عَرَفات... حينَ تَرَى الله
فِي عَرَفات،
لا يَقِفُ الإِنسانُ عَلَى جَبَلٍ،
بَلْ يَقِفُ عَلَى حافَّةِ نَفْسِهِ.
هُناك،
حِينَ
تَتَخَفَّفُ الرُّوحُ مِنْ أَسْمائِها القَدِيمَة،
وَمِنْ ضَجِيجِ المُدُنِ الَّتِي كانَتْ
تَسْكُنُها،
يُصْبِحُ القَلْبُ أَكْثَرَ عُرْيًا مِنَ
الرَّمْل،
وَأَقْرَبَ إِلَى اللهِ مِنْ دَمْعَتِهِ
الأُولَى.
عَرَفات...
لَيْسَتْ مَكانًا،
بَلْ لَحْظَةٌ يَنْكَسِرُ فِيها العالَمُ
داخِلَكَ
كَيْ تَرَى.
كُلُّ الَّذِينَ جاؤُوا إِلَى هٰذا
السَّهْلِ
لَمْ يَكُونُوا يَبْحَثُونَ عَنْ طَرِيقٍ
إِلَى السَّماءِ،
بَلْ عَنِ السَّماءِ الَّتِي ضاعَتْ
فِيهِمْ.
كانَ إِبْراهيمُ يَمْشِي،
وَالمَلائِكَةُ تُعَلِّمُهُ كَيْفَ
يَعْتَرِفُ لِنَفْسِهِ
قَبْلَ أَنْ يَعْتَرِفَ لِلَّه،
لِأَنَّ الَّذِي لا يَرَى ظَلامَهُ
لَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى النُّور.
قالَ لَهُ جِبْرائيل:
اعْتَرِفْ...
فَانْبَثَقَتْ
عَرَفاتُ مِنْ كَلِمَة.
كَأَنَّ الأَرْضَ كُلَّها
كانَتْ تَنْتَظِرُ اعْتِرافَ إِنْسانٍ
واحِد
كَيْ تَصِيرَ مُقَدَّسَة.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْم،
وَالبَشَرُ يَأْتُونَ إِلَى هٰذا
البَياضِ الهائِلِ
لِيَغْسِلُوا أَسْماءَهُمْ مِنْ تَعَبِ
الطِّين،
وَلِيَكْتَشِفُوا أَنَّ اللهَ
لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا كَما ظَنُّوا.
أَيُّهَا الواقِفُونَ تَحْتَ الشَّمْس،
أَنْتُمْ لا تَرْفَعُونَ أَيْدِيَكُمْ
إِلَى السَّماءِ،
بَلْ تَرْفَعُونَ السَّماءَ مِنْ
داخِلِكُمْ.
ما مَعْنَى أَنْ تَقُولَ: لَبَّيْكَ؟
أَنْ تُطْفِئَ الأَصْواتَ الَّتِي
لَيْسَتْ لَهُ.
أَنْ تَخْرُجَ مِنْ قَبائِلِكَ
الصَّغِيرَة...
قَبِيلَةِ المال،
وَقَبِيلَةِ الخَوْف،
وَقَبِيلَةِ المَرايا الَّتِي تُحِبُّ
وَجْهَكَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِيقَتِكَ.
فِي عَرَفات
لا أَحَدَ أَعْلَى مِنْ أَحَد.
المُلُوكُ وَالفُقَراءُ
يَلْبَسُونَ هَشاشَتَهُمْ نَفْسَها،
وَيَمْشُونَ نَحْوَ المَغْفِرَة
كَأَطْفالٍ أَضاعُوا الطَّرِيقَ ثُمَّ
وَجَدُوا أُمَّهُمْ.
هُناك،
يَتَذَكَّرُ
الإِنسانُ
أَنَّهُ لَيْسَ سِوَى نَفَسٍ عابِر
فِي هٰذا الكَوْنِ المُمتَلِئِ بِالله.
وَأَنَّ التَّوْحِيد
لَيْسَ فِكْرَةً تُقال،
بَلْ نارٌ تُحْرِقُ الأَصْنامَ
الخَفِيَّة...
صَنَمَ الأَنا،
وَصَنَمَ الرَّغْبَة،
وَصَنَمَ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ
القُرْبَ مِنَ الله
يُمْكِنُ أَنْ يُشْتَرَى بِالكَلِمات.
الحُسَيْنُ كانَ يَعْرِفُ ذٰلِكَ،
حِينَ قال:
كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ
مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ؟
كَأَنَّهُ كانَ يَرَى
أَنَّ الأَشْياءَ كُلَّها
فُقَراءُ يَقِفُونَ عَلَى بابِ الغَيْب،
وَأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ
هُوَ الحَقِيقَةُ الَّتِي لا تَسْتَعِيرُ
نُورَها مِنْ شَيْء.
فِي عَرَفات
تَتْعَبُ اللُّغَة...
الكَلِماتُ هُناك
لا تَعُودُ قادِرَةً عَلَى حَمْلِ ما
يَشْعُرُ بِهِ القَلْب.
لِذٰلِكَ يَبْكِي النّاس.
البُكاءُ فِي عَرَفات
لَيْسَ حُزْنًا،
بَلِ امْتِلَاءٌ يَفُوقُ احْتِمالَ
الجَسَد.
إِنَّهُ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَرَى فِيها
الإِنسانُ
كَمْ كانَ بَعِيدًا عَنْ نَفْسِهِ،
وَكَمْ كانَ اللهُ قَرِيبًا مِنْهُ.
تَرَى الوُجُوهَ المُتْعَبَةَ
وَقَدْ صارَتْ شَفّافَةً كَالدُّعاءِ،
وَتَرَى الخَطايا
وَهِيَ تَتَساقَطُ عَنِ الأَرْواح
مِثْلَ أَوْراقِ خَرِيفٍ قَدِيم.
حَتّى الشَّيْطانُ هُناك
يَصْغُر...
لِأَنَّ
الرَّحْمَةَ حِينَ تَنْزِل
ولا يَبْقَى لِلظَّلامِ مَكان.
وَفِي المَساء،
حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ كَأَنَّها
سَجْدَةٌ أَخِيرَة،
يَشْعُرُ الحاجُّ
أَنَّهُ لَمْ يَعُدِ الشَّخْصَ نَفْسَه...
شَيْءٌ ما احْتَرَقَ فِيه،
وَشَيْءٌ ما وُلِد.
كَأَنَّ اللهَ
أَعادَ تَشْكِيلَ قَلْبِهِ
مِنْ ضَوْءٍ وَخُشُوع.
ثُمَّ يَنْصَرِفُ النّاس،
لٰكِنَّ عَرَفات
لا تَنْصَرِفُ مِنْهُمْ.
تَبْقَى فِي أَرْواحِهِمْ
كَنَدْبَةٍ مِنْ نُور،
كَصَوْتٍ خَفِيٍّ يَقُول:
لَقَدْ رَأَيْتَ الطَّرِيق...
فَلا تَعُدْ إِلَى العَمَى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق