الإمام علي بن موسى الرضا ورسالة التوحيد

إنَّ دراسة شخصية الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لا تمثل دراسةً لسيرة إمام من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فحسب، بل هي دراسة لمرحلة مفصلية من تاريخ الفكر الإسلامي، حيث بلغت المواجهة بين الإسلام الأصيل وبين التيارات الفكرية الوافدة ذروتها، واشتدت الحاجة إلى إعادة بناء الوعي الإسلامي على أساس القرآن والعقل والبرهان.

لقد عاش الإمام الرضا (ع) في زمنٍ تلاطمت فيه أمواج المدارس الكلامية، وانتشرت الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية، وتنامت حركات الإلحاد والزندقة، واشتد الجدل بين المعتزلة والجبرية والمرجئة والمجسمة والغلاة، حتى أصبح الإنسان المسلم مهدداً في أصل عقيدته قبل أن يُهدَّد في فروع دينه.

ومن هنا لم يكن مشروع الإمام الرضا (ع) مشروعاً سياسياً بالمعنى الضيق، وإنما كان مشروعاً حضارياً لإعادة بناء الإنسان المسلم من الداخل، وإرجاعه إلى القرآن، وإحياء العقل الذي أراده الله حجةً باطنة كما جعل الأنبياء حججاً ظاهرة.

ولذلك نجد أنَّ أكثر تراث الإمام الرضا (ع) يدور حول ثلاثة محاور كبرى: التوحيد، الإمامة، أخلاق الإنسان ووحدة الأمة.

وليس من المصادفة أنَّ أشهر حديث نُقل عنه هو حديث السلسلة الذهبية، لأنه يختصر مشروعه كله في كلمة واحدة: "لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي".

فكأنّ الإمام (ع) يريد أن يقول للأمة كلها: أنَّ المشكلة ليست في قلة الشعائر، وإنما في ضعف التوحيد، فإذا صحّ التوحيد صلحت السياسة، واستقامت الأخلاق، واجتمعت الأمة، وانطفأت الفتن.


لماذا بدأ الإمام الرضا (ع) بالتوحيد؟

إنَّ أول ما يلفت النظر في تراث الإمام الرضا (ع) أنَّ معظم مناظراته، ورسائله، وأدعيته، تبدأ من الله، لا من الإنسان، وهذا هو المنهج القرآني نفسه؛ فالقرآن لم يبدأ بالأحكام، ولم يبدأ بالتاريخ، ولم يبدأ بالسياسة؛ بل بدأ بالله..

قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2)، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة: 255)، وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد: 3)؛ ذلك لأنَّ معرفة الله ليست باباً من أبواب الدين، بل هي أصل الدين كله.وقد روي عن الإمام الرضا (ع): "أَوَّلُ عِبَادَةِ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ" (التوحيد: ص 34).

وفي رواية أخرى: "وَكَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلاصُ لَهُ" (نهج البلاغة: خطبة 1).وهذه الرواية تمثل قاعدة معرفية عظيمة؛ فالناس يظنون أنَّ المعرفة تنتهي عند التصديق بوجود الله.أما الإمام فيجعل المعرفة ذات مراتب: المعرفة، ثم التوحيد، ثم الإخلاص، ثم نفي الصفات المحدودة عن الله، ثم الشهود القلبي.

ولهذا كانت المعرفة رحلةً لا تنتهي.


التوحيد حقيقة الوجود:

التوحيد في الفكر الإسلامي ليس مجرد الاعتقاد بإله واحد؛ فإنَّ كثيراً من الأمم كانت تؤمن بإله أعظم، ومع ذلك كانت مشركة.وإنما التوحيد هو أن ترى أنَّ الله هو الحقيقة المطلقة، وأنَّ كل ما سواه قائم به، مفتقر إليه، لا يملك لنفسه وجوداً مستقلاً.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15).ولم يقل القرآن إنَّ الناس يحتاجون إلى الله في الرزق فقط، بل قال: أنتم الفقراء إلى الله؛ أي أنَّ وجودكم نفسه فقر، وحياتكم فقر، وعلمكم فقر، وقدرتكم فقر.بل كل ذرة في الكون فقيرة إليه.

وقد جاء مكرراً على لسان أئمة أهل البيت، ومنهم الإمام الرضا (ع)، قولهم: "لا حول ولا قوة إلا بالله".وهذه الكلمة بيان فلسفي كامل؛ إذ لا حول لموجود إلا بالله، ولا قوة لموجود إلا بالله، ولا قيام لشيء إلا بالله.وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فالقيوم هو الذي يقوم به كل شيء، ولو انقطع فيضه لحظةً واحدة لعاد الكون كله إلى العدم.

وهذا ما أشار إليه الإمام الرضا (ع) في رسالته في التوحيد عندما قال: >الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْأَشْيَاءِ إِنْشَاءً، وَمُبْتَدِعِهَا ابْتِدَاعاً بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، لَا مِنْ شَيْءٍ؛ فَيَبْطُلَ الِاخْتِرَاعُ، وَلَا لِعِلَّةٍ؛ فَلَا يَصِحَّ الِابْتِدَاعُ، خَلَقَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ< (الكافي: ج 1 ص 256 ح 287؛ التوحيد: ص 98 ح 5؛ علل الشرائع: ص 9 ح 3).فهذه العبارة القصيرة تهدم جميع التصورات الوثنية التي تجعل المادة قديمة، أو تجعل العالم مستقلاً عن خالقه..فالله ليس صانعاً للعالم ثم تركه، بل هو خالقه، ومدبره، ومفيض الوجود عليه في كل آن.

 

التوحيد في البعد العرفاني

وهنا يرتقي الإمام الرضا (ع) بالإنسان من معرفة الله بالعقل إلى معرفة الله بالقلب.فالقرآن الكريم لا يريد عقلاً يؤمن بالله فحسب، بل يريد قلباً يحيا بالله.قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).

وقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (الذاريات: 50).والفرار إلى الله ليس انتقالاً من مكان إلى مكان، بل انتقال من النفس إلى الله، ومن الهوى إلى الهدى، ومن رؤية الأسباب إلى رؤية المسبب، ومن التعلق بالمخلوق إلى الاعتماد على الخالق.

ولهذا كان الإمام الرضا (ع) يكثر من الدعاء؛ لأنَّ الدعاء في مدرسة أهل البيت (ع) ليس طلباً للحاجات فقط، وإنما هو تربية للروح على شهود الفقر المطلق أمام الغني المطلق.فكلما ازداد الإنسان معرفةً بفقره، ازداد معرفةً بغنى الله.

قال الإمام السجاد (ع): "ووسيلتي إليك التوحيد".أي أنَّ الطريق إلى الله ليس كثرة الأعمال وحدها، وإنما حقيقة التوحيد التي تجعل الإنسان لا يرى لنفسه حولاً ولا قوة إلا بالله.


( 1 ) رسالة التوحيد في مدرسة الإمام الرضا (عليه السلام):

* حديث السلسلة الذهبية:

لا يكاد يوجد حديث في تراث أهل البيت (عليهم السلام) حظي بما حظي به حديث السلسلة الذهبية من شهرة وقبول وعناية العلماء والمحدثين، حتى عدّه بعضهم من أنفس الأسانيد وأشرفها، لا لكون رواته أئمة معصومين فحسب، بل لأنه يجمع بين شرف السند وعظمة المتن.

روى الشيخ الصدوق بإسناده عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه لما دخل نيسابور، واجتمع إليه آلاف المحدثين والفقهاء وأصحاب الحديث، طلبوا منه أن يحدثهم بحديث عن آبائه.

فأخرج الإمام رأسه من المحمل، وقال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال حدثني أبي جعفر بن محمد، قال حدثني أبي محمد بن علي، قال حدثني أبي علي بن الحسين، قال حدثني أبي الحسين بن علي، قال حدثني أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله، قال حدثني جبرئيل، قال سمعت الله عز وجل يقول: "لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي".

ثم لما تحركت الراحلة نادى الإمام: "بشروطها، وأنا من شروطها".


أولاً: لماذا ابتدأ الإمام بهذا الحديث؟

وهذا السؤال يمثل مفتاح فهم المشروع الفكري للإمام الرضا (ع)، فلم يسأله الناس عن السياسة، وهو ولي عهد المأمون.ولم يسألوه عن الإمامة، ولم يسألوه عن الأحكام.بل طلبوا منه الحديث الذي يرويه عن جده رسول الله (ص) من خلال أسانيده عن آبائه الطاهرين.

وكان يمكن للإمام (ع) أن يستغل الظرف مع وجود هذا العدد الغفير، ويروي لهمن في فضائل أهل البيت، أو في إمامتهم، أو في الأحكام..لكنه (ع) اختار أن يحدثهم عن التوحيد، ولم يكن ذلك مصادفة؛ إنما أراد (ع) أن يقول للأمة:

أنَّ كل انحراف يبدأ من ضعف معرفة الله، فإذا استقام التوحيد استقامت الإمامة، واستقامت الأخلاق، واستقام المجتمع، واستقامت السياسة.

ولهذا كان القرآن الكريم يبدأ دائماً بالله؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قبل أن يتحدث عن الإنسان.وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قبل أن يتحدث عن الشريعة..لأنَّ التوحيد ليس باباً من أبواب الإسلام، بل هو روح الإسلام كلها.


 

ثانياً: لماذا سمّي الحديث بالسلسلة الذهبية؟

سمي بذلك لأسباب متعددة:

السبب الأول:

أن جميع رجال السند معصومون، فلم يقع في السند راوٍ غير معصوم حتى يصل الحديث إلى الله سبحانه.

 

السبب الثاني:

أن هذا السند جمع بين النبوة والإمامة والوحي؛ فهو يبدأ بالله، ثم جبرائيل، ثم رسول الله، ثم أمير المؤمنين، ثم بقية الأئمة ..حتى الإمام الرضا.

ولذلك قال أبو نعيم الأصبهاني: "لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق".

وقال بعض المحدثين: لو وزن هذا السند بأسانيد الدنيا كلها لرجحها.

وليس المقصود بذلك مجرد الثناء الأدبي، وإنما بيان أن هذا السند يمثل أعلى درجات الوثوق.


ثالثاً: لماذا عبّر الله بالحِصن؟

وهنا تبدأ الأسرار..فلم يقل سبحانه: (لا إله إلا الله طريقي).ولا قال: (نور).ولا قال: (باب).بل قال: (حصني).

والحصن في لغة العرب هو المكان الذي يمتنع فيه الإنسان من كل عدو، فإذا دخل الإنسان الحصن لم يعد يخاف السهام، ولا السيوف، ولا الأعداء.

ولكن السؤال: ممّ يحتمي الإنسان بالتوحيد؟

فليس المقصود عذاب الآخرة فقط، بل عذاب الدنيا أيضاً.

فالإنسان يعذبه: الخوف، والطمع، والكبر، والرياء، والحسد، والهوى، والتعلق بالدنيا...وهذه كلها أصنام القلب.لهذا قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فالهوى قد يصبح إلهاً، والمال قد يصبح إلهاً، والسلطة قد تصبح إلهاً، بل النفس نفسها قد تصبح إلهاً.

ولهذا قال أمير المؤمنين (ع): "كم من عقل أسير تحت هوى أمير".فالإنسان إذا دخل حصن التوحيد تحرر من كل هذه الأصنام.


رابعاً: معنى قوله تعالى: حصني

واللطيف أنَّ الله نسب الحصن إلى نفسه، فقال: حصني، ولم يقل: الحصن..وهذا يعني أنَّ الأمن الحقيقي لا يتحقق بالأسباب وحدها.فقد يملك الإنسان المال ولا يأمن، ويملك السلطة ولا يأمن، ويملك الجيش ولا يأمن..أما من دخل في ولاية الله فقد دخل في أمن الله.

قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾..فالولي هو الحصن، والولاية هي الأمن..ولهذا قال الإمام الرضا (ع): «الْإِيمَانُ عَقْدٌ بِالْقَلْبِ، وَلَفْظٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ< (الخصال: ج 1 ص 178 ح 240؛ عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 205؛ معاني الأخبار: ص 186 ح 2).أي أنَّ الدخول في الحصن لا يكون بمجرد النطق، بل لا بد أن يدخل القلب أيضاً.


خامساً: لماذا قال الإمام في حديث السلسة: «بشروطها وأنا من شروطها»؟

هذه الجملة من أعظم الجمل العقدية في الإسلام؛ لأنها تمنع الإنسان من فهم التوحيد فهماً مبتوراً.فليس المقصود أن يقول الإنسان: (لا إله إلا الله) ثم يحارب أولياء الله، أو يعصي رسول الله، أو يرفض الإمام الذي نصبه الله..

إنما معنى الحديث: أنَّ التوحيد الحق يقتضي طاعة الله، وطاعة الرسول، وطاعة أولي الأمر الذين جعلهم الله حججه.قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، فالولاية ليست أمراً خارج التوحيد، بل هي من مقتضياته، كما أن النبوة ليست شريكاً لله، بل هي طريق الله..ولهذا قال الإمام: >وأنا من شروطها<، أي أنَّ الإمامة ليست بديلاً عن التوحيد، بل هي الطريق الذي يحفظ التوحيد من التحريف.


رؤية فلسفية

وهنا تتجلى دقة الإمام الرضا (ع)؛ فإنَّ كلمة التوحيد لا تُثمر آثارها إلا إذا تحولت إلى نظام حياة..فالفيلسوف قد يؤمن بإله، والمتكلم قد يثبت وجود الله بالبراهين، لكن هذا وحده لا يكفي.إنما المطلوب أن تصبح >لا إله إلا الله< حقيقةً تحكم الفكر والإرادة والسلوك.

ولهذا فرّق الحكماء بين التوحيد الذهني، وهو التصديق، وبين التوحيد الوجودي، وهو أن يفنى تعلّق الإنسان بكل ما سوى الله، فلا يرى الاستقلال إلا لله، ولا يعتقد التأثير الذاتي إلا له سبحانه.

وهذا هو المعنى الذي تشير إليه كلمات الإمام الرضا (ع) في دعائه المشهور: >اللهُمَّ إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ< (بحار الأنوار: ج 25 ص 343).

فالبراءة من الحول والقوة ليست إنكاراً لقدرة الإنسان، وإنما هي إنكار لاستقلالها، وإقرار بأنها مستمدة من الله، قائمة به، لا تنفك عنه.وهذا ينسجم مع قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 29).

وهكذا يصبح حديث السلسلة الذهبية ليس مجرد نص في فضل التوحيد، بل ميثاقاً عقدياً وفلسفياً وروحياً يربط بين المعرفة، والعبودية، والولاية، ويجعل التوحيد أصل كل إصلاح في الفرد والأمة.


( 2 ) رسالة الإمام الرضا (ع) في التوحيد:

من أعمق النصوص العقدية التي وصلتنا عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، الرسالة التي أملاها على محمد بن زيد في بيان حقيقة التوحيد، وقد رواها الشيخ الكليني في الكافي، والشيخ الصدوق في التوحيد.وهي ليست جواباً عن سؤال جزئي، بل تمثل بياناً متكاملاً لعقيدة أهل البيت (عليهم السلام) في معرفة الله تعالى.

قال الإمام (ع): >الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْأَشْيَاءِ إِنْشَاءً، وَمُبْتَدِعِهَا ابْتِدَاعاً بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، لَا مِنْ شَيْءٍ؛ فَيَبْطُلَ الِاخْتِرَاعُ، وَلَا لِعِلَّةٍ؛ فَلَا يَصِحَّ الِابْتِدَاعُ ...< (الكافي: ج 1 ص 256 ح 287؛ التوحيد: ص 98 ح 5؛ علل الشرائع: ص 9 ح 3).

إنَّ هذه الكلمات القليلة تختزن بناء عقدياً وفلسفياً بالغ العمق، حتى قال غير واحد من العلماء إن هذه الرسالة تعد من أدق النصوص الكلامية في التراث الإسلامي؛ لأنها جمعت بين التنزيه، والتوحيد، ونفي التشبيه، وإثبات القيومية الإلهية، في ألفاظ موجزة محكمة.


أولاً: الله تعالى هو المبدأ الأول لكل وجود

افتتح الإمام (ع) كلامه بقوله: >فَاطِرِ الْأَشْيَاءِ إِنْشَاءً، وَمُبْتَدِعِهَا ابْتِدَاعاً<.وهذا التعبير مأخوذ من القرآن الكريم، إذ يقول سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (فاطر: 1).ويقول: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (البقرة: 117).

والفرق بين (الفاطر) و(المبدع) أنَّ الفطر هو الإيجاد مع شق العدم وإظهاره إلى الوجود، أما الإبداع فهو الإيجاد الذي لا يسبقه مثال سابق، ولا مادة قديمة، ولا نموذج يحتذى.

وهذا ينسف كل التصورات التي تجعل العالم قديماً، أو تجعل المادة أزلية، أو تجعل الله مجرد منظِّم للعالم، كما ذهب إليه بعض الفلاسفة اليونان.فالقرآن يؤكد أن الله ليس صانعاً يعمل على مادة موجودة قبله، وإنما هو خالق المادة نفسها، وخالق الزمان والمكان، وخالق قوانين الوجود جميعاً.

ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82).فليس هناك وسيط بين الإرادة الإلهية والوجود، إلا تعلق المشيئة الإلهية بالشيء.


ثانياً: نفي المادة الأولى

ثم يقول الإمام: >لَا مِنْ شَيْءٍ؛ فَيَبْطُلَ الِاخْتِرَاعُ<..وهذه الجملة من أعظم العبارات الكلامية في تراث أهل البيت (ع).إذ كانت بعض الفلسفات القديمة تعتقد أن الله خلق العالم من مادة قديمة أزلية.

أما الإمام فيقرر أنَّ أصل المادة نفسها مخلوق لله.وهذا ينسجم مع قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (الإنسان: 1).وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الزمر: 62).فالآية جاءت بصيغة العموم المطلق، ولم تستثنِ شيئاً من الخلق سوى ذات الله سبحانه.

ومن هنا فإنَّ الممكنات جميعاً ليست قائمة بذاتها، وإنما هي قائمة بإفاضة الله عليها الوجود.


ثالثاً: نفي العلة عن فعل الله

ثم يقول الإمام: >وَلَا لِعِلَّةٍ؛ فَلَا يَصِحَّ الِابْتِدَاعُ<.

وهنا يقرر الإمام قاعدة دقيقة: إنَّ الله لا يفعل لحاجة، ولا يخلق ليستكمل نقصاً، ولا يفيض الوجود ليزداد كمالاً؛ لأنَّ الحاجة من صفات الممكن.

أما الواجب تعالى فهو الكمال المطلق.قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15).وقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهيم: 8).فالخلق ليس تلبية لحاجة، بل هو تجلٍّ للحكمة.

 

ولهذا قال الإمام مباشرة: >بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ<، ولم يقل: بحاجته، أو بمنفعته.

وهذا هو الفرق الجوهري بين التوحيد الإسلامي وبعض التصورات الفلسفية القديمة.


رابعاً: الحكمة غاية الخلق

إذا كان الله لا يخلق لحاجة، فلماذا خلق؟

يجيب القرآن: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ (الملك: 2).وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).

وقد فسّر الإمام الرضا (ع) هذه الحقيقة بقوله: >خَلَقَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ، مُتَوَحِّداً بِذلِكَ لِإِظْهَارِ حِكْمَتِهِ، وَحَقِيقَةِ رُبُوبِيَّتِهِ<.فالعبادة ليست منفعةً تعود إلى الله، وإنما هي الطريق الذي يخرج الإنسان من نقص الإمكان إلى كمال العبودية.

فالحكمة الإلهية تتجلى في أن يبلغ الإنسان كماله الممكن، لا أن يضيف إلى الله كمالاً حاشاه.


خامساً: تنزيه الذات الإلهية

ثم ينتقل الإمام إلى أعظم مباحث العقيدة، فيقول: >لَا تَضْبِطُهُ الْعُقُولُ، وَلَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ مِقْدَارٌ<.وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:

الأول: معرفة الله.

والثاني: الإحاطة بالله.

فالقرآن الكريم أمر بالمعرفة، ونهى عن دعوى الإحاطة.قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (الأنعام: 103).وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه: 110).

ولذلك قال أمير المؤمنين (ع): > لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، وَلَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ<.فالمعرفة ممكنة، والإحاطة ممتنعة، نعرفه بآياته، وأفعاله، وأسمائه الحسنى، ولكن ذاته المقدسة فوق أن تحيط بها العقول المحدودة.

 

ومن هنا تبدأ الرحلة العرفانية في مدرسة أهل البيت (ع)..فكلما ازداد العبد معرفة بالله، ازداد علماً بعجزه عن الإحاطة به.ولهذا كان شعار العارفين قول أمير المؤمنين (ع): > ما عبد ناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك< (بحار: ج 25 ص 209 - 211).

وهذا لا يعني اليأس من المعرفة، بل يعني أن معرفة الله بحر لا ساحل له، وأن كل مرتبة يبلغها العارف تكشف له أن وراءها مراتب أعلى، كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 76).

ومن هنا نفهم أن الإمام الرضا (ع) لم يكن يدعو إلى معرفة ذهنية مجردة، وإنما إلى معرفة تثمر خشيةً ومحبةً وإخلاصاً، ولذلك كان يقول في دعائه: > اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ عُمُري آخِرَهُ، وخَيرَ عَمَلي خَواتِمَهُ، وخَيرَ أيّامي يَومَ ألقاكَ<.

فالغاية من التوحيد ليست الانتصار في الجدل الكلامي، وإنما الوصول إلى مقام العبودية الخالصة، حيث يصبح القلب مرآةً لأسماء الله الحسنى، ويتحقق فيه معنى قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: 138).

وهذه هي الثمرة التي أراد الإمام الرضا (ع) أن يبلغها بأصحابه: أن ينتقلوا من معرفة الدليل إلى شهود المدلول، ومن الإقرار باللسان إلى الإخلاص في القلب، ومن العلم بالله إلى الحياة بالله، من غير غلو ولا حلول ولا اتحاد، بل في إطار العبودية الخالصة التي هي أشرف مقامات الإنسان.


مراتب التوحيد في مدرسة الإمام الرضا

إن المتأمل في روايات الإمام الرضا (ع) يجد أنه لا يتحدث عن التوحيد بوصفه قضيةً ذهنية أو برهاناً فلسفياً مجرداً، وإنما بوصفه حقيقة وجودية تتغلغل في جميع أبعاد الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، وعلاقته بالله والناس.ولهذا فإنَّ التوحيد عند أهل البيت (عليهم السلام) ذو مراتب، يترقى فيها الإنسان من الإسلام الظاهري إلى مقام الإحسان الذي أشار إليه القرآن الكريم.

قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5).وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (الأنعام: 162-163).فهاتان الآيتان لا تتحدثان عن توحيد الاعتقاد فحسب، بل عن توحيد الحياة بأسرها، بحيث تصبح جميع شؤون الإنسان لله تعالى.

 

المرتبة الأولى: توحيد المعرفة:

أول مراتب التوحيد هي معرفة الله، إذ لا يمكن أن تتحقق عبادة صحيحة من دون معرفة صحيحة.وقد روي عن الإمام الرضا (ع): >أَوَّلُ عِبَادَةِ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ وَأَصْلُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَوْحِيدُهُ وَنِظَامُ تَوْحِيدِ اللَّهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ<.وقد بيّن الإمام أن المعرفة ليست ثمرة التقليد، وإنما ثمرة التفكر في آيات الله.

قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190).وقال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (فصلت: 53).

فالكون كتاب مفتوح، وكل موجود فيه آية تشير إلى خالقه، ولذلك قال أمير المؤمنين (ع): >ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه<، وهذه الكلمة لا تعني رؤية الذات الإلهية، وإنما تعني أن كل موجود دليل على خالقه، وأن وجوده قائم بالله، لا مستقل عنه.

 

المرتبة الثانية: توحيد العبادة

بعد المعرفة تأتي العبادة، وهي الثمرة الأولى للتوحيد.قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5).وقد جمع القرآن بين العبادة والاستعانة؛ لأن من عبد الله حقاً لم يستعن استقلالاً إلا بالله، وإن أخذ بالأسباب التي جعلها الله سنناً في الكون.

ومن كلمات الإمام الصادق (ع): >مَنْ عَبَدَ اللهَ بِالتَّوَهُّمِ، فَقَدْ كَفَرَ؛ وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنى، فَقَدْ كَفَرَ؛ وَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَالْمَعْنى، فَقَدْ أَشْرَكَ؛ وَمَنْ عَبَدَ الْمَعْنى بِإِيقَاعِ الْأَسْمَاءِ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ، فَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، وَنَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ فِي سَرَائِرِهِ وَعَلَانِيَتِهِ، فَأُولئِكَ أَصْحَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَقّاً < (التوحيد: ص 220 ح 12).

وهذه الرواية من أدق النصوص في تنقية العبادة من الشرك الخفي، فهي ترفض عبادة الصورة الذهنية، كما ترفض الوقوف عند الألفاظ دون حقائقها، وتدعو إلى عبادة الله كما عرّف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله.

المرتبة الثالثة: توحيد الطاعة

 

إنَّ من لوازم التوحيد أن تكون الطاعة لله، فلا يتبع الإنسان هواه، ولا يجعل رأي الناس أو مصالحه الشخصية حكماً على أوامر الله.قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59).وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: 23).

وقد نبّه الإمام الرضا (ع) إلى أن أخطر أنواع الشرك هو أن يتحول الهوى إلى معبود، فيطيع الإنسان شهوته أكثر من طاعته لربه، فيصبح أسيراً لنفسه وإن ظن أنه حر.

ومن هنا قال الإمام (ع): > لَيْسَ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ< (الكافي: ج 3 ص 141 ح 1558).فالتفكر يحرر الإنسان من سلطان الهوى، ويجعله يزن أفعاله بميزان الوحي لا بميزان الرغبة.

المرتبة الرابعة: توحيد المحبة

من أعمق مراتب التوحيد أن يكون الله أحبَّ إلى العبد من كل شيء.قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البقرة: 165).وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ (التوبة: 24).

وهذا لا يعني إلغاء محبة الأهل أو الوطن، وإنما يعني أن تكون جميع المحاب تابعة لمحبة الله، فلا يحب الإنسان ما يبغضه الله، ولا يبغض ما يحبه الله.

وقد جسّد الإمام الرضا (ع) هذه المرتبة في دعائه ومناجاته، فكانت علاقته بالله علاقة محبة وخضوع، لا علاقة خوف مجرد.

ومن هنا كانت محبة أهل البيت (عليهم السلام) امتداداً لمحبة الله، لأنهم دعاة إليه، لا دعاة إلى أنفسهم.

المرتبة الخامسة: توحيد التوكل

إذا عرف الإنسان أن الله هو المدبر، وأنه بيده مقاليد السماوات والأرض، استقر في قلبه مقام التوكل.قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: 23).وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 3).

 

وروي عن الرسول الأكرم (ص): >مَن أحَبَّ أن يَكونَ أقوَى النّاسِ فلْيَتَوكَّلْ علَى اللَّهِ تعالى<.وهذا الحديث يبين أن القوة الحقيقية ليست في المال ولا السلطان، بل في اعتماد القلب على الله مع القيام بالأسباب المشروعة.


البعد العرفاني للتوحيد:

إذا اجتمعت هذه المراتب في الإنسان، انتقل من مجرد الإيمان النظري إلى مقام الإخلاص، وهو المقام الذي وصفه القرآن بقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (الصافات: 40).

والإخلاص ليس أن يعمل الإنسان لله فحسب، بل أن يتحرر قلبه من إرادة غير الله، فلا يعمل طلباً لمدح الناس، ولا خوفاً من ذمهم، ولا طمعاً في دنياهم، وإنما يجعل غايته رضا الله وحده.

وقد روي عن الإمام الرضا (ع): >أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- كَانَ يَقُولُ: طُوبى لِمَنْ أَخْلَصَ لِلهِ الْعِبَادَةَ وَالدُّعَاءَ، وَلَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ بِمَا تَرى عَيْنَاهُ، وَلَمْ يَنْسَ ذِكْرَ اللَّهِ بِمَا تَسْمَعُ أُذُنَاه ، وَلَمْ يَحْزُنْ صَدْرَهُ بِمَا أُعْطِيَ غَيْرُهُ<.

فهذه الرواية ترسم صورة الإنسان الموحِّد: قلبه حاضر مع الله، ولسانه ذاكر، وجوارحه عاملة، ونفسه راضية، فلا تزعزعه زخارف الدنيا، ولا تحجبه عن ربه المنافسات الدنيوية.

وهكذا يصبح التوحيد في مدرسة الإمام الرضا (ع) مشروعاً لبناء الإنسان الكامل؛ يبدأ بالمعرفة، ويترقى إلى العبادة، ثم الطاعة، فالمحبة، فالتوكل، حتى يبلغ مقام الإخلاص، وهو المقام الذي تتجلى فيه حقيقة العبودية لله، وتنبثق منه كل فضائل الأخلاق، وكل معاني الوحدة بين المؤمنين.


الفوائد العملية للتوحيد في حياة الإنسان:

إنَّ أهمَّ ما تكشفه رسالة الإمام الرضا (عليه السلام) في التوحيد هو أنَّ التوحيد هو منهج حياة يصنع الإنسان من داخله، ويعيد تشكيل علاقته بالله، وبنفسه، وبالناس، وبالعالم.فكلما ازداد الإنسان توحيداً، ازداد تحرراً من كل ما سوى الله، واتسعت دائرة حريته الروحية والفكرية والأخلاقية.

وأبرز الثمار العملية للتوحيد يمكن تلخيصها في الأمور الآتية:

1.   تحرير الإنسان من عبودية غير الله؛ فالموحِّد لا يخضع لهوى، ولا يستعبدُه مال، ولا تُرهبُه سلطة، ولا يصنع قراراته خوف الناس أو طمع الدنيا، لأنه يعلم أنَّ الملك لله وحده، وأنَّ النافع والضار على الحقيقة هو الله سبحانه. وهذه هي الحرية التي جاء بها القرآن، وأكدتها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

2.   تحقيق الطمأنينة النفسية؛ إذ يدرك المؤمن أنَّ الكون كله قائم بتدبير الله وحكمته، وأنَّ ما يجري فيه لا يخرج عن إرادته، فيسكن قلبه عند البلاء، ويشكر عند النعماء، ويطمئن إلى وعد الله، فلا تزعزعه تقلبات الحياة ولا اضطراباتها.

3.   ترسيخ الإخلاص في العمل؛ لأنَّ الموحد يجعل غاية أعماله رضا الله، فلا يطلب مدح الناس، ولا ينتظر منهم جزاءً أو شكوراً، وبذلك تتحول العبادة والعمل الاجتماعي والعلمي إلى عبودية خالصة لله تعالى.

4.   بناء الشخصية الأخلاقية؛ فكل فضيلة أخلاقية إنما تنبع من التوحيد؛ إذ إنَّ التواضع ثمرة معرفة عظمة الله، والرحمة ثمرة الإيمان بربوبيته لعباده، والعدل ثمرة الاعتقاد بأنَّ الله هو العدل المطلق، والصبر ثمرة الثقة بحكمته، والشكر ثمرة الاعتراف بفيض نعمه.

5.   تحقيق وحدة الأمة؛ لأنَّ التوحيد يجمع المؤمنين على مركز واحد، فلا تكون العصبيات القومية أو المذهبية أو الحزبية هي أساس الاجتماع، وإنما يكون الاجتماع على عبودية الله وطاعته، ولذلك جعل الإمام الرضا (عليه السلام) التوحيد أساساً تُبنى عليه الإمامة، والأخلاق، ووحدة المجتمع الإسلامي.

6.   إحياء العقل وروح التفكر؛ فالتوحيد الصحيح لا يلغي العقل، بل يحرره من التقليد والهوى، ويدفعه إلى التأمل في آيات الله في الآفاق والأنفس، حتى تصبح المعرفة طريقاً إلى العبودية، لا وسيلةً للجدل العقيم.

7.   تحقيق التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله؛ فالموحِّد يعمل، ويخطط، ويبذل الأسباب، لكنه لا يرى فيها استقلالاً، وإنما يعدّها أدوات جعلها الله في نظام الكون، ولذلك يجمع بين قوة السعي وسكينة القلب، فلا يصيبه اليأس عند الفشل، ولا الغرور عند النجاح.

وخلاصة القول: إنَّ رسالة الإمام الرضا (عليه السلام) في التوحيد لا تريد أن تُخرِّج متكلماً يجيد إقامة البراهين فحسب، وإنما تريد أن تُنشئ إنساناً موحِّداً يعيش مع الله في فكره، ويعبده في قلبه، ويطيعه في سلوكه، ويعمر الأرض وفق هدايته.

فالتوحيد في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هو الأصل الذي تتفرع منه العقيدة، وتستقيم به الأخلاق، وتترسخ العدالة، وتتوحد الأمة، وتطمئن النفس، ويبلغ الإنسان كماله الذي خُلق من أجله.

ومن هنا يبقى التوحيد، كما أراده الإمام الرضا (عليه السلام)، ليس بداية الطريق إلى الله فحسب، بل غايته أيضاً، وروح الرسالات الإلهية، وأساس كل مشروع حضاري يريد أن يبني الإنسان قبل أن يبني العمران.


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة