فقه أدب التعايش ٧ : محاكمة العقائد
مما يؤسف له أنَّ بعض الناس من أنصاف المتفقهين ينصِّبون أنفسهم مفتشين عن عقائد الناس، ويصدِّرون الأحكام يميناً وشمالاً، تكفيراً وتضليلاً أو تفسيقاً وتبديعاً، دون تثبت أو تورع، مع أنَّ تكفير المسلم لمسلم آخر أو تضليله هذيان وغير منطقي، وهو سم قاتل يسري في جذور حياتنا الثقافية والاجتماعية.. وفي الوقت نفسه تضع على مداركنا غشاوة سميكة، فلا نرى الآفاق الممتدة والإمكانات الكامنة وراء ظهور العاهات المستديمة في المجتمع مما يؤدي في تآكل الأمم وسقوطها.
فلا يجوز لنا اقتحام هذه العقبة إلا بحجة دامغة تقطع الشك باليقين؛ وليس من العلم في شيء أن نولِّد قضايا يقينية من مقدمات ظنية.. فلو أنَّ كاتباً أو محاضراً طرح بعض الأفكار التي قد يتراءى منها التشكيك في بعض المسلَّمات العقائدية لكنَّ لها وجهاً حسناً ومحملاً صحيحاً لا ينافي الاعتقاد فلا يسوغ البناء على الاحتمال الفاسد والحكم على أساسه، فإنَّ اليقين لا يزول إلا بيقين مثله، والحدود تُدرأ بالشبهات، وصريح القرآن يقول: ﴿ولا تقُولُوا لِمنْ ألْقى اليْكُمُ السّلام لسْت مُؤْمِنًا تبْتغُون عرض الْحياةِ الدُّنْيا﴾ «النساء: 944». في تأكيد بيّن على مبدأ الأخذ بالظاهر، والابتعاد عن محاكمة النوايا التي لا يعلمها الا الله العالم بالسرائر.
والإسلام قد حمى أهل الكتاب وضمن لهم حرية العقيدة والعبادة منذ فجر الاسلام، ولو أعطى الإنسان لنفسه الحق في محاكمة عقائد هؤلاء وفقاً لعقيدته لما بقي مسيحيٌ واحدٌ أو يهوديٌ يعيش بين أظهر المسلمين حتى اليوم، فكيف نقبل على أنفسنا كمسلمين أن نتقاتل ونسلب من بعضنا ما حباه الله لنا وشرعه رسوله ﷺ من العيش الكريم.
قال الملا علي القاري - من علماء الحنفية -: ”ذكروا أنَّ المسألة المتعلقة بالكفر إذا كان لها تسعة وتسعون احتمالاً للكفر واحتمال واحد في نفيه، فالأولى للمفتي والقاضي أن يعمل بالاحتمال النافي؛ لأنّ الخطأ في ابقاء ألف كافر أهون من الخطأ في افناء مسلم واحد... وإذا كان اللفظ محتملاً، فلا يُحكم بكونه كفراً إلا إذا صرح بأنه نوى المعنى الكفري“.
وقال ابن حجر الهَيْتمي: ”الذي صرح به أئمتنا أنَّ من تكلم بمُحْتَمِل للكفر لا يُحْكَم عليه حتى يُسْتَفْسَر“. أي حتى يُسأل عن قصده، فإن قال: قصدتُ هذا المعنى وكان المعنى المذكور صريحاً في الكفر يكفّر، أما إن قصد معنىً غيرَ كفري فإنّه لا يكفَّر.
وجاء في كتاب رد المحتار لابن عابدين: ”إذا كان في المسألة وجوه - أي احتمالات - توجب التكفير ووَجْهٌ واحد يمنع التكفير، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسيناً للظن بالمسلم“.
وضرب مثلاً لذلك فقال: ”إذا شتم رجلٌ دينَ مسلم فيحتمل أن يكون هذا السبّ استخفافاً في الدين فيكفر، ويحتمل أن يكون مراده أخلاقه الرديّة ومعاملته القبيحة، لا حقيقة دين الإسلام، فينبغي أن لا يكفَّر حينئذ“.
ويقول الشاطبي في كتاب الاعتصام: ”وقد اختلفت الأمّة في تكفير هؤلاء الفِرَق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم، والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم ألا ترى إلى صنع علي «رض» في الخوارج، وكونه عَامَلَهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام..“.
إنّ قيمة المسلم، ولا سيما إذا كان داعية أو عالم دين، أن يعرف قيمة موقعه، ويحدد مقدار علمه، الأمر الذي يفرض عليه أن يحترم الفكر الآخر، ليدفعه ذلك إلى الاستماع إلى وجهة نظره بحكمة وروية، والجدال بالتي هي أحسن، والبعد عن الأساليب الحادّة التي تتحدى احترام إنسانية الإنسان. وهذا هو أول درجات تواضع العلماء.
إضافة إلى ما ينتظر العلماء من دور فاعل في تحصين مجتمعاتنا من روح الكراهية، وبث القيم الأخلاقية، واستثارة عناصر الرحمة في وجدان كل فرد، بحيث يتوجه إحساسنا إلى الجانب المضيء من الصورة بدلاً من الاستغراق في الجانب المظلم منها. فالمشكلة التي يواجهها المجتمع، تتمثل في غلبة العاطفة والانفعال على كيانه، والتي يستغلها البعض من أجل إثارة الأجواء ضد كل إصلاح وتعايش.
إنّ دين ومذهب كل إنسان يجب أن يترك لقناعة وضمير كل إنسان، وأنه حق كل إنسان أن يمارسه، كما يمليه عليه ضمير هذا الحق، هو في طبيعته حق لا يمكن التصرف به، وهو حق غير قابل للتصرف، وإلا سيرتد علينا بدمار موجع.
يقول العالم الأزهري الشيخ محمد عرفة «ت 1972م»: ”المتأمل في تاريخ علم الكلام لا يخالجه أدنى شك أنَّ هذا العلم - وبدل أن يشكل ركيزة أساسية وأرضية مشتركة للجمع والتوحيد - ساهم بوضعيته التاريخية في ثلم وحدة الأمة وتقطيع أوصالها وتحويل خلافاتها المذهبية إلى تكتلات عصبوية وحزبية لعبت دوراً رئيسياً في إشعال نار الفتن المذهبية وتغذية الصراعات الدموية في أكثر من مرحلة زمنية. ولم يكن ذلك بين الشيعة والسنة فحسب كما هو معروف وسطرت فصوله كتب التاريخ، بل بين أبناء المذهب الواحد، كصراعات الأشاعرة والمعتزلة أو الحنفية والحنابلة...“.
والأسف أنَّ الجهات الرسمية تهمل في إزالة التوترات التي تتخذ طابعاً مذهبياً، أو تؤدي إلى شعور مذهب بالغبن على حساب مذهب آخر بما يساهم في تعزيز التحسس المذهبي بين الشعب الواحد.
وكان من تداعيات هذا الإهمال نشوء ظاهرة التكفير والتضليل المتنامية في الأوساط الإسلامية في أساليبها المدمّرة وتجلياتها القاتلة، وهي - بطبيعة الحال - خدمة مجانية لأعداء الإسلام. يقول المرجع السيد محمد حسين فضل الله: ”إنّ الذين يستسهلون سلوك طريق القتل حتى ضد المسلمين يعيشون في حالة من الفوضى المفاهيمية التي غالباً ما تقود إلى فوضى سياسية وعسكرية وأمنية؛ تجعلهم يسفكون الدماء داخل المجتمع الإسلامي بدم بارد، حتى قادهم ذلك إلى قتل النساء والأطفال والشيوخ في هذا الموقع الإسلامي أو ذاك، وفي هذا البلد الإسلامي أو ذاك في غير حالة حرب. ولا شك بأنّ ذلك يختلف تماماً عن العمليات الاستشهادية التي تنطلق في مواجهة الاحتلال كتلك التي ينطلق بها المجاهدون في فلسطين من خلال اضطرار الشعب للدفاع عن نفسه والتي قد يسقط فيها الأبرياء عرضاً تماماً كما يسقط الأبرياء في ساحة الحرب. ومن هنا فإنّ ظاهرة التكفير التي تتحرك في أكثر من سياق وبعيداً عن الموازين الشرعية والإنسانية قد استطاعت أن تصنع واقعاً مدمراً في العالم العربي والإسلامي، كما أنها أعطت الفرصة للمستكبرين في العالم لكي تحرك عنوان الحرب ضد الإرهاب في طول هذا العالم وعرضه“.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق