** حِينَ وُلِدَ النُّورُ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ **

قَصِيدَةٌ فِي مُحَمَّدٍ...

حِينَ يَصِيرُ النُّورُ إِنْسَاناً، وَيَصِيرُ الإِنْسَانُ طَرِيقاً إِلَى اللهِ

لَمْ يُولَدْ مُحَمَّدٌ فِي مَكَّةَ وَحْدَهَا.

كَانَتْ مَكَّةُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمِيلَادِ.

وُلِدَ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ تَفْصِلُ الْأَرْضَ عَنِ السَّمَاءِ،

فِي الْوَحْشَةِ الْقَدِيمَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَرَبِّهِ،

فِي ذَلِكَ الشَّقِّ الْخَفِيِّ مِنَ الْقَلْبِ

الَّذِي ظَلَّ مُنْذُ آدَمَ

يَنْتَظِرُ اسْماً،

إِذَا نَادَاهُ

تَذَكَّرَ الطَّرِيقَ.

وُلِدَ...

فَارْتَبَكَ اللَّيْلُ.

وَشَعَرَتِ الْأَصْنَامُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى،

أَنَّ الْحَجَرَ يُمْكِنُ أَنْ يَخَافَ.

وَكَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لِلْأَرْضِ:

إِنَّ النُّورَ لَا يَبْقَى دَائِماً فِكْرَةً فِي السَّمَاءِ،

قَدْ يَصِيرُ وَجْهاً،

وَقَدْ يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ،

وَيَجْلِسُ إِلَى الْفُقَرَاءِ،

وَيَمْسَحُ رَأْسَ الْيَتِيمِ،

وَيَحْمِلُ وَجَعَ امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا،

وَيَغْفِرُ لِرَجُلٍ جَاءَهُ مُثْقَلاً بِخَطِيئَتِهِ،

ثُمَّ يَرْفَعُ عَيْنَيْهِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ

وَيَقُولُ:

يَا رَبِّ...

أَنَا عَبْدُكَ.

 

يَا مُحَمَّدُ...

أَيُّ سِرٍّ أَوْدَعَهُ اللهُ فِيكَ

حَتَّى سَمَّاكَ:

﴿سِرَاجاً مُنِيراً﴾؟

لَمْ يَقُلْ: شَمْساً..

لَعَلَّ الشَّمْسَ بَعِيدَةٌ.

وَأَنْتَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ قَرِيباً.

فِي بَيْتِ الْأَرْمَلَةِ،

وَفِي يَدِ الْمِسْكِينِ،

وَعِنْدَ فِرَاشِ الْمَرِيضِ،

وَفِي دَمْعَةِ التَّائِبِ،

وَفِي ارْتِجَافِ الْمُذْنِبِ

حِينَ يَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَنْ يَفْتَحَ لَهُ الْبَابَ..

كُنْتَ سِرَاجاً

لِأَنَّ السِّرَاجَ لَا يَخْلُقُ الطَّرِيقَ...

إِنَّهُ يَكْشِفُهُ.

وَكَانَ الطَّرِيقُ مَوْجُوداً فِينَا،

لَكِنَّنَا أَضَعْنَاهُ تَحْتَ رُكَامِ أَنْفُسِنَا.

فَجِئْتَ
لَا لِتَضَعَ فِي الْإِنْسَانِ إِنْسَاناً آخَرَ،

بَلْ لِتَحْفِرَ فِيهِ

حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْإِنْسَانِ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ

قَبْلَ أَنْ تُفْسِدَهُ الْمَرَايَا.

قُلْتَ لَهُ:

اُخْرُجْ مِنْكَ

إِلَيْكَ.

اُخْرُجْ مِنْ خَوْفِكَ

إِلَى اللهِ.

اُخْرُجْ مِنْ شَهَوَاتِكَ

إِلَى الْحُرِّيَّةِ.

اُخْرُجْ مِنْ كَثْرَتِكَ

إِلَى الْوَاحِدِ.

 

وَكَانَ الْقُرْآنُ يَمْشِي مَعَكَ.

لَا كِتَاباً تَحْتَ ذِرَاعِكَ،

بَلْ سَمَاءً فِي صَدْرِكَ.

كُلَّمَا نَزَلَتْ آيَةٌ

انْفَتَحَ فِيكَ بَابٌ.

وَكُلَّمَا قُلْتَ:

﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾

سَقَطَ صَنَمٌ فِي قَلْبِ إِنْسَانٍ.

حَتَّى عَرَفْنَا

أَنَّ الْأَصْنَامَ لَيْسَتْ كُلُّهَا مِنْ حَجَرٍ.

مِنْهَا مَا لَهُ اسْمُنَا.

وَمِنْهَا مَا لَهُ وَجْهُنَا.

وَمِنْهَا مَا يَنَامُ مَعَنَا.

وَمِنْهَا مَا نُسَمِّيهِ: أَنَا.

وَكَانَتْ >لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ<

فَأْساً مِنْ نُورٍ،

لَا تَهْدِمُ أَصْنَامَ الْكَعْبَةِ وَحْدَهَا،

بَلْ تَدْخُلُ إِلَى أَعْمَقِ كَهْفٍ فِي النَّفْسِ،

وَتَقُولُ لِكُلِّ شَيْءٍ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ إِلَهاً:

اُخْرُجْ.

هَذَا الْقَلْبُ

للهِ.

 

يَا رَسُولَ اللهِ...

لَمْ تَأْتِ لِتُعَلِّمَنَا

كَيْفَ نَتَحَرَّكُ فَقَطْ،

بَلْ كَيْفَ نَكُونُ.

فَالْأَخْلَاقُ عِنْدَكَ

لَمْ تَكُنْ طِلَاءً عَلَى جِدَارِ الْإِنْسَانِ.

كُنْتَ تَهْدِمُ الْجِدَارَ،

وَتُعِيدُ بِنَاءَ الْبَيْتِ.

وَكَانَ اللهُ يَقُولُ عَنْ رِسَالَتِكَ:

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

تِلَاوَةٌ...

وَتَزْكِيَةٌ...

وَتَعْلِيمٌ...

كَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الَّتِي لَا تُطَهِّرُ الْقَلْبَ

قَدْ تُصْبِحُ جَهْلاً أَكْثَرَ ذَكَاءً.

وَكَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْفَظَ أَلْفَ آيَةٍ

وَيَبْقَى بَعِيداً عَنِ الْقُرْآنِ.

فَالْقُرْآنُ لَيْسَ مَا يَمُرُّ عَلَى اللِّسَانِ فَقَطْ.

الْقُرْآنُ مَا إِذَا مَرَّ بِالْقَلْبِ

غَيَّرَهُ.

 

ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ.

وَكَانَ عَلِيٌّ يَعْرِفُكَ

مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي لَا يَعْرِفُكَ مِنْهَا الْآخَرُونَ.

كَانَ قَدْ رَآكَ حِينَ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ.

رَأَى قِيَامَكَ.

صَمْتَكَ.

دَمْعَتَكَ.

وَحْشَةَ حِرَاءَ الْبَاقِيَةَ فِي عَيْنَيْكَ.

وَرَأَى كَيْفَ يَصْنَعُ اللهُ رَسُولاً

مِنْ قَلْبٍ لَا يُرِيدُ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئاً.

فَقَالَ عَنْكَ:

>طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ>.

يَا عَلِيُّ...

مَا أَعْمَقَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ!

لَمْ تَقُلْ:

مَلِكاً.

وَلَا فَاتِحاً.

وَلَا قَاضِياً.

قُلْتَ:

طَبِيبٌ.

كَأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا

كَانَتْ جُرْحاً،

وَكَانَ مُحَمَّدٌ

يَمْشِي وَفِي يَدِهِ مَرْهَمُ السَّمَاءِ.

 

كَانَ يَدْخُلُ إِلَى الْقَلْبِ

وَلَا يَسْأَلُ:

مَنِ الْمُذْنِبُ؟

بَلْ:

أَيْنَ يُؤْلِمُكَ؟

فَالْخَطِيئَةُ قَدْ تَكُونُ آخِرَ الْحِكَايَةِ،

لَا أَوَّلَهَا.

وَرَاءَهَا قَلْبٌ جَائِعٌ.

وَرَاءَهَا خَوْفٌ.

وَرَاءَهَا وَحْدَةٌ.

وَرَاءَهَا طِفْلٌ كَبِرَ

وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْتَضِنُهُ.

وَرَاءَهَا نَفْسٌ ظَمِئَتْ،

فَشَرِبَتْ مِنْ مُسْتَنْقَعٍ

لِأَنَّ أَحَداً لَمْ يَدُلَّهَا عَلَى النَّهْرِ.

وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ

كُنْتَ تَبْحَثُ عَنِ النَّهْرِ.

وَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ تَرَى الْعَاصِيَ

كَمَا نَرَاهُ.

نَحْنُ نَرَاهُ فِي لَحْظَةِ سُقُوطِهِ.

وَأَنْتَ تَرَاهُ

فِي إِمْكَانِيَّةِ قِيَامِهِ.

نَحْنُ نَحْبِسُ الْإِنْسَانَ فِي مَاضِيهِ.

وَأَنْتَ تَفْتَحُ نَافِذَةً

عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ.

نَحْنُ نَقُولُ:

هَذَا مَا فَعَلَ.

وَأَنْتَ تَقُولُ:

هَذَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ.

 

جِيءَ إِلَيْكَ بِرَجُلٍ غَلَبَتْهُ الْخَمْرُ.

وَكَانَ النَّاسُ يُرِيدُونَ

أَنْ يَجْعَلُوا خَطِيئَتَهُ اسْمَهُ.

أَنْ يَمْحُوا الْإِنْسَانَ

وَيُبْقُوا الذَّنْبَ.

فَقُلْتَ:

>لَا تَلْعَنُوهُ...<

ثُمَّ كَشَفْتَ الضَّوْءَ الْمُخْتَبِئَ تَحْتَ الرَّمَادِ:

>إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ<.

يَا لِهَذَا الدِّينِ

حِينَ يُرَى بِعَيْنَيْكَ!

لَمْ تُنْكِرِ الْخَطِيئَةَ.

لَكِنَّكَ رَفَضْتَ

أَنْ تَكُونَ الْخَطِيئَةُ أَكْبَرَ مِنَ الْإِنْسَانِ.

عَرَفْتَ أَنَّ فِي أَعْمَقِ الْمُذْنِبِينَ

نَافِذَةً لَمْ يُغْلِقْهَا اللهُ.

وَأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَنْتَصِرُ

حِينَ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَعْصِي فَقَطْ،

بَلْ حِينَ يُقْنِعُهُ بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ

أَنَّ الطَّرِيقَ انْتَهَى.

فَقُلْتَ لَنَا:

>لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ<.

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ

كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَخَافَ مِنْ أَلْسِنَتِنَا

كَمَا نَخَافُ مِنَ الشَّيْطَانِ.

فَرُبَّ كَلِمَةٍ

أَغْلَقَتْ بَاباً كَانَ اللهُ يُرِيدُ فَتْحَهُ.

وَرُبَّ فَضِيحَةٍ

دَفَعَتْ تَائِباً إِلَى قَعْرِ خَطِيئَتِهِ.

وَرُبَّ مُتَدَيِّنٍ ظَنَّ أَنَّهُ يُدَافِعُ عَنِ اللهِ،

وَكَانَ، مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ،

يَهْدِمُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ

آخِرَ نَافِذَةٍ تُطِلُّ عَلَى اللهِ.

 

وَجَاءَكَ أَعْرَابِيٌّ

أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ رَحْمَةَ اللهِ

بَيْنَهُ وَبَيْنَكَ.

قَالَ:

ارْحَمْنِي وَمُحَمَّداً،

وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَداً.

فَابْتَسَمَتِ السَّمَاءُ فِي كَلَامِكَ:

>لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعاً<.

أَيُّهَا الْإِنْسَانُ...

لِمَاذَا تَضِيقُ

حِينَ يَكُونُ رَبُّكَ وَاسِعاً؟

لِمَاذَا تَبْنِي أَسْوَاراً

حَوْلَ الرَّحْمَةِ؟

مَنْ أَعْطَاكَ مَفَاتِيحَ الْجَنَّةِ

حَتَّى تُغْلِقَهَا؟

مَنْ قَالَ إِنَّ اللهَ

لَا يُحِبُّ إِلَّا الَّذِينَ يُشْبِهُونَكَ؟

إِنَّ الْبَحْرَ لَا يَصِيرُ كَأْساً

لِأَنَّ يَدَكَ صَغِيرَةٌ.

وَالسَّمَاءُ لَا تَضِيقُ

لِأَنَّ نَافِذَتَكَ ضَيِّقَةٌ.

وَاللهُ...

لَا تَصْنَعُهُ تَصَوُّرَاتُنَا.

 

ثُمَّ أَخْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ فِي مَسْجِدِكَ.

وَغَضِبَ النَّاسُ.

أَمَّا أَنْتَ

فَرَأَيْتَ جَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ تَرَى خَطَأَهُ.

كُنْتَ تَعْرِفُ

أَنَّ الْجَاهِلَ يَحْتَاجُ إِلَى مِصْبَاحٍ،

لَا إِلَى سَوْطٍ.

وَأَنَّ بَعْضَ الَّذِينَ نَضْرِبُهُمْ

لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْعُقُوبَةِ

بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ إِلَى مَنْ يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ.

وَلِهَذَا كُنْتَ مُعَلِّماً

لَا يَكْسِرُ الْمُتَعَلِّمَ.

كُنْتَ تُصْلِحُ الْخَطَأَ

وَتَتْرُكُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ سَلِيمَةً.

كَأَنَّكَ تَقُولُ لِكُلِّ مُرَبٍّ بَعْدَكَ:

إِذَا خَرَجْتَ مِنَ التَّرْبِيَةِ مُنْتَصِراً

وَخَرَجَ الْإِنْسَانُ مَكْسُوراً،

فَأَنْتَ لَمْ تُرَبِّ أَحَداً.

 

يَا مُحَمَّدُ...

كُنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ الْإِنْسَانَ

لَيْسَ فِعْلاً مُنْفَرِداً.

إِنَّهُ كَوْنٌ.

وَرُبَّمَا كَانَ وَرَاءَ غَضَبِهِ

بَحْرٌ لَمْ نَرَهُ.

وَوَرَاءَ قَسْوَتِهِ

جُرْحٌ قَدِيمٌ.

وَوَرَاءَ صَمْتِهِ

صُرَاخٌ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ.

لِهَذَا لَمْ تَكُنْ تَرْبِيَتُكَ

صِنَاعَةً لِلسُّلُوكِ،

بَلْ هَنْدَسَةً لِلْبَاطِنِ.

قُلْتَ:

>لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ...<

وَغَيَّرْتَ مَعْنَى الْقُوَّةِ.

فَالْقَوِيُّ لَيْسَ مَنْ يَصْرَعُ رَجُلاً.

الْقَوِيُّ مَنْ يَقِفُ أَمَامَ الْوَحْشِ الْمُخْتَبِئِ فِي نَفْسِهِ

وَيَقُولُ لَهُ:

اِجْلِسْ.

لَيْسَ مَنْ يَهْزِمُ جَيْشاً.

بَلْ مَنْ يَهْزِمُ غَضَباً

كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحْرِقَ قَلْباً.

لَيْسَ مَنْ يَمْلِكُ الْآخَرِينَ.

بَلْ مَنْ لَا تَمْلِكُهُ نَفْسُهُ.

 

وَمِنْ أَيْنَ أَتَيْتَ بِكُلِّ هَذَا النُّورِ؟

يُجِيبُ ابْنُكَ الصَّادِقُ:

>إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ فَأَحْسَنَ أَدَبَهُ...<

آهِ...

هُنَا يَبْدَأُ السِّرُّ.

قَبْلَ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمَ الْأَرْضِ

كُنْتَ تِلْمِيذَ السَّمَاءِ.

قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّبَ الْأُمَّةَ

أَدَّبَكَ اللهُ.

قَبْلَ أَنْ تَفْتَحَ قُلُوبَنَا

فَتَحَ اللهُ قَلْبَكَ.

وَكَانَ يَأْخُذُكَ إِلَيْهِ

دَرَجَةً دَرَجَةً،

حَتَّى قَالَ:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

كَأَنَّ الْأَخْلَاقَ عِنْدَكَ

لَمْ تَعُدْ صِفَاتٍ تَمْلِكُهَا.

بَلْ أُفُقاً تَسْكُنُهُ.

 

وَكَانَ عَلِيٌّ هُنَاكَ.

طِفْلاً
يَمْشِي خَلْفَكَ.

لَكِنَّ الطِّفْلَ كَانَ يَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهِ

مُسْتَقْبَلَ النُّورِ.

وَقَالَ:

>وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ...<

يَا اللهُ...

أَيُّ صُورَةٍ هَذِهِ؟

عَلِيٌّ خَلْفَ مُحَمَّدٍ.

خُطْوَةً وَرَاءَ خُطْوَةٍ.

وَالسَّمَاءُ فَوْقَهُمَا.

وَمَلَكٌ يَقُودُ مُحَمَّداً إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.

وَمُحَمَّدٌ يَلْتَفِتُ إِلَى عَلِيٍّ

فَيَرْفَعُ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً.

وَهَكَذَا
كَانَ النُّورُ يَتَنَاسَلُ مِنَ النُّورِ.

اللهُ يُؤَدِّبُ مُحَمَّداً.

وَمُحَمَّدٌ يَفْتَحُ لِعَلِيٍّ أَبْوَابَهُ.

وَعَلِيٌّ يَحْمِلُ السِّرَّ

إِلَى الْأَزْمِنَةِ الْآتِيَةِ.

فَإِذَا قُلْتَ: مُحَمَّدٌ،

رَأَيْتَ عَلِيّاً يَمْشِي خَلْفَهُ.

وَإِذَا بَلَغْتَ عَلِيّاً،

وَجَدْتَ فِي وَجْهِهِ شَيْئاً

مِنْ شَمْسِ مُحَمَّدٍ.

لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ نُسْخَةً أُخْرَى.

كَانَ الْمِرْآةَ

حِينَ امْتَلَأَتْ بِالشَّمْسِ،

حَتَّى لَمْ يَعُدِ النَّاظِرُ يَعْرِفُ:

أَيْنَ يَنْتَهِي الضَّوْءُ،

وَأَيْنَ تَبْدَأُ الْمِرْآةُ؟

 

وَكَانَ الرَّسُولُ يَرْفَعُ لِعَلِيٍّ

فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أَخْلَاقِهِ.

لَا كِتَاباً.

عَلَماً.

لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تُعْطَى دَائِماً بِالْكَلِمَاتِ.

بَعْضُ الْحَقَائِقِ

يَنْبَغِي أَنْ تُعَاشَ.

أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ عَيْنٍ إِلَى عَيْنٍ.

وَمِنْ قَلْبٍ إِلَى قَلْبٍ.

وَمِنْ سَجْدَةٍ إِلَى سَجْدَةٍ.

كَانَ عَلِيٌّ يَتَعَلَّمُ مُحَمَّداً

لَا مِنْ كَلَامِهِ فَقَطْ،

بَلْ مِنْ صَمْتِهِ.

مِنْ طَرِيقَتِهِ فِي النَّظَرِ إِلَى فَقِيرٍ.

مِنْ يَدِهِ حِينَ تَمْسَحُ رَأْسَ يَتِيمٍ.

مِنْ دَمْعَتِهِ فِي اللَّيْلِ.

مِنْ وُقُوفِهِ أَمَامَ اللهِ

كَأَنْ لَا أَحَدَ فِي الْوُجُودِ سِوَاهُ.

وَمِنْ رُجُوعِهِ إِلَى النَّاسِ فِي الصَّبَاحِ

كَأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ فِي الْوُجُودِ

أَمَانَةُ اللهِ بَيْنَ يَدَيْهِ.

 

وَهَذِهِ هِيَ الْعُبُودِيَّةُ.

أَنْ تَصْعَدَ

حَتَّى تَنْزِلَ.

أَنْ تَقْتَرِبَ مِنَ اللهِ

حَتَّى تَقْتَرِبَ مِنْ عِبَادِهِ.

أَنْ تَمْتَلِئَ بِالنُّورِ

لَا لِكَيْ يَرَاكَ النَّاسُ مُضِيئاً،

بَلْ لِكَيْ يَرَى النَّاسُ

طَرِيقَهُمْ.

فَكَانَ مُحَمَّدٌ

كُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنَ اللهِ

ازْدَادَ تَوَاضُعاً.

وَكُلَّمَا عَلَا

انْحَنَى.

وَكُلَّمَا عَرَفَ

رَحِمَ.

حَتَّى كَانَ يَأْكُلُ أَكْلَ الْعَبْدِ،

وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ،

وَيَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ.

هُنَا...

تَنْتَهِي الطُّرُقُ كُلُّهَا.

الْعَارِفُ الَّذِي يَرَى نَفْسَهُ

لَمْ يَصِلْ.

وَالْعَارِفُ الَّذِي يَحْتَقِرُ النَّاسَ

لَمْ يَعْرِفِ اللهَ.

وَالْعَارِفُ الَّذِي تَجْعَلُهُ عِبَادَتُهُ قَاسِياً

كَانَ يَعْبُدُ صُورَةً صَنَعَهَا لِنَفْسِهِ.

أَمَّا مُحَمَّدٌ،

فَكُلَّمَا ازْدَادَ بِاللهِ مَعْرِفَةً

ازْدَادَ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً.

كَأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى السَّمَاءِ

يَمُرُّ بِقَلْبِ الْإِنْسَانِ.

 

يَا رَسُولَ اللهِ...

مَاذَا بَقِيَ مِنْ مَوْلِدِكَ فِينَا؟

نُضِيءُ الْمُدُنَ.

وَلَكِنْ...

هَلْ أَضَاءَ الْقَلْبُ؟

نَكْتُبُ اسْمَكَ عَلَى الْجُدْرَانِ.

وَلَكِنْ...

هَلْ كَتَبَتْهُ الرَّحْمَةُ

عَلَى أَخْلَاقِنَا؟

نَرْفَعُ أَصْوَاتَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْكَ.

وَلَكِنْ كَمْ مَرَّةً

خَفَضْنَا أَصْوَاتَنَا رَحْمَةً بِإِنْسَانٍ

لِأَنَّكَ كُنْتَ تُحِبُّ الرِّفْقَ؟

كَمْ مُذْنِباً سَتَرْنَا؟

كَمْ سَاقِطاً رَفَعْنَا؟

كَمْ جَاهِلاً عَلَّمْنَا

دُونَ أَنْ نُهِينَهُ؟

كَمْ خَصْماً نَاقَشْنَا فِكْرَتَهُ

وَلَمْ نَسْحَقْ كَرَامَتَهُ؟

كَمْ مَرَّةً انْتَصَرْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا

حِينَ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى الِانْتِقَامِ؟

 

لَعَلَّ الْمَوْلِدَ الْحَقِيقِيَّ

لَيْسَ أَنْ نَتَذَكَّرَ اللَّيْلَةَ الَّتِي وُلِدْتَ فِيهَا.

بَلْ أَنْ تُولَدَ فِينَا.

أَنْ يُولَدَ شَيْءٌ مِنْ مُحَمَّدٍ

فِي غَضَبِنَا.

شَيْءٌ مِنْهُ

فِي بُيُوتِنَا.

شَيْءٌ مِنْهُ

فِي خِلَافَاتِنَا.

شَيْءٌ مِنْهُ

فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَنْظُرُ بِهَا إِلَى الْمُذْنِبِينَ.

شَيْءٌ مِنْهُ

فِي أَلْسِنَتِنَا،

حِينَ تُصْبِحُ الْكَلِمَةُ سِكِّيناً،

فَنَخْتَارُ أَنْ نَجْعَلَهَا مَرْهَماً.

أَنْ تُولَدَ أَنْتَ فِي الْقَلْبِ...

هَذَا هُوَ الْمَوْلِدُ.

 

يَا مُحَمَّدُ...

يَا آخِرَ الطَّرِيقِ إِلَى النُّبُوَّةِ،

وَأَوَّلَ الطَّرِيقِ إِلَى الْإِنْسَانِ.

يَا مَنْ وَقَفَ بَيْنَ اللهِ وَالْعَالَمِ

لَا لِيَحْجُبَ أَحَدَهُمَا عَنِ الْآخَرِ،

بَلْ لِيَقُولَ لِلْعَالَمِ:

هَذَا رَبُّكُمْ...

ثُمَّ يَقُولَ لِلْقَلْبِ:

انْهَضْ إِلَيْهِ.

يَا مَنْ جَعَلْتَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ

أَعْلَى أَشْكَالِ الْحُرِّيَّةِ.

وَمِنَ الرَّحْمَةِ

أَشَدَّ أَشْكَالِ الْقُوَّةِ.

وَمِنَ التَّوَاضُعِ

عَرْشاً لَا يَرَاهُ الْمُتَكَبِّرُونَ.

 

وَيَا عَلِيُّ...

يَا ابْنَ ذَلِكَ النُّورِ.

يَا مَنْ رَأَيْتَ الطَّبِيبَ الدَّوَّارَ

قَبْلَ أَنْ نَقْرَأَ وَصْفَهُ.

يَا مَنْ مَشَيْتَ خَلْفَهُ

حَتَّى صَارَ الطَّرِيقُ فِي خُطَاكَ.

يَا مَنْ شَرِبْتَ مِنْ نَبْعِ مُحَمَّدٍ،

حَتَّى إِذَا تَكَلَّمْتَ عَنِ الدُّنْيَا

خَجِلَتِ الدُّنْيَا،

وَإِذَا تَكَلَّمْتَ عَنِ اللهِ

شَعَرَ الْقَلْبُ أَنَّهُ كَانَ غَائِباً،

وَإِذَا وَقَفْتَ فِي الْمِحْرَابِ

لَمْ نَعُدْ نَعْرِفُ:

أَكَانَ عَلِيٌّ يُصَلِّي،

أَمْ كَانَتِ الصَّلَاةُ

قَدِ اتَّخَذَتْ هَيْئَةَ عَلِيٍّ؟

 

مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ...

لَيْسَا اسْمَيْنِ فِي ذَاكِرَتِنَا.

إِنَّهُمَا سُؤَالَانِ:

مَاذَا صَنَعْتَ بِنُورِكَ؟

وَمَاذَا صَنَعْتَ بِالْإِنْسَانِ؟

فَالدِّينُ الَّذِي لَا يَجْعَلُكَ أَرْحَمَ

يَحْتَاجُ أَنْ تُعِيدَ قِرَاءَتَهُ.

وَالْعِبَادَةُ الَّتِي لَا تَكْسِرُ صَنَمَ الْأَنَا

تَحْتَاجُ إِلَى قِبْلَةٍ أُخْرَى فِي الْقَلْبِ.

وَالْمَعْرِفَةُ الَّتِي لَا تَزِيدُكَ تَوَاضُعاً

قَدْ تَكُونُ حِجَاباً

كَتَبْنَا عَلَيْهِ اسْمَ اللهِ.

 

أَيُّهَا النَّبِيُّ...

خُذْ بِأَيْدِينَا

مِنِ ازْدِحَامِنَا إِلَى وَحْدَتِكَ،

وَمِنْ وَحْدَتِكَ إِلَى الْوَاحِدِ.

عَلِّمْنَا
أَنْ نَرَى وَرَاءَ وُجُوهِ النَّاسِ

أَسْرَارَهُمْ.

وَوَرَاءَ خَطَايَاهُمْ

إِمْكَانَ تَوْبَتِهِمْ.

وَوَرَاءَ سُقُوطِهِمْ

قِيَامَهُمُ الْمُمْكِنَ.

عَلِّمْنَا أَنْ نَكُونَ أَطِبَّاءَ

لَا قُضَاةً فِي كُلِّ لَحْظَةٍ.

أَنْ نَسْأَلَ عَنِ الْجُرْحِ

قَبْلَ أَنْ نُحَاكِمَ الصَّرْخَةَ.

أَنْ نُفَتِّشَ عَنِ النُّورِ

وَلَوْ كَانَ مُخْتَبِئاً

تَحْتَ أَلْفِ طَبَقَةٍ مِنَ الرَّمَادِ.

 

وَعَلِّمْنَا يَا رَسُولَ اللهِ

أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ

لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ فَحَسْبُ.

إِنَّهَا نُورٌ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ مَعَنَا

إِلَى الْأَرْضِ.

فَإِذَا قُلْنَا:

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ،

فَلْيَدْخُلْ شَيْءٌ مِنْ مُحَمَّدٍ

إِلَى أَخْلَاقِنَا.

وَشَيْءٌ مِنْ عَلِيٍّ

إِلَى شَجَاعَتِنَا.

وَشَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ

إِلَى أَبْصَارِنَا.

وَشَيْءٌ مِنَ اللهِ

إِلَى مَقَاصِدِنَا.

حَتَّى لَا تَبْقَى الصَّلَاةُ عَلَيْكَ

صَوْتاً فِي الْفَمِ،

بَلْ تُصْبِحُ

تَحَوُّلاً فِي الْإِنْسَانِ.

 

وَعِنْدَهَا فَقَطْ

سَنَفْهَمُ مَعْنَى:

﴿وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾.

فَالسِّرَاجُ مَا زَالَ مُشْتَعِلاً.

لَكِنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ:

أَيْنَ النُّورُ؟

السُّؤَالُ:

أَيْنَ النَّافِذَةُ؟

 

اِفْتَحْ قَلْبَكَ.

فَلَعَلَّ مُحَمَّداً

لَمْ يُولَدْ بَعْدُ فِيكَ.

وَلَعَلَّ حِرَاءَكَ مَا تَزَالُ تَنْتَظِرُ.

وَلَعَلَّ فِي أَعْمَقِ لَيْلِكَ

آيَةً لَمْ تَنْزِلْ بَعْدُ.

وَلَعَلَّ اللهَ يُرِيدُ

أَنْ يَبْدَأَ بِكَ

خَلْقَكَ مِنْ جَدِيدٍ.

فَإِذَا انْكَسَرَ صَنَمٌ فِي دَاخِلِكَ،

وَإِذَا غَلَبْتَ غَضَباً،

وَإِذَا سَتَرْتَ مُذْنِباً،

وَإِذَا رَفَعْتَ سَاقِطاً،

وَإِذَا أَحْبَبْتَ إِنْسَاناً

لِأَنَّ اللهَ لَمْ يُغْلِقْ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ،

وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى عَلِيٍّ

فَرَأَيْتَ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ الِاقْتِدَاءُ إِلَى نُورٍ،

وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ

فَشَعَرْتَ أَنَّ الْآيَةَ لَا تُخَاطِبُ أُذُنَكَ،

بَلْ تُعِيدُ تَرْتِيبَ قَلْبِكَ...

فَاعْلَمْ:

أَنَّ مَكَّةَ قَدْ عَادَتْ.

وَأَنَّ حِرَاءَ قَدْ أَضَاءَ.

وَأَنَّ السِّرَاجَ

مَا انْطَفَأَ.

وَأَنَّ مُحَمَّداً...

وُلِدَ الْآنَ.

القطيف : 18 / 8 / 2026

5 / 3 / 1448هـ


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة