرهن على فقر الممكن إلى الواجب، ثم يتعامل مع نفسه ومع الأشياء كما لو كانت موجوداتٍ مستقلّة.

وهنا تبدأ وظيفة السلوك: ليست وظيفته أن ينقض البرهان، بل أن يحوّل المعرفة من قضيةٍ في الذهن إلى حقيقةٍ في الوجود.

البرهان والشهود والوحي: تكاملٌ لا تلفيق:

ولهذا لم يكن العرفان عند العلّامة الطباطبائي P هروباً من العقل، كما لم تكن الفلسفة حجاباً عن الشهود. فالبرهان الصادق والشهود الصادق لا يمكن أن يتناقضا؛ لأنَّ الحقيقة لا تتناقض مع نفسها. وإذا وقع التعارض، فلا بدَّ من البحث عن موضع الخلل: هل المقدّمات البرهانيّة يقينيّة حقاً؟ أم أنَّ ما سُمّي شهوداً لم يكن إلا انعكاساً لرغبةٍ نفسيّة أو صورةٍ خياليّة؟ أم أنَّ النصّ فُهم خارج سياقه ودلالته؟

ومن هنا كان البرهان -عنده- يحرس الشهود من الوهم، وكان الشهود يهب البرهان حياةً وجوديّة، وكان الوحي يمنح الاثنين الميزان والاتجاه.

وهذا التوازن لم يكن توازناً سياسياً بين مدارس متخاصمة، بل كان نتيجةً طبيعيّة لرؤيةٍ توحيديّة إلى الوجود. فإذا كان الوجود حقيقةً واحدةً ذات مراتب، وكانت الحقيقة لا تناقض نفسها، فإنَّ طرق المعرفة الصحيحة لا يمكن أن تتناقض في نتائجها اليقينيّة، وإن اختلفت في أدواتها ودرجاتها.

وهنا ينبغي التمييز بين >وحدة الحقيقة< و>وحدة المنهج<.

العلّامة الطباطبائي لم يقل بوحدة المنهج؛ فلم يجعل البرهان تفسيراً، ولم يجعل الرواية فلسفةً، ولم يجعل الذوق دليلاً عاماً ملزماً للآخرين. ولكنه كان يؤمن بوحدة الحقيقة؛ أي إنَّ المناهج الصحيحة، إذا التزمت حدودها وشروطها، لا بدّ أن تنتهي إلى نظامٍ معرفي منسجم.

وهذه من أدقّ خصائص منهجه.

فهو لم يكن يريد أن يثبت القرآن بالفلسفة، لأنّ هذا يجعل القرآن تابعاً لمنظومةٍ معرفيّة خارجة عنه، كما لم يكن يريد أن يستخرج من كلّ آيةٍ نظريةً فلسفيّة؛ لأنّ النصّ له منطقه الخاصّ. وفي الوقت نفسه لم يرَ في العقل خطراً على الدين، لأنّ العقل اليقيني ـ في منطقه ـ لا يمكن أن يكون خصماً للوحي الحقّ.

إحياء التراث وبناء الرؤية المعرفية:

وكان نظره إلى المعارف نظرَ المالك لأدواته، لا نظرَ الأسير لموروثه. وهذه صفةٌ لا تتحقّق إلا لمن بلغ مرحلةً من النضج يستطيع معها أن يستخدم العلوم من غير أن تستعبده مصطلحاتها.

فكم من إنسانٍ درس الفلسفة، فتحوّلت الفلسفة عنده من أداةٍ للتفكير إلى سجنٍ للفكر؛ فلا يستطيع أن يرى شيئاً إلا من خلال مصطلحاتها.

وكم من إنسانٍ اشتغل بالرواية، فتحوّل احترامه للحديث إلى تعطيلٍ لفاعليّة العقل والتدبّر.

وكم من سالكٍ ذاق حالةً نفسيّة، فتحوّلت تجربته الشخصيّة عنده إلى معيارٍ كوني للحقيقة.

أما العلّامة P، فقد كان يأخذ من الحكمة ما يثبت عنده برهانه، ومن العرفان ما تصدّقه البصيرة المنضبطة، ومن النصّ ما يدلّ عليه التدبّر الصحيح، ثم يضع كلّ معرفةٍ في مرتبتها.

ولهذا لم يكن مشروعه العلمي مجرّد شرحٍ للتراث، بل كان إحياءً له من داخله.

والفرق بين شرح التراث وإحيائه كالفرق بين تشريح الجسد وبعث الحياة فيه. قد يعرف الإنسان كلَّ أعضاء الجسد الميت، ولكنه لا يستطيع بذلك أن يمنحه الحياة. وكذلك التراث: قد تحفظ مصطلحاته، وتشرح كتبه، وتكرّر مسائله، من غير أن تستعيد السؤال الحيّ الذي أنتجه.

لقد عاد العلّامة الطباطبائي إلى الأسئلة الكبرى: ما حقيقة الإنسان؟ ما حقيقة المعرفة؟ ما نسبة الاعتبار إلى الحقيقة؟ ما حدود الإدراك الحسّي؟ ما معنى العلم الحضوري؟ كيف تتكامل مراتب المعرفة؟ ما موقع الوحي في بنية الإدراك الإنساني؟ وكيف يمكن للقرآن أن يكون كتاب هدايةٍ دائماً من غير أن يتحوّل إلى كتاب فيزياء أو اجتماع أو فلسفة بالمعنى الاصطلاحي؟

تفسير الميزان (استقلال النصّ وتكامل دوائر المعرفة):

ولعلّ أوضح تجلٍّ لهذه الروح هو مؤلفه العظيم الميزان في تفسير القرآن.

فالميزان لم يكن كتاباً في تطبيق الفلسفة على القرآن، مع أنّ مؤلّفه فيلسوفٌ راسخ؛ ولم يكن كتاباً في جمع الروايات، مع عنايته الواسعة بالمأثور؛ ولم يكن كتاب إشاراتٍ عرفانيّة تُحمّل النصوص تجارب صاحبها.

بل كان محاولةً لاستعادة استقلال النصّ القرآني، من خلال تفسير القرآن بالقرآن، ثم فتح دوائر البحث المختلفة حول النصّ من غير خلطٍ بين مستوياتها.

وهذا الفصل بين مستويات البحث ليس تفكيكاً للمعرفة، بل شرطٌ من شروط وحدتها.

فالخلط ليس وحدة.

إنّ وضع الفلسفة والرواية والعرفان والعلم في وعاءٍ واحد لا يصنع معرفةً متكاملة، كما أنّ جمع أعضاء الإنسان بعضها إلى بعض لا يصنع إنساناً حياً. الوحدة الحقيقيّة تحتاج إلى مبدأٍ ينظّم العلاقة بين الأجزاء، ويحدّد موقع كلّ واحدٍ منها.

وكان المبدأ المنظّم في مشروع العلّامة هو التوحيد.

والتوحيد هنا ليس مسألةً كلاميّة جزئيّة تقع في أول كتب العقائد، بل هو رؤيةٌ إلى الوجود والمعرفة والإنسان. فإذا كان الوجود قائماً بالله، وكانت الأشياء في حقيقتها آياتٍ دالّة عليه، فإنّ المعرفة الصحيحة لا يمكن أن تكون معرفةً مفكّكة. وكلّ علمٍ يكشف جانباً من الواقع، ولكنه لا يملك حقّ الادّعاء بأنّ جانبه هو كلّ الواقع.

العلم التجريبي يدرس الظواهر من حيث علاقاتها القابلة للملاحظة والتجربة، لكنه لا يستطيع بأدواته أن ينفي ما يقع خارج مجال التجربة.

والفلسفة تبحث في الأحكام الكليّة للوجود، لكنها لا تستطيع أن تستغني عن الوحي في معرفة تفاصيل الهداية والتشريع.

والعرفان يطلب المعرفة الشهوديّة، لكنه لا يستطيع أن يجعل التجربة الشخصيّة حجّةً عامّةً على الناس.

والنصّ الديني يكشف عن الهداية، ولكن فهمه يحتاج إلى عقلٍ ولغةٍ وتدبّرٍ ومنهج.

بهذا المعنى كان مشروع العلّامة مشروع >تحديد الحدود< بقدر ما كان مشروع >كشف الوحدة<.

ولعلّ هذه إحدى الصفات التي قرّبته من روح الحكماء الكبار: أن يعرف الإنسان قدرة العقل، ولكن يعرف حدوده أيضاً؛ وأن يؤمن بالشهود، ولكن يعرف مخاطره؛ وأن يتعامل مع النصّ بوصفه وحياً، ولكن لا يحوّل احترام الوحي إلى كسلٍ فكري.

إنّ الأزمة الكبرى في المعرفة لا تنشأ دائماً من ضعف أدوات الإنسان، بل كثيراً ما تنشأ من طغيان أداةٍ واحدة.

حين يطغى الحسّ يولد المذهب المادي.

وحين يطغى العقل المفهومي ويتوهّم أنّ الوجود مساوٍ لما يستطيع تصوّره، تولد العقلانيّة المغلقة.

وحين يطغى الذوق من غير ميزان، تولد الخرافة باسم العرفان.

وحين يُفصل النصّ عن التدبّر، يولد الجمود باسم الدين.

أما التوازن الذي مثّله العلّامة، فلم يكن وقوفاً في منتصف المسافة بين هذه الاتجاهات، بل كان ارتفاعاً فوق مستوى الصراع بينها، من خلال إعادة كلّ قوّةٍ معرفيّة إلى موقعها الطبيعي في البناء الإنساني.

التزكية بوصفها شرطاً في اكتمال المعرفة:

ومن هنا نفهم العلاقة العميقة بين المعرفة والتزكية في مشروعه.

فليست كلّ موانع المعرفة أخطاءً منطقيّة. هناك أخطاءٌ تنشأ من فساد المقدّمات، ولكن هناك أيضاً حجبٌ تنشأ من طبيعة الإنسان الأخلاقيّة والوجوديّة. فالهوى قد يؤثّر في النظر، وحبّ الذات قد يعيد تشكيل تفسير الإنسان للحقائق، والتعلّق قد يحجب ما لا يحجبه نقص الذكاء.

ولهذا كانت التزكية، في الرؤية القرآنيّة والعرفانيّة، ذات صلةٍ مباشرة بالمعرفة.

ليس معنى ذلك أنّ كلّ إنسان صالح يصبح فيلسوفاً، أو أنّ البرهان يمكن الاستغناء عنه بالتقوى؛ بل المعنى أنّ الإنسان ليس آلةً منطقيّة محايدة، وأنّ صفاء الباطن يرفع بعض الحجب التي لا يرفعها تراكم المعلومات.

ومن هنا يصبح السلوك امتداداً لمسألة المعرفة نفسها.

فالمعرفة تبدأ بالسؤال: ماذا أعرف؟

ثم ترتقي إلى سؤالٍ أعمق: كيف أعرف؟

ولكنها لا تكتمل إلا بالسؤال: ماذا يجب أن أصبح لكي أرى الحقيقة كما هي؟

وهذا السؤال الثالث هو باب السلوك.

وحدة الإنسان أمام الحقيقة:

ومن هنا يمكن القول إنّ العلّامة الطباطبائي لم يجمع بين الفلسفة والعرفان جمعاً خارجياً، بل كانت فلسفته نفسها تقوده إلى الاعتراف بمراتب المعرفة، وكان عرفانه المنضبط يعيده إلى ضرورة البرهان، وكان القرآن يمنح هذه الحركة كلّها أفقها النهائي.

وإذا كان بعض الحكماء قد بلغوا الغاية في إحكام المفهوم، وبعض العرفاء قد بلغوا الغاية في وصف الشهود، فإنّ فرادة العلّامة تكمن في أنّه سعى إلى إعادة بناء الإنسان المعرفي في وحدته.

إنّه الإنسان الذي يفكّر بعقله، ولكنه لا يعبد عقله.

ويشهد بقلبه، ولكنه لا يقدّس أوهامه.

ويقرأ الوحي، ولكنه لا يدخل عليه بعقلٍ معطّل.

ويطلب الحقيقة، لا لكي يمتلك عنها أكبر عددٍ من القضايا، بل لكي يصبح وجوده أكثر انسجاماً معها.

وهنا يبلغ مشروع العلّامة معناه الأعمق: فغاية المعرفة ليست تضخّم الذهن، بل تحوّل الإنسان.

إنّ البرهان الذي لا يغيّر نظرة الإنسان إلى الوجود يبقى ناقص الأثر، كما أنّ الشهود الذي لا يخضع للميزان معرّضٌ للوهم، والتديّن الذي لا يفتح العقل والقلب معاً معرّضٌ للتحوّل إلى عادة.

ولذلك لم يكن اللقاء بين البرهان والشهود عند العلّامة لقاءً بين علمين متجاورين، بل لقاءً بين بُعدين من أبعاد الإنسان في طريقه إلى الكمال.

العقل يقول: الحقيقة موجودة.

والبرهان يرسم حدودها المفهوميّة.

والقلب يتهيّأ لمشاهدتها.

والسلوك يرفع الحجب.

والوحي يبيّن الطريق والغاية.

وعندئذٍ تتكامل المعرفة: لا بإلغاء المفهوم، بل بتجاوزه من العلم إلى التحقّق؛ ولا بإلغاء البرهان، بل بمنحه امتداده الوجودي؛ ولا بإلغاء الشهود، بل بتطهيره من الوهم؛ ولا بتحويل الوحي إلى بديلٍ عن العقل، بل بجعله نوراً يهدي العقل والقلب معاً.

وهذا هو الموقع الذي يمنح العلّامة الطباطبائي مكانته الفريدة في الفكر الإسلامي المعاصر: لقد كان من أولئك القلائل الذين أدركوا أنّ أزمة الإنسان ليست في أنّه لا يعرف فقط، بل في أنّ أجزاء معرفته قد انفصل بعضها عن بعض؛ فعقله في جهة، وقلبه في جهة، وعلمه في جهة، وسلوكه في جهة.

وكان مشروعه، في جوهره، محاولةً لاستعادة هذه الوحدة.

وحدة الإنسان أمام الحقيقة.

ووحدة المعرفة في تعدّد مراتبها.

ووحدة العقل والقلب تحت هداية الوحي.

ومن هنا كان البرهان عنده أكثر من صناعةٍ منطقيّة، وكان الشهود أكثر من حالةٍ وجدانيّة، وكان التفسير أكثر من شرحٍ للألفاظ؛ لأنّ الجميع كان يتحرّك داخل سؤالٍ واحد:

كيف يعرف الإنسان الحقيقة، وكيف يتحوّل بهذه المعرفة من موجودٍ يعلم الحقّ إلى موجودٍ يحيا به؟

وعند هذا السؤال يلتقي الفيلسوف بالعارف، ويلتقي البرهان بالسلوك، ويلتقي العقل بالقلب؛ لا لأنّ الفروق بينها قد زالت، بل لأنّ كلّ واحدٍ منها وجد مكانه الصحيح في الطريق.

وهنا تكمن عظمة العلّامة الطباطبائي:

أنّه لم يطلب من العقل أن يموت لكي يحيا القلب، ولم يطلب من القلب أن يصمت لكي يتكلّم البرهان، بل أراد للعقل أن يتحرّر من الوهم، وللقلب أن يتحرّر من الحجاب، وللإنسان كلّه أن يسير في نور الوحي.

فكانت حكمته عقلاً يبحث عن الحقيقة، وكان عرفانه وجوداً يسير إليها، وكان تفسيره محاولةً للإنصات إلى كلام من كانت الحقيقة كلّها منه وإليه.

وهكذا تعانق البرهان والشهود في شخصيّة العلّامة: لا تعانقَ المتناقضين بعد مصالحة، بل تعانقَ طريقين صحيحين يلتقيان عند حقيقةٍ واحدة؛ حقيقةٍ يعرفها العقل برهاناً، ويذوقها القلب حضوراً، ويكشف الوحي للإنسان طريق السير إليها.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة